حزب الأمة (الإنجليزي) ومفكره ومُنَظِّره لطفي السيد
معلوم أن هذا الحزب من صنع كرومر، وتولى لطفي السيد قيادة فكره وصحيفته "
الجريدة " وهو الذي احتضن الدعوة إلى تحرير المرأة، فكان لطفي السيد في
مقدمة المروّجين لها على صفحات جريدة "الجريدة" وهي لسان الحزب المذكور.
ومن المعروف أن أعضاء حزب الأمة الذين أطلق الإنجليز عليهم اسم "الرجال
المعتدلون"؛ لأنهم حاربوا مصطفى كامل وناوؤه؛ لأنه جعل مبدأه في مقاومة
الاستعمار يقوم على أساس الجلاء ووحدة وادي النيل، ووصفوه بالرجل العنيف ..
وكفى حزب الأمة خزيًا وهوانًا وذلاً أن كان من زعمائه الهلباوي "جلاَّد
دنشواي" وفتحي زغلول شقيق سعد زغلول وعضو المحكمة المخصوصة التي حكمت بما
حكمت به في دنشواي والذي قال فيه أحمد شوقي:
إِذا ما جمعتم أمركم وهممتمُ ... بتقديم شيء للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوق بغير جريرةٍ ... وسروال مسجون وقيد سجينِ
ولا تقرءوا شعري عليه فحسبه ... من الشعر حكم خطّه بيمينِ
ولا تنشروه في شبرد بل انشروا ... على ملأٍ في دنشواى حزين
إِذا ما جمعتم أمركم وهممتمُ ... بتقديم شيء للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوق بغير جريرةٍ ... وسروال مسجون وقيد سجينِ
ولا تقرءوا شعري عليه فحسبه ... من الشعر حكم خطّه بيمينِ
ولا تنشروه في شبرد بل انشروا ... على ملأٍ في دنشواى حزين
* الحملة علي اللغة العربية، الفصحى والدعوة إِلى العامية:
كانت حملة لطفي السيد على اللغة العربية الفصحى هي أخطر الأعمال التي قام بها والتي دفعته بالتبعية؛ لأن يواصل الخطة التي بدأها الاستعمار البريطاني بقيادة ولكوكس وقد كانت محاولته ماكرة خبيثة بدأها في 1899
كانت حملة لطفي السيد على اللغة العربية الفصحى هي أخطر الأعمال التي قام بها والتي دفعته بالتبعية؛ لأن يواصل الخطة التي بدأها الاستعمار البريطاني بقيادة ولكوكس وقد كانت محاولته ماكرة خبيثة بدأها في 1899
في مجلة الموسوعات حيث ادعى أن اللغة العربية أصبح تعلمها أبعد منالاً من
تعلم اللغات الأجنبية، ودعا إلى تسكين حروف الهجاء وفك الإدغام، وإهمال
الشكل، وسخر من هذه الضوابط كلها، ثم وسع نطاق الدعوة عام 1913 في جريدة
الجريدة فكتب أكثر من سبع مقالات (إبريل- ومايو 1913) وهو في هذه الحملة
كان خادعًا فهو لم يفاجئ القارئ بالحملة على اللغة العربية (وكذلك خصوم
اللغة العربية يفعلون ذلك فلا يكشفون عن خصومتهم) بل يصدرون عن غيرة مفتعلة
تدعوهم إلى ادعاء الحافظة عليها حين يوجهون سمومهم وهو لم يدع إلى ترك
الكتابة بالفصحى إلى العامية بل تسلل إلى ذلك بطريقة فيها كثير من المكر
والمداورة وكانت دعوته إلى إدخال الكلمات الأجنبية (الأتومبيل والبسكلت
والجاكته والبنطلون وغيرها) إلى اللغة العربية، وقال: أنها دخلت اللغة
فعلاً وأننا لا نستطيع أن نضع لها ولا لغيرها من المسميات الجديدة أسماء
جديدة.
وقال: الأسماء الجديدة ما لها لو أخذناها (زي ماهية).
وقال: أن اللغة ملك للأمة وللكتاب الحرية في الزيادة عليها بأساليب جديدة وألفاظ جديدة، وأنه لا حرج على الكاتب أو المترجم أن يستعمل من الألفاظ ما شاء لما شاء من المعاني، ويقول: نريد أن لا نذر (اللغة العامية) أو لغة الشعب تموت بإبعاد عربيتها وفصيحها عن عالم الكتابة والعلم ونريد أن نرفع لغة العامة إلى الاستعمال الكتابي وننزل بالضروري من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل، وقال: إن العامية وأسماها لغة، لها مشخصات ثابتة تحددها من جميع الجهات وتجعلها مميزة تميزًا تامًا ودعا إلى استعمال العامية في الكتابة.
وقال: إن كل الحروف تكون ساكنة ولا تتحرك إلا بحروف العلة".
هذه هي المؤامرة التي حمل لواءها لطفي السيد الذي اختير بعد ذلك
وقال: الأسماء الجديدة ما لها لو أخذناها (زي ماهية).
وقال: أن اللغة ملك للأمة وللكتاب الحرية في الزيادة عليها بأساليب جديدة وألفاظ جديدة، وأنه لا حرج على الكاتب أو المترجم أن يستعمل من الألفاظ ما شاء لما شاء من المعاني، ويقول: نريد أن لا نذر (اللغة العامية) أو لغة الشعب تموت بإبعاد عربيتها وفصيحها عن عالم الكتابة والعلم ونريد أن نرفع لغة العامة إلى الاستعمال الكتابي وننزل بالضروري من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل، وقال: إن العامية وأسماها لغة، لها مشخصات ثابتة تحددها من جميع الجهات وتجعلها مميزة تميزًا تامًا ودعا إلى استعمال العامية في الكتابة.
وقال: إن كل الحروف تكون ساكنة ولا تتحرك إلا بحروف العلة".
هذه هي المؤامرة التي حمل لواءها لطفي السيد الذي اختير بعد ذلك
رئيسًا لمجمع اللغة
العربية وقد عاشت هذه الأفكار قائمة في حياته وفكره بل وعمل المجمع إلى
تحقيقها بعد أن ضم إليه عدد من خصوم اللغة العربية أمثال طه حسين وعبد
العزيز فهمي الذي دعا إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية ومن بعد
ذلك عدد كبير من هؤلاء السطويين التغريبيين.
وقد وقف عبد الرحمن البرقوقي ومصطفى صادق الرافعي في مجلة البيان موقفًا حاسمًا جريئًا في الدفاع عن اللغة العربية وقد حملا لواء الاتهام للطفي السيد مؤمنين بأن القضاء على اللغة العربية هو قضاء على أقدس مقدسات الأمة الإسلامية.
وكتب مصطفى صادق الرافعي يرد عليه تحت عنوان: "الرأي العامي في اللغة العربية الفصحى:
زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في استوائها وجمالها كصفحة السماء فهل البلاغة العربية إلا تلك، وهل هذا أمر غير عربي بل وهل يعرفون -أصلحهم الله- أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه من ألفاظ والديه كأنه إنما يلفق لهما اعتصامًا واعتسافًا واستكراهًا إذ لا يفهم من كل ذلك شيئًا إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته.
ثم ما هو حكم العامي -وهو في كل أمة الطفل العلمي- بجانب أهل العلوم، أتراه يلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الطفل الصغير مع أبويه فلم لا تحمي العلوم وألفاظها وأساليب التعبير عنها ونحو ذلك مما تتراخى به شقة الفهم إذا تعاطاه ذهن العامي أو حاوله ويكون سداد العلماء فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال.
وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في حد هذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأقلام فهل يكبر عليهم أن يكبروا ويشيدوا وأن يساوقوا الفطرة في مجراها فيأخذوا الشيء بأسبابه ويأتوا الأمر من بابه، يصدرون رأيهم على جهل فإذا كشف لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة أنكروا ما جئت به وحسبوك تمتري الكذب وأصروا واستكبروا استكبارًا لأن رأس علمهم أن يظنوا لا أن يحققوا ما يظنون فالرأي هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما ينادى إليه.
اللغة مظهر من مظاهر التاريخ والتاريخ صفة الأمة فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى، فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية وأن في العربية سرًا خالدًا هو هذا الكتاب المبين (القرآن) الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح ويحكم منطقًا وإعرابًا بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها وبالجملة عن مؤداها، ثم هذا المعنى الإسلامي (الدين) المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم والقيم على الفطرة الإنسانية؛ والقرآن الكريم ليس كتابًا يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب فحسب، إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عقده، وإن كانت وثيقة ولأتى عليه الزمان، أو بالحري لنفس من أمره شيء كثير عن الأمم ولاستبان منه مساغ للتحريف والتبديل من غال أو مبطل ولكانت عربيته الصريحه الخالصة عذرًا للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثبت لهم قدره على ذلك.
وليس يقول بهذا إلا ظنين قد انطوى صدره على غل واجتمع قلبه على داخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ بعلم، وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا بوجهه ولكن بتوجه معه ولا يقبل به ولكن يدبر به الرأي إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة العربية فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكمًا حتى يتأذن الله بانقراض الخلق وطي هذا البسيط، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله ولما تماسكت أجزاء هذه الأمة ولا استقلت بها الوحدة الإسلامية، ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينها فلم يبق إلا أن تستلحقهم الشعوب وتستلحقهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية -لا السياسية- فلا تتبين من آثارهم بعد ذلك إلا ما يثبت عن طريق الماء إذا انساب الجدول في المحيط، على أنك لو اعترضت على من يهجن العربية ويزري على سبكها لرأيته أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها ثم لرأيت له غرة في تاريخ قومها فهو أن عرف منه شيئًا فقد تجرد من ثمرة المعرفة كان يحفظ طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه الشيطان من المس، ثم ترى الآفة الكبرى أنه مستدرَج من حيث لا يعلم فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته التي جهلها ويجزي منفعة تاريخ علمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه والناس أعداء ما يجهلون.
30 ربيع الثاني 1330 (البيان)
وقد وقف عبد الرحمن البرقوقي ومصطفى صادق الرافعي في مجلة البيان موقفًا حاسمًا جريئًا في الدفاع عن اللغة العربية وقد حملا لواء الاتهام للطفي السيد مؤمنين بأن القضاء على اللغة العربية هو قضاء على أقدس مقدسات الأمة الإسلامية.
وكتب مصطفى صادق الرافعي يرد عليه تحت عنوان: "الرأي العامي في اللغة العربية الفصحى:
زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في استوائها وجمالها كصفحة السماء فهل البلاغة العربية إلا تلك، وهل هذا أمر غير عربي بل وهل يعرفون -أصلحهم الله- أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه من ألفاظ والديه كأنه إنما يلفق لهما اعتصامًا واعتسافًا واستكراهًا إذ لا يفهم من كل ذلك شيئًا إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته.
ثم ما هو حكم العامي -وهو في كل أمة الطفل العلمي- بجانب أهل العلوم، أتراه يلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الطفل الصغير مع أبويه فلم لا تحمي العلوم وألفاظها وأساليب التعبير عنها ونحو ذلك مما تتراخى به شقة الفهم إذا تعاطاه ذهن العامي أو حاوله ويكون سداد العلماء فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال.
وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في حد هذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأقلام فهل يكبر عليهم أن يكبروا ويشيدوا وأن يساوقوا الفطرة في مجراها فيأخذوا الشيء بأسبابه ويأتوا الأمر من بابه، يصدرون رأيهم على جهل فإذا كشف لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة أنكروا ما جئت به وحسبوك تمتري الكذب وأصروا واستكبروا استكبارًا لأن رأس علمهم أن يظنوا لا أن يحققوا ما يظنون فالرأي هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما ينادى إليه.
اللغة مظهر من مظاهر التاريخ والتاريخ صفة الأمة فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى، فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية وأن في العربية سرًا خالدًا هو هذا الكتاب المبين (القرآن) الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح ويحكم منطقًا وإعرابًا بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها وبالجملة عن مؤداها، ثم هذا المعنى الإسلامي (الدين) المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم والقيم على الفطرة الإنسانية؛ والقرآن الكريم ليس كتابًا يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب فحسب، إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عقده، وإن كانت وثيقة ولأتى عليه الزمان، أو بالحري لنفس من أمره شيء كثير عن الأمم ولاستبان منه مساغ للتحريف والتبديل من غال أو مبطل ولكانت عربيته الصريحه الخالصة عذرًا للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثبت لهم قدره على ذلك.
وليس يقول بهذا إلا ظنين قد انطوى صدره على غل واجتمع قلبه على داخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ بعلم، وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا بوجهه ولكن بتوجه معه ولا يقبل به ولكن يدبر به الرأي إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة العربية فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكمًا حتى يتأذن الله بانقراض الخلق وطي هذا البسيط، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله ولما تماسكت أجزاء هذه الأمة ولا استقلت بها الوحدة الإسلامية، ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينها فلم يبق إلا أن تستلحقهم الشعوب وتستلحقهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية -لا السياسية- فلا تتبين من آثارهم بعد ذلك إلا ما يثبت عن طريق الماء إذا انساب الجدول في المحيط، على أنك لو اعترضت على من يهجن العربية ويزري على سبكها لرأيته أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها ثم لرأيت له غرة في تاريخ قومها فهو أن عرف منه شيئًا فقد تجرد من ثمرة المعرفة كان يحفظ طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه الشيطان من المس، ثم ترى الآفة الكبرى أنه مستدرَج من حيث لا يعلم فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته التي جهلها ويجزي منفعة تاريخ علمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه والناس أعداء ما يجهلون.
30 ربيع الثاني 1330 (البيان)
* سياسة الجريدة ورئيسها لطفي السيد:
قال الدكتور محمد محمد حسين: أن الجريدة كانت تصور الاحتلال على أنه حقيقة
واقعة، وترى أن الاعتراف بشرعيته لا تعني عدم وجوده ولا يقلل من سلطته أو
نفوذه وقد دعا لطفي السيد إلى الولاء للثقافة الغربية والفكر الغربي وهاجم
الحركة الوطنية وتأول تصرفات الاستعمار البريطاني وبرر وجوده في مصر وقدم
مقاييس مختلفة عما كان يؤمن به التوجه الوطني والإسلامي في ذلك الوقت وأيد
سعد زغلول في عدم تعليم العلوم باللغة العربية وتعليمها باللغات الأجنبية، ودعا إلى مقاومة تعليم سواد الأمة
وعارض الاتجاه إلى المجانية ومجد مزايا السياسة البريطانية ومدح اللورد
كرومر عدو الوطنية المصرية، وقال عنه: أنه رجل من أعاظم الرجال.
هذا هو النهج الذي سارت عليه الجريدة لسان حال حزب الأمة.
قال الشيخ عبد العزيز جاويش: أما الجريدة فإنها منذ اليوم الأول لها وهي موالية للاحتلال على نحو فيه ذكاء وبراعة فهي تدعي أنها تمثل وجهة نظر أصحاب المصالح الحقيقية وهم أصحاب البيوتات والقصور وممثلو الطبقة الارستقراطية المصرية التي كونها كرومر وقدمت ولاءها للإنجليز وتؤمن الجريدة بأن الاحتلال أمر واقع لا سبيل لمقاومته ومن المصلحة الانتفاع بما يمكن الحصول عليه، ولكن المواقف المتوالية كانت تكشف تبعية الجريدة يومًا
بعد يوم، ولم يكن طيبًا من الجريدة على لسان لطفي السيد فيلسوف الحرية أن تؤيد عودة قانون المطبوعات ومن رأي جاويش أنها فعلت ذلك لأنها تعلم أنه لن ينفذ عليها:
"وفي الوقت الذي يدعو فيه الحزب الوطني إلى مجلس الأمة المنتخب الممثل للأمة يذهب لطفي السيد إلى أن (مجلس الشورى) الذي صنعه الإنجليز يصح أن يطلق عليه مجلس الأمة، ويقول جاويش في استهلال إحدى معاركه مع مدير الجريدة:
"إذا سألنا مدير الجريدة عن المجلس الممثل للأمة، ذلك المجلس الذي نطالب به ونلح في طلبه؛ لأننا الآن محرومون من مجلس يمثل الأمة تمثيلاً بكافة طبقاتها، وإذا جارينا مدير الجريدة في اعتبار مجلس الشورى ممثلاً للأمة لاعتبر أن كل ما تقرره كأنه صادر عن مجموعها وهذا ما لا يقول به أعضاء الشورى أنفسهم فأين هذه. القواعد التي يقررها الآن مدير الجريدة من مبدأ سلطة الأمة الذي ينادي به في كل حين، هل يتفق هذا المبدأ الشريف السامي مع اعتباره مجلس الشورى بنظامه الحاضر ممثلاً للأمة أمام السلطة التنفيذية.
و (يلاحظ أن مجلس الشورى ليس مجلسًا منتخبًا على النحو البرلماني وليس رأيه ملزمًا للحكومة، وقد صنعه الإنجليز بعد أن ألغوا الدستور)، ثم يعرض جاويش لما ذكره لطفي السيد من وصف (مصطفى كامل) صاحب اللواء بأنه لا ينطق إلا بالكفر، وأن سياسة اللواء خرقاء وكتاباته عصبية ليست من العقل في شيء).
وقال جاويش: إذا كان ما تحتوي عليه خطبة الإسكندرية لمصطفى كامل كفرًا فالإيمان في مذهب "الجريدة" هو الرضا بالاحتلال وعدم المطالبة بالاستقلال وهل يمكن أن يقال. أن حزب الأمة متحد مع الحزب الوطني.
وأشار جاويش إلى موقف لطفي السيد من الذين هاجموا تكريم كرومر عند انتهاء مدة حكمه وحملة مصطفى كامل عليه إذ ذاك وقال جاويش:
"أنسيت حملته الصادقة على الجريدة عندما كانت تدعو القوم إلى إقامة احتفال باللورد كرومر وتنشر "في صحيفتك الجريدة هذه العبارة:
"ومما يذكر لجناب اللورد كرومر من علو الهمة والثبات على مبدأه أن كبار الأعيان طلبوا إليه أن يقدموا له هدية تذكارًا لشخصه يذكر به المصريون الذين أقام بينهم هذا الزمن الطويل، موفور القسط من الرفعة الذاتية والشمم وحسن اللقاء والحلم".
وردد جاويش في مجال تصوير الفرق بين مفاهيم الجريدة واللواء للوطنية قول مصطفى. كامل: "أن سياسة الجريدة تدلنا على أنها أشد الجرائد تعلقًا بالاحتلال وحسبنا قدحها فيمن استنكروا الاحتفال باللورد كرومر أعدى أعداء المصريين والطاعن على الإسلام والمسلمين (18/ 11/1907 اللواء) وأضاف جاويش: قوله ولا عجب من أن يكون مدير الجريدة هو الآلة الخاضعه لهذه السياسة. وأشار جاويش إلى الفارق الواضح بين اتجاه الجريدة وحزب الأمة وبين اتجاه الحزب الوطني في موقف خطير، عندما هوجمت طرابلس الغرب فنهضت مصر كلها لتدافع عنها وتقدم لها الأموال والرجال والأسلحة لمقاومة الاحتلال الإيطالي الباطش، الذي كان يدمر السواحل الليبية جارة مصر، هنالك تصدى لطفي السيد للأمر فسخر من المصريين لموقفهم من طرابلس وقال:
ما لنا نحن وهذا الأمر، إن ما يحدث هناك لا يهم مصر ولا دخل لنا فيه ودعا إلى سياسة المنافع لا العواطف، ودعا الحكومة إلى محاكمة من يحملون لواء الدعوة إلى مساعدة طرابلس.
وقال جاويش: "لقد خسر الذين فتنتهم وساوس صدورهم، وأعمتهم عن الحق سخافات مكتشفاتهم، يحاولون أن يصرفوا الأمة المصرية الإسلامية عن تخفيف ويلات إخوانهم الذين أغارت عليهم دولة الخيانة والغدر، إخوانهم في الإنسانية.
إن مساعدة المصريين للدولة العثمانية مساعدة حربية أمر لا يصح معه اتهامهم بالتعصب.
أي مدير الجريدة، أي عدو نفسه، هل نقمت منا أن ندعو المسلمين لنجدة المسلمين، وأن نستنفر الموحدين لإغاثة الموحدين، فماذا كنت تريد، أن الأمر لم يزد على أعمال الإعانة، أعمدنا إلى السيوف فسللناها والى البنادق فصوبناها وإلى الرماح فشددناها؟!.
أي عدو بلاده، رأيت مصر العزيزة مشرفة على موسمها المالي، ثم رأيت بنظارتك كيف تجلب إليها الأموال من كل جانب فعز عليك أن تحسد ذا نعمة، وشق على نفسك أن يستفيد غيرك من أصحاب المزارع، ثم تعلم (ومثلك من تعلمه الفلسفة).
مكانك مكانك أيها الجبان فما لك بميادين تميتك صورتها وتصعقك ذكراها إن لم تشأ فخير لك أن تحفر الأرض بأظافرك، وأن تتردى فيها ثم ارطم رأسك بالحجارة حتي يخرج من دماغك ذلك المخ الذي كان سبب شقائك وأصل بلائك".
وقد أخرجت مدرسة الجريدة جيلاً من الكتاب عرف فيما بعد بحزب الأحرار الدستوريين وانطوى تحت لوائه في هذه المفاهيم طه حسين ومحمد حسين هيكل ومحمود عزمي وعلي عبد الرازق، وقد تمددت هذه الأفكار في هؤلاء مقاومة للوحدة الإسلامية وللعروبة وقبول الاحتلال والتفاهم معه وقصر التعليم على أبناء البيوتات وحدهم والولاء للفكر الغربي والفلسفة اليونانية والديمقراطية الليبرالية الغربية.
هذا هو النهج الذي سارت عليه الجريدة لسان حال حزب الأمة.
قال الشيخ عبد العزيز جاويش: أما الجريدة فإنها منذ اليوم الأول لها وهي موالية للاحتلال على نحو فيه ذكاء وبراعة فهي تدعي أنها تمثل وجهة نظر أصحاب المصالح الحقيقية وهم أصحاب البيوتات والقصور وممثلو الطبقة الارستقراطية المصرية التي كونها كرومر وقدمت ولاءها للإنجليز وتؤمن الجريدة بأن الاحتلال أمر واقع لا سبيل لمقاومته ومن المصلحة الانتفاع بما يمكن الحصول عليه، ولكن المواقف المتوالية كانت تكشف تبعية الجريدة يومًا
بعد يوم، ولم يكن طيبًا من الجريدة على لسان لطفي السيد فيلسوف الحرية أن تؤيد عودة قانون المطبوعات ومن رأي جاويش أنها فعلت ذلك لأنها تعلم أنه لن ينفذ عليها:
"وفي الوقت الذي يدعو فيه الحزب الوطني إلى مجلس الأمة المنتخب الممثل للأمة يذهب لطفي السيد إلى أن (مجلس الشورى) الذي صنعه الإنجليز يصح أن يطلق عليه مجلس الأمة، ويقول جاويش في استهلال إحدى معاركه مع مدير الجريدة:
"إذا سألنا مدير الجريدة عن المجلس الممثل للأمة، ذلك المجلس الذي نطالب به ونلح في طلبه؛ لأننا الآن محرومون من مجلس يمثل الأمة تمثيلاً بكافة طبقاتها، وإذا جارينا مدير الجريدة في اعتبار مجلس الشورى ممثلاً للأمة لاعتبر أن كل ما تقرره كأنه صادر عن مجموعها وهذا ما لا يقول به أعضاء الشورى أنفسهم فأين هذه. القواعد التي يقررها الآن مدير الجريدة من مبدأ سلطة الأمة الذي ينادي به في كل حين، هل يتفق هذا المبدأ الشريف السامي مع اعتباره مجلس الشورى بنظامه الحاضر ممثلاً للأمة أمام السلطة التنفيذية.
و (يلاحظ أن مجلس الشورى ليس مجلسًا منتخبًا على النحو البرلماني وليس رأيه ملزمًا للحكومة، وقد صنعه الإنجليز بعد أن ألغوا الدستور)، ثم يعرض جاويش لما ذكره لطفي السيد من وصف (مصطفى كامل) صاحب اللواء بأنه لا ينطق إلا بالكفر، وأن سياسة اللواء خرقاء وكتاباته عصبية ليست من العقل في شيء).
وقال جاويش: إذا كان ما تحتوي عليه خطبة الإسكندرية لمصطفى كامل كفرًا فالإيمان في مذهب "الجريدة" هو الرضا بالاحتلال وعدم المطالبة بالاستقلال وهل يمكن أن يقال. أن حزب الأمة متحد مع الحزب الوطني.
وأشار جاويش إلى موقف لطفي السيد من الذين هاجموا تكريم كرومر عند انتهاء مدة حكمه وحملة مصطفى كامل عليه إذ ذاك وقال جاويش:
"أنسيت حملته الصادقة على الجريدة عندما كانت تدعو القوم إلى إقامة احتفال باللورد كرومر وتنشر "في صحيفتك الجريدة هذه العبارة:
"ومما يذكر لجناب اللورد كرومر من علو الهمة والثبات على مبدأه أن كبار الأعيان طلبوا إليه أن يقدموا له هدية تذكارًا لشخصه يذكر به المصريون الذين أقام بينهم هذا الزمن الطويل، موفور القسط من الرفعة الذاتية والشمم وحسن اللقاء والحلم".
وردد جاويش في مجال تصوير الفرق بين مفاهيم الجريدة واللواء للوطنية قول مصطفى. كامل: "أن سياسة الجريدة تدلنا على أنها أشد الجرائد تعلقًا بالاحتلال وحسبنا قدحها فيمن استنكروا الاحتفال باللورد كرومر أعدى أعداء المصريين والطاعن على الإسلام والمسلمين (18/ 11/1907 اللواء) وأضاف جاويش: قوله ولا عجب من أن يكون مدير الجريدة هو الآلة الخاضعه لهذه السياسة. وأشار جاويش إلى الفارق الواضح بين اتجاه الجريدة وحزب الأمة وبين اتجاه الحزب الوطني في موقف خطير، عندما هوجمت طرابلس الغرب فنهضت مصر كلها لتدافع عنها وتقدم لها الأموال والرجال والأسلحة لمقاومة الاحتلال الإيطالي الباطش، الذي كان يدمر السواحل الليبية جارة مصر، هنالك تصدى لطفي السيد للأمر فسخر من المصريين لموقفهم من طرابلس وقال:
ما لنا نحن وهذا الأمر، إن ما يحدث هناك لا يهم مصر ولا دخل لنا فيه ودعا إلى سياسة المنافع لا العواطف، ودعا الحكومة إلى محاكمة من يحملون لواء الدعوة إلى مساعدة طرابلس.
وقال جاويش: "لقد خسر الذين فتنتهم وساوس صدورهم، وأعمتهم عن الحق سخافات مكتشفاتهم، يحاولون أن يصرفوا الأمة المصرية الإسلامية عن تخفيف ويلات إخوانهم الذين أغارت عليهم دولة الخيانة والغدر، إخوانهم في الإنسانية.
إن مساعدة المصريين للدولة العثمانية مساعدة حربية أمر لا يصح معه اتهامهم بالتعصب.
أي مدير الجريدة، أي عدو نفسه، هل نقمت منا أن ندعو المسلمين لنجدة المسلمين، وأن نستنفر الموحدين لإغاثة الموحدين، فماذا كنت تريد، أن الأمر لم يزد على أعمال الإعانة، أعمدنا إلى السيوف فسللناها والى البنادق فصوبناها وإلى الرماح فشددناها؟!.
أي عدو بلاده، رأيت مصر العزيزة مشرفة على موسمها المالي، ثم رأيت بنظارتك كيف تجلب إليها الأموال من كل جانب فعز عليك أن تحسد ذا نعمة، وشق على نفسك أن يستفيد غيرك من أصحاب المزارع، ثم تعلم (ومثلك من تعلمه الفلسفة).
مكانك مكانك أيها الجبان فما لك بميادين تميتك صورتها وتصعقك ذكراها إن لم تشأ فخير لك أن تحفر الأرض بأظافرك، وأن تتردى فيها ثم ارطم رأسك بالحجارة حتي يخرج من دماغك ذلك المخ الذي كان سبب شقائك وأصل بلائك".
وقد أخرجت مدرسة الجريدة جيلاً من الكتاب عرف فيما بعد بحزب الأحرار الدستوريين وانطوى تحت لوائه في هذه المفاهيم طه حسين ومحمد حسين هيكل ومحمود عزمي وعلي عبد الرازق، وقد تمددت هذه الأفكار في هؤلاء مقاومة للوحدة الإسلامية وللعروبة وقبول الاحتلال والتفاهم معه وقصر التعليم على أبناء البيوتات وحدهم والولاء للفكر الغربي والفلسفة اليونانية والديمقراطية الليبرالية الغربية.
* لطفي السيد وترجمة مؤلفات أرسطو:
رحم الله الشافعي إذ يقول: "إنما فسد العرب لما تركوا الفطرة واتبعوا
لسان أرسطوطاليس".
" لم يكن أرسطو معلمًا للمسلمين ".
يقول الأستاذ أنور الجندي:
كان الأستاذ أحمد لطفي السيد (أستاذ الجيل) هو أول من ترجم فلسفة أرسطو بترجمة كتاب "الأخلاق" إلى العربية عن الترجمة الفرنسية التي قام بها من اليونانية (بارتلي سلنهيار) كمنطلق لتيار جديد أراد به (التغريب) إدخال الفكر الفلسفي اليوناني إلى الأدب العربي الحديث من طريق شخصية لامعة مثل (أرسطوطاليس) وكانت تلك خطة خطيرة غاية الخطورة، ذلك أن العرب والمسلمون في العصر العباسي عندما ترجمت الفلسفة اليونانية رفضوا أرسطو وهاجموه، وكُشف زيفُ منهجه وأنشأوا المنهج العلمي التجريبي الذي تبناه روجر بيكون وكانَ أول خطوات الغرب نحو التجريد بعد التبعية لعصر التأمل الذي كان سمة الفكر الإغريقي، وهكذا نجد أن الغرب أخذ مَن المسلمين المنهج التجريبي في أول عصر النهضة، ثم جاء فأعطى المسلمين منهج أرسطو في أول عصر النهضة العربية على يد لطفي السيد في مقدمة ترجمة كتاب "الأخلاق".
والسؤال هو: هل حقًا كان لطفي السيد أستاذ الجيل صادقًا فيما قال وفيما دعا إليه العرب والمسلمين من اتخاذ أرسطو منطلقًا إلى النهضة الجديدة، وقد مضت كتاباته وكتابات طه حسين وغيره من بعده دعوة ملحة إلى هذا الطريق. أم أن الأمر كان فيه شبهة وخدعة؟!.
وهل كان حقًا (أرسطو) هو منطلق الحضارة الغربية في عصر النهضة وما بعدها، أم أن أول عمل قامت به النهضة هو نقض أرسطو وتزييفه، والحملة على منهجه واعتبار منهجه هو عامل التجميد الذي عاش فيه الغرب معتقلاً قرونًا حتى جاء نور الفجر مع منهج التجريب الإسلامي الذي أطلق الطاقات إلى عصر العلم الحديث، ندع هذا للباحثين، لقد كان علماء المسلمين انطلاقًا من القرآن هم الذين أنشأوا المنهج العلمي التجريبي الذي كان أول حجر في بناء الحضارة والعلم بشهادة:
دراير وبريفولت وجوستاف لوبون في القديم، وسارتون وهونكه وغيرهم في العصر الحديث ومن أهم الكتب في هذا الشأن كتاب هونكه "شمس الله تشرق على الغرب" وكتاب "أوربا ولدت في آسيا".
إذن فلم يكن لطفي السيد صادقًا في دعواه ولم يكن عميد الأدب العربي طه حسين أمينًا حين نقل إلينا هذا المعنى، ذلك أن المسلمين نقدوا أرسطو أولاً (في القرن الرابع الهجري)، ثم جاء الأوربيون فنقدوه ورفضوه فى القرن (الخامس عشر الميلادى)، واستعملوا أسلوب المسلمين في نقده، والتمسوا منهج المسلمين الذي دفعهم إلى ذروة الحضارة والعلم والتكنولوجيا الآن. إذن فلماذا هذا التعارض. يُسأل عن هذا الاستشراق والاستعمار، ذلك بأنهم على حد تعبير الدكتور محمود قاسم: نقلوا المسلمين إلى أرسطو ونقلوا أنفسهم إلى منهج المسلمين (جابر وابن الهيثم والبيروني).
ذلك أن أرسطو هو الذي سيضع المسلمين مرة أخرى داخل القوقعية المنطقية التأملية ويحرمهم من ثمرات منهج التجريب الذي أنشاه دعاة الغرب.
وهكذا نجد أن هذا المنطلق على يد لطفي السيد وطه حسين وجماعة من أتباعهم يتسع ويمتد حتى يقرر: أن العرب خضعوا لمنهج اليونان وأرسطو في القديم ولما كان الفكر الحديث هو ثمرة فكر اليونان فإن تبعية المسلمين والعرب له لا يعد شيئًا غريبًا ولا جديدًا؛ لأنهم كانوا تابعين لليونان من قبل فلا عجب أن يتبعوا ما جدده أحفاد اليونان، لم يكن أستاذ الجيل صادقًا إذن ولم يكن الدكتور طه حسين صادقًا في هذا، فإن المسلمين لم يقبلوا أرسطو ولم يعتنقوا فكر اليونان وإنما العكس هو الصحيح، ذلك أنهم قاوموه ونقدوه وأبانوا عن وجوه الخلاف العميق بينه وبين منطق القرآن وتصدى كثيرون منهم لهذا وفي مقدمتهم الشافعي وابن حنبل والغزالي وابن تيمية.
وقد أثبت الشيخ مصطفى عبد الرازق وأبو ريدة والنشار أن المنطق الأرسطوطاليسي هو منهج الحضارة والفكر اليوناني لم يقبل في المدارس العقلية الإسلامية، وأن المنهج التجريبي الإسلامي هو الذي عرفته أوربا بعد قرون من مطلع حضارتها الحديثة لمباينته للحضارة اليونانية، وأن اكتشاف وجود هذا المنهج لدى المسلمين يفسر روح الحضارة الإسلامية، فالحضارة الإسلامية حضارة عملية تجريبية تتجه إلى تحقيق الفعل الإنساني في ضوء نظرية حية ملموسة. كذلك، فقد كشفت الأبحاث المتعددة عن اضطراب خطير في المراجع التي اعتمد عليها الفارابي وباعتراف الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا: "أن الفكر الذي نقل إلى المسلمين من اليونان والإغريق لم يكن صحيح الأصول بل كانت صورة زائفة دخلت عليها مفاهيم السريانية والنساطرة المترجمين وعقائدهم، وكانت تهدف إلى خدمة مفاهيم دينية، ومن هنا كان فسادها في أن تعطي الفكر الإسلامي شيئًا، ومن ناحية أخرى فقد تبين أن المقاومة للفلسفة اليونانية ومذهب أرسطو بالذات قد بدأت منذ أن تمت الترجمة، وأن المعارضة بدأت منذ اليوم الأول، ذلك أن الفكر الإسلامي كان قد تم تشكيله قبل الترجمة على أساس قيمه القرآنية من التوحيد والأخلاق، ومن الربط بين الوحي والعقل، ولذلك فإنه كان من العسير أن تنصهر فيه الفلسفة اليونانية أو ينصهر فيها، خاصة وهي فلسفة مجتمع وثني قام على العبودية وإعلاء الشهوات وعبادة الجسد فضلاً عن أن محاذير الترجمة من فساد وانتحال وتحريف نصوص وإن كانت طائفة من الفلاسفة أطلق عليهم اسم المشائين قاموا بمحاولة شاقة وعسيرة لإدخال الفلسفة اليونانية في إطار الإسلام ولكن المحاولة فشلت تمامًا، وكانت وقفة الإمام الغزالي في وجه الفلسفة اليونانية وقفة صارمة ردت السهم إلى صدور أصحابه فقد كشف عن الفرق بين الفلسفة الرياضية والطبيعية وبين الفلسفة الإلهية ورفض الأخيرة؛ لأنها متعارضة مع التوحيد وأعلن أن الكلام في الطبيعيات برهاني، أما في الإلهيات فهو تخميني. وفي الفلسفة الإلهية عارض الغزالي القضايا الكبرى الثلاث التي تقرها الفلسفة اليونانية وتختلف مع مفهوم الإسلام:
1 - ما يقولون به من قدم العالم.
2 - وأن الله (جل وعلا) لا يحيط علمًا بالجزئيات.
3 - وإنكارهم البعث، وهاجم الفلاسفة الذين جحدوا الصانع أو زعموا أن العالم قديم كالدهرية والزنادقة، والذين قالوا: أن النفس تموت ولا تعود ومن أنكروا الأخرة.ويقول الدكتور النشار: أن المنطق الأرسطاليسي قد نقل إلى العالم الإسلامي وأثر فقط في المدرسة المشائية الإسلامية وبقيت المدارس الأخرى المنبثقة عن النظام الإسلامي بعيدة كل البعد عنه، تحاربه وتجاهده، وكانت قد وضعت منطقا مختلفًا تمام الأختلاف في روحه وجزئياته.
وقد وصل علماؤنا في مجال البحث من منهج أرسطو إلى حقيقة أساسية هي أن: منطق أرسطو يعبر تعبيرًا دقيقًا عن المجتمع اليوناني العبودي المنقسم إلى سادة يتأملون وعبيد يعملون، السادة هم الصورة والعبيد هم المادة، ولكن المجتمع الإسلامي يختلف عن المجتمع اليوناني اختلافًا كبيرًا تقوم دولته على الأخوة والمساواة وتنطلق من نقطة النظر في السموات والأرض والعمل والكسب والسعي والتجريب.
ومن هنا اختلف منهج المجتمع الإسلامي عن مجتمع اليونان من جملة جوانب أهمها:
التوحيد وإلغاء العبودية والممارسة في مجال العلم، وبذلك بدأ ذلك التعارض الواضح العميق بين مجتمع ومجتمع وفكر وفكر خرج الفكر الإسلامي من الطبقة الأرسطية التي ترى أن العلم لا يكون إلا بالكلي أما العلم الجزئي فليس علمًا، فتقدم الفكر الإسلامي فحطم هذه القاعدة.
وقد صور كثير من الباحثين أثر منهج أرسطو فوصفه الدكتور محمود قاسم بأنه كان منهجًا عقيمًا، وأنه ضلل كثيرًا من مفكري العرب، ثم وقف حائلاً دون ازدهار الحضارة العربية، ويرجع عقمه إلى أنه كان خلوًا من الخيال، وأنه كان أكثر اهتمامًا بالقضايا العامة المجردة منه لدراسة التفاصيل والجزئيات، يستدل على صدق دعوانا وتواضعها بتاريخ النهضة الأوربية، فإنها لم تتحرر من الجمود الذي فرضه عليها منهج اليونان إلا بعد أن عرفت مناهج العرب في العلم والفلسفة ولنا أن نستشهد برنيان نفسه، ذلك أنه يصف (روجر بيكون) بأنه الأمير الحقيقي للفكر الأوربي في القرن الثالث، ويجب أن تعلم كيف جاءته إمارة الفكر، إذ ليس في هذا المجال خلق من العدم ومن اليسير أن نكتشف سر أصالته إذا نحن بينا أنه أول من نادى بمهاجمة المنهج الأرسطاطاليسي في أوربا ودعا إلى اصطناع نهج العرب فهو يأخذ على معاصريه بأنهم يصبون لعناتهم على الرياضة من أنه من الممكن أن يبرهن بالرياضة على كل ما هو ضروري لفهم الطبيعة ولولا الرياضة لاستحال علينا أن نعرف أشياء هذا العالم معرفة صحيحة تعود علينا بالنفع في الأمور الإنسانية والأمور الدينية أيضًا، كذلك يأخذ عليهم الانصراف عن استخدام الملاحظات والتجارب مع أن الطبيعة لا تكشف أسرارها إلا بدراسة الأمور الجزئية حتى تصعد بنا إلى القوانين الكلية".
وهكذا انتصر المنهج الإسلامي على المنهج الأرسطي وحطمه في عقر داره بعد أن حطمه في مجال الفكر الإسلامي نفسه.
فإذا أردنا أن نتبين فكر أرسطو وجدناه يقول بالنظام العبودي اليوناني ويرى أن (نظام الرق) هو أصلح نظام للبشرية وأن العبد إذا تحرر من عبوديته فهو عبد والأمير إذا استعبد فهو أمير، ومفهومه لله تبارك وتعالى ناقص وضال وماديته في التفكير بكونه أساس المذهب المادي واضح لا شبهة فيه، ولذلك فقد كان لا بد أن يصحح الفكر الإسلامي موقفه من أرسطو وفلسفته وخير ما يذكر في ذلك ما كتبه الإمام الجليل ابن تيمية في كتابه "منطق القرآن في مواجهة منطق أرسطو".
يقول أحد الباحثين: أن لطفي السيد هو أول من ضرب وحدة الفكر العربي الإسلامي وقسمه إلى تيارين: قومي وديني وسارت الأحزاب المصرية المنبثقة من حزب الأمة (الوفد، الأحرار الدستوريين) على نفس الطريق الذي رسمه كرومر ونفذه لطفي السيد، والذي كان سعد زغلول أكثر إيمانًا به، وقد حمل لواءه سعد زغلول بعد ثورة 1919 واستطاع هذا الاتجاه أن يسيطر بعد الاستقلال وأن يمتلك نفوذ الحكم والسيطرة السياسية بينما وقف الاتجاه الإسلامي في حدود ضيقة وبرز من خلال الجمعيات الإسلامية والأزهر بعد أن انتشرت حركة التبشير في الجامعة الأمريكية وسقوط الخلافة، وظل مسيطرًا حتى أسلم نفسه لحركة يوليو التي عمقت خطر العلمانية تعميقًا كبيرًا، وفتحت الباب واسعًا أمام الماركسية اللينية.
لسان أرسطوطاليس".
" لم يكن أرسطو معلمًا للمسلمين ".
يقول الأستاذ أنور الجندي:
كان الأستاذ أحمد لطفي السيد (أستاذ الجيل) هو أول من ترجم فلسفة أرسطو بترجمة كتاب "الأخلاق" إلى العربية عن الترجمة الفرنسية التي قام بها من اليونانية (بارتلي سلنهيار) كمنطلق لتيار جديد أراد به (التغريب) إدخال الفكر الفلسفي اليوناني إلى الأدب العربي الحديث من طريق شخصية لامعة مثل (أرسطوطاليس) وكانت تلك خطة خطيرة غاية الخطورة، ذلك أن العرب والمسلمون في العصر العباسي عندما ترجمت الفلسفة اليونانية رفضوا أرسطو وهاجموه، وكُشف زيفُ منهجه وأنشأوا المنهج العلمي التجريبي الذي تبناه روجر بيكون وكانَ أول خطوات الغرب نحو التجريد بعد التبعية لعصر التأمل الذي كان سمة الفكر الإغريقي، وهكذا نجد أن الغرب أخذ مَن المسلمين المنهج التجريبي في أول عصر النهضة، ثم جاء فأعطى المسلمين منهج أرسطو في أول عصر النهضة العربية على يد لطفي السيد في مقدمة ترجمة كتاب "الأخلاق".
والسؤال هو: هل حقًا كان لطفي السيد أستاذ الجيل صادقًا فيما قال وفيما دعا إليه العرب والمسلمين من اتخاذ أرسطو منطلقًا إلى النهضة الجديدة، وقد مضت كتاباته وكتابات طه حسين وغيره من بعده دعوة ملحة إلى هذا الطريق. أم أن الأمر كان فيه شبهة وخدعة؟!.
وهل كان حقًا (أرسطو) هو منطلق الحضارة الغربية في عصر النهضة وما بعدها، أم أن أول عمل قامت به النهضة هو نقض أرسطو وتزييفه، والحملة على منهجه واعتبار منهجه هو عامل التجميد الذي عاش فيه الغرب معتقلاً قرونًا حتى جاء نور الفجر مع منهج التجريب الإسلامي الذي أطلق الطاقات إلى عصر العلم الحديث، ندع هذا للباحثين، لقد كان علماء المسلمين انطلاقًا من القرآن هم الذين أنشأوا المنهج العلمي التجريبي الذي كان أول حجر في بناء الحضارة والعلم بشهادة:
دراير وبريفولت وجوستاف لوبون في القديم، وسارتون وهونكه وغيرهم في العصر الحديث ومن أهم الكتب في هذا الشأن كتاب هونكه "شمس الله تشرق على الغرب" وكتاب "أوربا ولدت في آسيا".
إذن فلم يكن لطفي السيد صادقًا في دعواه ولم يكن عميد الأدب العربي طه حسين أمينًا حين نقل إلينا هذا المعنى، ذلك أن المسلمين نقدوا أرسطو أولاً (في القرن الرابع الهجري)، ثم جاء الأوربيون فنقدوه ورفضوه فى القرن (الخامس عشر الميلادى)، واستعملوا أسلوب المسلمين في نقده، والتمسوا منهج المسلمين الذي دفعهم إلى ذروة الحضارة والعلم والتكنولوجيا الآن. إذن فلماذا هذا التعارض. يُسأل عن هذا الاستشراق والاستعمار، ذلك بأنهم على حد تعبير الدكتور محمود قاسم: نقلوا المسلمين إلى أرسطو ونقلوا أنفسهم إلى منهج المسلمين (جابر وابن الهيثم والبيروني).
ذلك أن أرسطو هو الذي سيضع المسلمين مرة أخرى داخل القوقعية المنطقية التأملية ويحرمهم من ثمرات منهج التجريب الذي أنشاه دعاة الغرب.
وهكذا نجد أن هذا المنطلق على يد لطفي السيد وطه حسين وجماعة من أتباعهم يتسع ويمتد حتى يقرر: أن العرب خضعوا لمنهج اليونان وأرسطو في القديم ولما كان الفكر الحديث هو ثمرة فكر اليونان فإن تبعية المسلمين والعرب له لا يعد شيئًا غريبًا ولا جديدًا؛ لأنهم كانوا تابعين لليونان من قبل فلا عجب أن يتبعوا ما جدده أحفاد اليونان، لم يكن أستاذ الجيل صادقًا إذن ولم يكن الدكتور طه حسين صادقًا في هذا، فإن المسلمين لم يقبلوا أرسطو ولم يعتنقوا فكر اليونان وإنما العكس هو الصحيح، ذلك أنهم قاوموه ونقدوه وأبانوا عن وجوه الخلاف العميق بينه وبين منطق القرآن وتصدى كثيرون منهم لهذا وفي مقدمتهم الشافعي وابن حنبل والغزالي وابن تيمية.
وقد أثبت الشيخ مصطفى عبد الرازق وأبو ريدة والنشار أن المنطق الأرسطوطاليسي هو منهج الحضارة والفكر اليوناني لم يقبل في المدارس العقلية الإسلامية، وأن المنهج التجريبي الإسلامي هو الذي عرفته أوربا بعد قرون من مطلع حضارتها الحديثة لمباينته للحضارة اليونانية، وأن اكتشاف وجود هذا المنهج لدى المسلمين يفسر روح الحضارة الإسلامية، فالحضارة الإسلامية حضارة عملية تجريبية تتجه إلى تحقيق الفعل الإنساني في ضوء نظرية حية ملموسة. كذلك، فقد كشفت الأبحاث المتعددة عن اضطراب خطير في المراجع التي اعتمد عليها الفارابي وباعتراف الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا: "أن الفكر الذي نقل إلى المسلمين من اليونان والإغريق لم يكن صحيح الأصول بل كانت صورة زائفة دخلت عليها مفاهيم السريانية والنساطرة المترجمين وعقائدهم، وكانت تهدف إلى خدمة مفاهيم دينية، ومن هنا كان فسادها في أن تعطي الفكر الإسلامي شيئًا، ومن ناحية أخرى فقد تبين أن المقاومة للفلسفة اليونانية ومذهب أرسطو بالذات قد بدأت منذ أن تمت الترجمة، وأن المعارضة بدأت منذ اليوم الأول، ذلك أن الفكر الإسلامي كان قد تم تشكيله قبل الترجمة على أساس قيمه القرآنية من التوحيد والأخلاق، ومن الربط بين الوحي والعقل، ولذلك فإنه كان من العسير أن تنصهر فيه الفلسفة اليونانية أو ينصهر فيها، خاصة وهي فلسفة مجتمع وثني قام على العبودية وإعلاء الشهوات وعبادة الجسد فضلاً عن أن محاذير الترجمة من فساد وانتحال وتحريف نصوص وإن كانت طائفة من الفلاسفة أطلق عليهم اسم المشائين قاموا بمحاولة شاقة وعسيرة لإدخال الفلسفة اليونانية في إطار الإسلام ولكن المحاولة فشلت تمامًا، وكانت وقفة الإمام الغزالي في وجه الفلسفة اليونانية وقفة صارمة ردت السهم إلى صدور أصحابه فقد كشف عن الفرق بين الفلسفة الرياضية والطبيعية وبين الفلسفة الإلهية ورفض الأخيرة؛ لأنها متعارضة مع التوحيد وأعلن أن الكلام في الطبيعيات برهاني، أما في الإلهيات فهو تخميني. وفي الفلسفة الإلهية عارض الغزالي القضايا الكبرى الثلاث التي تقرها الفلسفة اليونانية وتختلف مع مفهوم الإسلام:
1 - ما يقولون به من قدم العالم.
2 - وأن الله (جل وعلا) لا يحيط علمًا بالجزئيات.
3 - وإنكارهم البعث، وهاجم الفلاسفة الذين جحدوا الصانع أو زعموا أن العالم قديم كالدهرية والزنادقة، والذين قالوا: أن النفس تموت ولا تعود ومن أنكروا الأخرة.ويقول الدكتور النشار: أن المنطق الأرسطاليسي قد نقل إلى العالم الإسلامي وأثر فقط في المدرسة المشائية الإسلامية وبقيت المدارس الأخرى المنبثقة عن النظام الإسلامي بعيدة كل البعد عنه، تحاربه وتجاهده، وكانت قد وضعت منطقا مختلفًا تمام الأختلاف في روحه وجزئياته.
وقد وصل علماؤنا في مجال البحث من منهج أرسطو إلى حقيقة أساسية هي أن: منطق أرسطو يعبر تعبيرًا دقيقًا عن المجتمع اليوناني العبودي المنقسم إلى سادة يتأملون وعبيد يعملون، السادة هم الصورة والعبيد هم المادة، ولكن المجتمع الإسلامي يختلف عن المجتمع اليوناني اختلافًا كبيرًا تقوم دولته على الأخوة والمساواة وتنطلق من نقطة النظر في السموات والأرض والعمل والكسب والسعي والتجريب.
ومن هنا اختلف منهج المجتمع الإسلامي عن مجتمع اليونان من جملة جوانب أهمها:
التوحيد وإلغاء العبودية والممارسة في مجال العلم، وبذلك بدأ ذلك التعارض الواضح العميق بين مجتمع ومجتمع وفكر وفكر خرج الفكر الإسلامي من الطبقة الأرسطية التي ترى أن العلم لا يكون إلا بالكلي أما العلم الجزئي فليس علمًا، فتقدم الفكر الإسلامي فحطم هذه القاعدة.
وقد صور كثير من الباحثين أثر منهج أرسطو فوصفه الدكتور محمود قاسم بأنه كان منهجًا عقيمًا، وأنه ضلل كثيرًا من مفكري العرب، ثم وقف حائلاً دون ازدهار الحضارة العربية، ويرجع عقمه إلى أنه كان خلوًا من الخيال، وأنه كان أكثر اهتمامًا بالقضايا العامة المجردة منه لدراسة التفاصيل والجزئيات، يستدل على صدق دعوانا وتواضعها بتاريخ النهضة الأوربية، فإنها لم تتحرر من الجمود الذي فرضه عليها منهج اليونان إلا بعد أن عرفت مناهج العرب في العلم والفلسفة ولنا أن نستشهد برنيان نفسه، ذلك أنه يصف (روجر بيكون) بأنه الأمير الحقيقي للفكر الأوربي في القرن الثالث، ويجب أن تعلم كيف جاءته إمارة الفكر، إذ ليس في هذا المجال خلق من العدم ومن اليسير أن نكتشف سر أصالته إذا نحن بينا أنه أول من نادى بمهاجمة المنهج الأرسطاطاليسي في أوربا ودعا إلى اصطناع نهج العرب فهو يأخذ على معاصريه بأنهم يصبون لعناتهم على الرياضة من أنه من الممكن أن يبرهن بالرياضة على كل ما هو ضروري لفهم الطبيعة ولولا الرياضة لاستحال علينا أن نعرف أشياء هذا العالم معرفة صحيحة تعود علينا بالنفع في الأمور الإنسانية والأمور الدينية أيضًا، كذلك يأخذ عليهم الانصراف عن استخدام الملاحظات والتجارب مع أن الطبيعة لا تكشف أسرارها إلا بدراسة الأمور الجزئية حتى تصعد بنا إلى القوانين الكلية".
وهكذا انتصر المنهج الإسلامي على المنهج الأرسطي وحطمه في عقر داره بعد أن حطمه في مجال الفكر الإسلامي نفسه.
فإذا أردنا أن نتبين فكر أرسطو وجدناه يقول بالنظام العبودي اليوناني ويرى أن (نظام الرق) هو أصلح نظام للبشرية وأن العبد إذا تحرر من عبوديته فهو عبد والأمير إذا استعبد فهو أمير، ومفهومه لله تبارك وتعالى ناقص وضال وماديته في التفكير بكونه أساس المذهب المادي واضح لا شبهة فيه، ولذلك فقد كان لا بد أن يصحح الفكر الإسلامي موقفه من أرسطو وفلسفته وخير ما يذكر في ذلك ما كتبه الإمام الجليل ابن تيمية في كتابه "منطق القرآن في مواجهة منطق أرسطو".
يقول أحد الباحثين: أن لطفي السيد هو أول من ضرب وحدة الفكر العربي الإسلامي وقسمه إلى تيارين: قومي وديني وسارت الأحزاب المصرية المنبثقة من حزب الأمة (الوفد، الأحرار الدستوريين) على نفس الطريق الذي رسمه كرومر ونفذه لطفي السيد، والذي كان سعد زغلول أكثر إيمانًا به، وقد حمل لواءه سعد زغلول بعد ثورة 1919 واستطاع هذا الاتجاه أن يسيطر بعد الاستقلال وأن يمتلك نفوذ الحكم والسيطرة السياسية بينما وقف الاتجاه الإسلامي في حدود ضيقة وبرز من خلال الجمعيات الإسلامية والأزهر بعد أن انتشرت حركة التبشير في الجامعة الأمريكية وسقوط الخلافة، وظل مسيطرًا حتى أسلم نفسه لحركة يوليو التي عمقت خطر العلمانية تعميقًا كبيرًا، وفتحت الباب واسعًا أمام الماركسية اللينية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق