وكانت المرحلة الثانية في الطلب، حيث قصد
مدينة فاس في المغرب الأقصى ومكث فيها سبع سنوات تقريباً، فأخذ العلم بالرواية عن أفاضل
علماء فاس مثل، حمودة بن حاج، حمدون بن عبدالرحمن، والطيب الكيراني، محمد بن عامر المعواني،
وأبي بكر الأدريسي، وادريس بن زيان العراقي، ومحمد بن منصور، ومحمد بن عمر الزروالي،
ومحمد البازعي، والعربي بن أحمد الدرقاوي، وكان العربي الدرقاوي من شيوخ الطريقة الشاذلية،
وتبحر ابن السنوسي في معرفة الطرق الصوفية إلى جانب التفقه في علوم الدين، وتحصل على
إجازات من علماء راسخين وأصبح مدرساً بالجامع الكبير بمدينة فاس ونال المشيخة الكبرى
بها
وأقبل الناس عليه لما رأو من صلاحه وتقواه
وفهمه الدقيق لعلوم الشريعة، وروحه الفياضة، وعقله المتنور، وفكره الناضج، وخشيت حكومة
السلطان سليمان من نفوذه وبدأت العراقيل،
ووجد أن لافائدة ترجى من بقائه بفاس وقرر الارتحال عنها بعد أن تبلورت أصول الدعوة
في ذهنه وعزم على محاربة الأوهام والخزعبلات التي أبعدت الاسلام عن حقيقته، وحجزته
بينه وبين أتباعه من أن يحقق لهم ماحققه في عهده الأول من رفعة وتلك هي الوسيلة الوحيدة
التي تمنح المسلمين القوة، وتمكن لهم من دفع عدوهم عنهم، كما أن تجربته مع السلطان
أكسبته خبرة في التعامل مع الحكام في المستقبل، ولقد لاحظ في فاس تباعد الأمة عن دينها
وعقيدتها وانحرافها عن كتاب ربها وسنة نبيها وكيف بدأ الغزو الأوروبي يؤثر على المدن
المغربية؟ وكيف دخلت البلاد في الصراعات والخلافات الداخلية؟ ولعل الذي جعله يبقي في
المغرب الأقصى مدة سبع سنين متتالية جامع القرويين الذي وجد فيه جماعة من العلماء الذين
ذكرت بعضهم
وكان يتشوق الى لقائهم ولقد تعمق أحساسه
بالخطر الأوروبي وشعر بالاخطار التي كانت تتهدد هذه البلاد من الدول الصليبية، ولقد
سمع بعض الناس يتحدثون عن النكبات التي حاقت بها من هذه الدول منذ قرنين من الزمن،
حين احتل الاسبان أجزاء كثيرة منها، كالمرسى الكبير، ووهران ، وعنابة وتنس ومدينة الجزائر،
ومستغانم (مسقط رأسه) ومازالت أعمالهم الشنيعة، وأفعالهم القبيحة يرويها جيل عن جيل
من القتل الذريع،
والسبي الشنيع، وإهدار كل حرمة، وتحويل
المساجد الى كنائس كانت تلك الأمور محل تأمل وتفكر من قبل ابن السنوسي لقد كانت تجربة
فاس ثرية بالنسبة لابن السنوسي وقد نقل لنا شكيب ارسلان عن أحمد الشريف السنوسي مادرسه
جده في فاس والشيوخ الذين أخذ عنهم فقال : (ومنهم العلامة الهمام سيدي محمد بن الطاهر
الفيلالي الشريف العلوي قرأت عليه مختصر السعد، وجمع الجوامع، السلم ، وجملة صالحة
من مختصر الشيخ خليل ، وهو يروي عن الحافظ بن كيران والعلامة الزروالي وشيخهم العلامة
ابن الشقرون باسانيدهم السابقة وغيرهم من أماثل علماء فاس. ومنهم العلامة المتقي المتفنن
ابو المواهب سيد أبوبكر بن زياد الادريس حضرته في علوم كثيرة وقرأت عليه الفرائض والحساب
والاربعين ومضاعفاتها والاسطرلابيين وصناعتها والعلوم الاربعة الرياضة والهندسة والهيئة
والطبيعة والارثماطقيقي واصول قواعد الموسيقى والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الاحكام
والنسب والوقف والتكسير والجبر، والمقابلة وغيرها الخ....)
ولقد بقي ابن السنوسي مهتماً بهذه العلوم
وقام بتدريسها لبعض طلابه ومريديه
ويمكن للباحث أن يلاحظ عدة عوامل أثرت في
شخصيته لما كان في الجزائر، وظهور خطوط واضحة بعد انتهاء تجربة المغرب الأقصى في فاس،
أما العوامل التي أثرت في شخصيته لما كان بالجزائر منها:
1- تأثر ابن السنوسي مما كان يراه من ظلم الولاة
العثمانيين، ومن الثورات التي كانت تقوم بها القبائل ضدهم.
2- لمس أطماع الدولة الأوربية في بلاده.
3- ولادته في بيت شريف مشهور بالعراقة والأصالة،
وتأثره بتاريخ أجداده الأدارسة الذين حكموا المغرب، ولذلك صمم على السير في طريق أجداده
ولقد برز اهتمامه بتاريخ أجداده في الكتاب الذي ألفه فيما بعد عنهم وسماه " الدرر
السنية في أخبار السلالة الادريسية ".
4- نشأته في بيئة علمية حببت اليه العلم وفتحت
عينيه على حقائقه الكثيرة، فأبوه وعدد من أجداده كانوا من الفقهاء والعلماء.
5- تأثره بعمته فاطمة التي أشرفت على تربيته
في طفولته الأولى وقد بقى ابن السنوسي في كهولته يذكر بعض توجيهاتها له.
6- التقاليد والأعراف التي ورثتها أسرته ساعدت
في صقل شخصيته، من ذلك اهتمام الأسرة بتربية علمية عملية فيها الدراسة وفيها الفروسية
وأما الخطوط العريضة التي اتضحت في شخصيته
بعد الإقامة بفاس فمنها:
1- الصوفية التي تعمق ابن السنوسي في دراستها
وساعدته الظروف على ذلك حيث كانت فاس مركزاً نشطاً للطرق الصوفية، وميداناً خصباً لنشاطها،
ومعلوم لدى الباحثين أن الشمال الافريقي على وجه خاص حافل بالحركات الصوفية ولدى أهلها
اهتمام كبير بها. وكان من الطبيعي أن يتأثر ابن السنوسي بالنظام المغربي للصوفية. ولقد
استمر اهتمامه بالصوفية حتى آخر حياته وبقى خطها واضحاً في شخصيته حتى انه نظم طريقة
خاصة عرفت باسمه وكتب كتاباً سماه ( السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين ) تحدث فيه
عن الطرق الصوفية عامة ووصف الطريق المثلى التي رضى بها والتي عرفت بنسبتها إليه وكانت
تجربته في الصوفية قد أعطته خبرة في التعامل معها فهو لم يقبل الصوفية على اطلاقها،
ولم يرفضها بالجملة، بل قيدها بالكتاب والسنة وجعل طريقته مبنية على ( متابعة السنة
في الأقوال والأحوال والاشتغال بالصلاة على النبي في عموم الأوقات ) وقد اهتم بالصوفية
اهتماماً كبيراً وظهرت هذه النزعة في منهجه التربوي الذي جعله لأتباعه والذي
سنفصله في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى.
2- اهتمامه بالدراسة الفقهية، فقد واصل ابن
السنوسي في فاس دراسته الفقهية على المذهب المالكي ودرس كتب الفقه على يد شيوخه وقد
ذكر في مقدمته للموطأ انه أخذه على طريقتي المغاربة والمشارقة، وذكر اثنين من شيوخه
المغاربة وهما محمد بن عامر المعداني، ومحمد بن عبدالسلام الناصري ولقد ظهرت سعة اطلاعه
في الفقه المالكي وفقه المذاهب الأخرى في تأليفه، ولقد بقى اهتمامه بالجانب الفقهي
حتى آخر حياته، واستمر على المذهب المالكي مع اجتهاده فيه ومخالفته للمالكية في مجموعة
من المسائل سنبينها في الصفحات القادمة ان شاء الله، ونلاحظ بأن اهتمام ابن السنوسي
بالتصوف والفقه اكسبت حركته طابعاً متميزاً، فهو لم يغلُ في صوفيته ولم يغرق في شطحاتها
كما انه لم يغل ولم يقف عند الحروف الفقهية ولم يتجمد في فهم احكامها بل زاوج بين دراستها،
فأكسب صوفيته طابع السنة ولجمها بحدود الشرع وأعطى فقهه رونقاً وروحانية متألقة بعيدة
عن الجمود.
3- اهتمامه بالحركات الإصلاحية، والوقوف في
وجه الحكام ضد انحرافهم، والوقوف معهم لتحقيق الإصلاح وتنظيم تكتل شعبي يسند هذه المطالبة
ويعززها، فقد زاد هذا الاهتمام بفاس عاصمة الدولة المغربية ومركزها المهم في نشر الوعي،
وإشعاع العلم يقول الدكتور محمد فؤاد شكري: ( ولما كان حبه لمنفعة المسلمين ورغبته
في أن يرى العدل باسطاً جناحيه على أهل السلطنة وعلى شعوب الإسلام طراً، هي كل مايريد
في حياته، فقد أكثر من الموعظة الحسنة في أثناء دروسه، وجرب مع الأهلين وأصحاب الشأن
في فاس طرق الإرشاد بالحسنى تارة وبالشدة أخرى، ولكن دعوته إلى العدل والخير وجمع كل
المسلمين وتطهير النفوس والابتعاد عن المنكر لم تثمر ثمرتها، بل إن كل ماحدث هو تنبه
حكومة السلطان مولاي سليمان إلى هذه الدعوة وتلمس الخطر من جانبها، خشية أن تنقلب الدعوة
الدينية إلى أخرى سياسية، فقد تعصف بالسلطنة .. وعلى ذلك فقد شددت الحكومة في مراقبة
السيد، فوجد ألا فائدة ترجى من بقائه في فاس وقرر الارتحال )
رابعاً: الأسباب التي جعلت ابن السنوسي
يغادر فاس:
في عام 1235هـ غادر ابن السنوسي فاس إلى
الجزائر وقد ذكر المؤرخون عدة أسباب جعلته يغادر فاس منها:
1- أن فتناً كثيرة ثارت في فاس، حيث عمت الفوضى
المدينة واضطر
أهل الحل والعقد أن يقوموا بضبطها. ثم حدثت
فتنة أخرى بسبب نزاع جرى بين القاضي والمفتي رفع أمره للسلطان سليمان فأخر المفتي عن
الفتوى، فغضب للمفتي جماعة من المدرسين وطلبة العلم وتحزبوا على القاضي فكتبوا رسماً
يتضمن الشهادة بجوره وجهله ثم اضطرمت نار الفتنة حتى انتهت بخروج أهل فاس على السلطان
سليمان، وعزموا على بيعة المولى ابراهيم بن يزيد زوج ابنة السلطان، فامتنع أولاً فهددوه
قائلين " إن لم نبايعك بايعنا رجلاً من آل المولى ادريس " فخاف خروج الأمر
من بيتهم فوافق
، وكان من العلماء الذين حضروا
البيعة محمد العربي الدرقاوي وهو أحد أساتذة ومشايخ ابن السنوسي، ولم يكن دور ابن السنوسي
كبيراً في تلك الأحداث، وكانت الأحوال في فاس تدعو ابن السنوسي للمغادرة وخصوصاً بعد
أن استطاع السلطان سليمان استعادتها ودخول شيخه الدرقاوي إلى السجن وتزعزع مركز العلماء
والطلاب الذين وقفوا ضد السلطان سليمان ولاشك أن تلك الأحداث أكسبته خبرات كثيرة وأضافت
إلى رصيده تجارب مهمة في حياته المستقبلية
- ومن الأسباب التي شجعت ابن السنوسي على
مغادرة فاس انه كان قد اخذ حظاً وافراً من الدراسة على علمائها وتاقت نفسه للأخذ على
علماء جدد، ولذلك نراه في طريق عودته من فاس يدخل في أعماق صحراء الجزائر ليتعرف على
أشهر الزوايا وليقابل مقدميها حتى بلغ عين مهدي ومكث فيها مدة قصيرة ثم قصد "
الأغوات " التي كانت تمتاز بموقعها في جنوب الجزائر بوصفها ملتقى القوافل الآتية
من السودان الغربي. وفيها مكث بعض الوقت يلقى دروساً في الفقه والشريعة ثم ارتحل منها
إلى مسعد ثم إلى جلفة ثم إلى بوسعده وهو في أثناء رحلته يوعظ ويدرس ويفقه الناس بأمور
دينهم
وكانت لرحلته في جنوب الجزائر أثر في انضاج
شخصيته، وفي إعداده لما أخذ نفسه به، فهاهو ذا يشهد ذلك العالم الذي يختلف إلى حد بعيد
عن العالم الذي عهده في مدن الجزائر وفي فاس بالمغرب الأقصى، وهاهو ذا يرى ميادين جديدة
للدعوة والإصلاح تتفتح له، عالم بدوي بعيد عن صور الحضارة وتعقيداتها، ثم هو في الوقت
نفسه ملتقى الإسلام والوثنية.
ولقد كانت تلك البوادي، على سكونها وهدوئها،
تضطرب بـألوان من الحركات الدينية والاقتصادية، وكانت الزوايا الدينية التي يقوم عليها
أصحاب الطرق الصوفية هي أهم مراكز هذه الحركات، أو لعلها المراكز
الوحيدة لها، وكانت هذه الزوايا، أو هذه
المراكز الثقافية، تضع في الغالب على طرق التجارة التي تربط السودان بالشمال، وتنتقل
بواسطتها السلع في قوافل ماتزال رائحة وغادية.
وفي هذه الزوايا يلتقي رجال القوافل القادمون
من الجنوب والعائدون من الشمال، يجلسون إلى شيوخها، ويستروحون بالتلقي عنهم، والانغمار
في جوهم، وبتبادل الأحاديث المختلفة عن البلاد التي جاءوا منها أو مروا بها وبذلك كانت
تلك الزوايا محلاً ثرياً غنياً بالمعلومات
وأخبار الشعوب الإسلامية، وفي هذه الزوايا كان نشاط ابن السنوسي في السودان
الغربي يقوم بواجب الدعوة إلى الله تعالى وقد أيقن أن من عوامل نهوض الأمة القيام بهذا
الدور العظيم، فإن الإسلام الذي آمن به ابن السنوسي لايكتفي بأن يكون في نفسه صالحاً
مهتدياً، وإنما يريد منه أن يكون مصلحاً هادياً، متسلحاً بالعلم، ومتحلياً بالحلم،
ومتجملاً بالصبر، ومتحرراً من كل القيود التي تشده الى الأرض، وتقعد به عن كلمة الحق،
وأظهار الاسلام لكل أنواع البشر، وفي كل البقاع، لم يبالي ابن السنوسي بالتعب والنصب
في سبيل رسالته ودعوته بل كان محتسباً الأجر والمثوبة عند الله تعالى وكان يرى أن شرفه
منوط بأداء تلك الرسالة المقدسة.
وقد مكث في تلك الديار مايقارب العامين معلماً ومربياً وداعياً
ولقد استفاد من هذه التجربة دروساً عظيمة
جعلته يركز في مستقبله على دعوة البداية لما رأى فيهم من صفاء الفطرة، وجمال الخلق،
وحب التدين وبعدهم عن الفساد وتعقيد الحياة الاجتماعية ، وسيطرة الأهواء السياسية كما
لاحظ ذلك في المدن التي عاش فيها
- ومن الأسباب التي جعلته يغادر فاس رغبته
الملحة لحج بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي ولذلك غادر بلاد السودان الغربي في
رفقة قافلة ذاهبة الى المشرق
خامساً: رحلته الى المشرق:
كان التفكير عند ابن السنوسي للسفر الى
مكة طبيعياً، فهو من ناحية لابد وأنه تاقت نفسه الى بيت الله الحرام وحلم طويلاً بالعيش
في الأراضي المقدسة، وقضاء فريضة الحج. كما أنه رأى في الإقامة بمكة فرصة لقاء كبار
علماء العالم الاسلامي وقد استقرت في نفسه نصيحة أحد شيوخه إذ قال له: (إن الارتحال
المستمر صعب فإذا أردت أن تستزيد من العلم فما عليك إلا السفر الى مكة حيث يلتقي جميع
علماء المسلمين) بالإضافة الى التعرف على الشعوب الاسلامية عن قريب وقد ذكر بعض المؤرخين
أن ابن السنوسي قبل أن يسافر الى المشرق
رجع الى بلده مستغانم وفيها قام بإتمام أول زواج له إذ بنى باحدى بنات عمومته ثم نشب
بينه وبين أقاربه الأدنين خلاف حول أملاكه وذلك لأنهم كانوا قد وضعوا أيديهم عليها
ولم يرسلوا له بشيء من ريعها طيلة مدة غيابه وطالب أولاد عمه بالريع وتسليم الملك له
فامتنعوا عن ذلك فرفع عليهم قضية وربحها فسلمت له الحكومة أملاكه أما الريع فلم يجدوا
منه شيئاً يدفع له لذا قامت الحكومة بسجن اولاد عمه فتنازل ابن السنوسي عن طلبه وطلب
اخلاء سبيلهم فكان له ذلك. ثم انه بعد ذلك صفى أملاكه وانتقل الى جهة قسطنطينية وجاء عند عرب اسمهم اولاد نايل كانوا
في جنوب شرق القسطنطينية فبنى عندهم زاوية ومارس هناك الوعظ والتعليم والارشاد.
وقرر بعد ذلك (ابن السنوسي) الارتحال الى
مكة وعرض على زوجته ان ترافقه فلم ترغب في ذلك، فرأى أن يطلقها لعلمه بطول المدة التي
يرغب فيها بالانقطاع عن بلده وولد له من زواجه الأول طفل توفى وهو صغير ثم ماتت أمه
بعد ذلك وغادر ابن السنوسي الجزائر ودخل تونس وقابس وجامع الزيتونة واستفاد من شيوخها
واستفاد الطلاب منه وطلب منه التدريس ولبى الطلب ثم واصل سيره ودخل طرابلس الغرب وكان
ذلك في حكم يوسف القرمانلي الذي كان مستقلاً عن الدولة العثمانية، فأكرم نزله ومكث
في مدينة طرابلس وضواحيها مدة للوعظ والارشاد والتعليم ونفع العباد ولم يترك بها مسجداً
معروفاً إلا ألقى فيه دروساً وتعلق به آل المنتصر وأصبحوا فيما بعد هم النائبون عنه
في طرابلس وسافر الى زليطن للوعظ والارشاد والدعوة واستطاع أن يكسب لدعوته انصاراً
من مصراته وزليطن وطرابلس ومن أشهر الأسر التي أصبحت من ركائز الدعوة السنوسية فيما
بعد؛ آل المحجوب ، وآل الآشهب ، وآل الدردني ، وآل عمران بن بركة ، وآل يوسف، وآل بن
فرج الله وآل المقرحي وآل الثني وآل الغرياني وآل العيساوي وآل الغزالي وآل الهوني
وآل الزناتي
وساعده على تعلق الناس به خلق كريم ، وطلعة
بهية ، وقبول من رب العالمين.
ونستطيع أن نحدد تاريخ دخول ابن السنوسي
بطرابلس الغرب من حديث حفيده احمد الشريف الذي تحدث عن اجتماع جده بأحد مريديه وهو
عمران بن بركة (فكان اجتماعه به اثناء مروره عليهم قادماً من المغرب الى المشرق سنة
ثمان وثلاثين بعد المئتين والالف في بلده زليتن بغرب طرابلس الغرب
ومن خلال مروره على طول الساحل الافريقي
تعرف على احوال مسلمي المغرب وكون فكرة عن أوضاعهم، واتاحت له تلك الرحلات التعرف على
اناسٍ كثيرين وعلى اماكن كثيرة، وقد استفاد من هذا التعارف فيما بعد عند عودته من الحجاز،
وكان من طبيعة ابن السنوسي ان يوطد علاقاته بمن يتعرف عليهم ووثق صلته بأشخاص كثيرين
ونجح في كسب قلوب الكثيرين حتى ان رجلاً كعمران بن بركة كان يريد مرافقة ابن السنوسي
ولكنه طلب منه التريث والانتظار حتى يرسل له ووصل ابن السنوسي سيره ودخل برقة وقبل
وصوله الى مدينة اجدابيا مر على نجع شيوخ المغاربة الشيخ علي لطيوش فأكرمه وقام بخدمته
خير قيام دون سابق معرفة ورافقه الى اجدابيا وجهزه الى اوجله، ولم يمر ببنغازي ولا
الساحل وتعرف على الشيخ عمر بوحوا الاوجلي وكان في رفقته عبد له، وعبدالله التواتي
واستمر في رحلته مع الصحراء بواسطة القوافل حتى وصل القاهرة
دخل ابن السنوسي مصر وكان الحكم آنذاك لمحمد
علي باشا وكان صاحب الجولة والصولة وكان ذلك في عام 1239هـ/1824م وكان محمد علي باشا
قد قبض على زمام الأمور في مصر بقوة منذ سنة 1805م وكانت فرصة لابن السنوسي ليتعرف
على تجربة محمد علي باشا عن قرب وقد لاحظ ابن السنوسي عدة أمور جعلته لايرتاح الى نوع
الحكم الذي أقامه محمد علي باشا وطريقة الاصلاح وازدادت قناعة ابن السنوسي فيما بعد
بخطورة حركة محمد علي باشا التي كانت سياسته تخدم أعداء الاسلام وهيئة سياسته المنطقة
بأكملها لمرحلة استعمارية مازالت آثارها تعاني منها الامة حتى اليوم لقد استطاعت السياسة
النصرانية الأوروبية ان تحقق أهدافها الآتية بواسطة محمد علي باشا:
تحطيم الدولة السعودية الأولى التي كادت أن تكون
خنجراً مسموماً في ظهر الأطماع البريطانية في الخليج العربي خصوصاً والمشرق عموماً.
فتح الأبواب على مصراعيها لإقامة مؤسسات معادية
للدين الاسلامي والمسلمين في محافل ماسونية وإرساليات تبشيرية وأديرة وكنائس ومدارس
في بذر التيارات القومية المعادية للإسلام، وبث الافكار المعادية لمصالح الامة الاسلامية
.
إتاحة الفرصة لشركات أوروبية تتحكم في الاقتصاد.
منح امتيازات واسعة للأوروبين ، ومنع أهالي مصر
والشام من تلك الامتيازات.
خنق التيار الاسلامي الأصيل، وضيق على العلماء
والفقهاء ولم يسمح للمسلمين أن يتكتلوا من أجل اهدافهم النبيلة وأما حالة الأزهر في
ذلك الوقت فقد كان في انحطاط، فالعلوم التي تدرس فيه تراكم عليها الغبار لقدمها وفقدت
لمعانها وبريقها لانعدام الإبداع فيها والتزام التقليد؛ أما علماء الأزهر فقد عمل محمد
علي باشا على اضعاف دورهم ووقعت بينهم المنافسات والضغائن واستعان بعضهم بالحكام واستعداء
السلطة على بعضهم وعمل محمد علي باشا على تقويض صف العلماء؛ كالخلاف الذي وقع بين الشيخ
عبدالله الشرقاوي شيخ الأزهر ، وبين بعض المشايخ الآخرين حيث ترتب على ذلك الخلاف صدور
الأمر من محمد علي باشا الى الشيخ الشرقاوي بلزوم داره وعدم الخروج منها ولا حتى الى
صلاة الجمعة وسبب ذلك كما يقول الجبرتي: (أمور وضغائن ومنافسات بينه وبين إخوانه...،
فأغروا به الباشا ففعل به ماذكر فامتثل الأمر ولم يجد ناصراً وأهمل أمره) وقد أصيبت
العلوم الدينية في الأزهر بالجمود والتحجر نتيجة لعدة عوامل
منها؛
الاهتمام بالمختصرات:
(فأصبح الفقهاء ينقلون أقوال من قبلهم ،
ويختصرون مؤلفاتهم في متون موجزة، ويأخذون هذه الأقوال مجردة من أدلتها من الكتاب والسنة،
مكتفين بنسبتها الى اصحابها)
ويذكر الإمام الشوكاني اهتمام الناس في
عصره بهذه المختصرات والخطورة التي تنطوي على ذلك فيقول :(قد جعلوا غاية مطالبهم ونهاية
مقاصدهم العلم بمختصر من مختصرات الفقه التي هي مشتملة على ماهو من علم الرأي والرواية،
والرأي أغلب، ولم يرفعوا الى غير ذلك رأساً من جميع أنواع العلوم، فصاروا جاهلين بالكتاب
والسنة وعلمهما جهلاً شديداً، لأنه تقرر عندهم أن حكم الشريعة منحصر في ذلك المختصر،
وأن ماعداه فضلة أو فضول فاشتد شغفهم به وتكالبهم عليه، ورغبوا عما عداه، وزهدوا فيه
زهداً شديداً)
الشروح والحواشي والتقريرات:
انتشرت الشروح والحواشي والتقريرات في تلك
الفترة في الأزهر الشريف وفي عموم الأمة، فكانت كالأغلال التي كبلت العقول وأدت الى جمود العلوم وكانت توجد بعض الحواشي والشروح المفيدة
ولكنها لاتكاد تذكر، وكانت مناهج التعليم بعيدة عن منهج أهل السنة والجماعة، وكان الازهر
مركزاً لعلوم المتكلمين البعيدة عن روح الاسلام وأصيبت المناهج الاسلامية بالاضافة
الى الجمود موجة من الجفاف: (...وأصبحت الدراسات الاسلامية دراسة لا حياة فيها ولا
روح، وجرت عدوى هذه الدراسات الى جميع أبواب الفقه حتى الأبواب التي كانت يجب أن تكون
دراسة الروح أهم عنصر فيها...)
الإجازات :
من عوامل تدهور الحياة العلمية في الأزهر
في تلك الفترة التساهل في منح الاجازات؛ فكانت تعطى جزافاً، إذ كان يكفي أن يقرأ الطالب
أوائل كتاب أو كتابين مما يدرسه الأستاذ حتى ينال إجازة بجميع مروياته وكثير ما أعطيت
لمن طلبوها من أهل البلاد القاصية عن طريق المراسلة، فكان العالم في القاهرة يبعث الى
طالب في مكة بالإجازة دون أن يراه أو يختبره فكان ذلك التساهل من الأمور التي شغلت
المسلمين عن تحصيل العلوم، كما كان ينبغي، وهكذا كان التساهل في منح الإجازات عاملاً
مهماً من عوامل انحدار المستوى التعليمي وضعف العلوم الشرعية، حيث أضحىالهدف عند كثير
من المنتسبين الى العلم، حيازة أكبر عدد من هذه الإجازات الصورية التي لم يكن لها في
كثير من الأحيان أي رصيد علمي في الواقع
رفض فتح باب الاجتهاد:
أصبحت الدعوى بفتح باب الاجتهاد تهمة كبيرة
تصل الى الرمي بالكبائر ، وتصل عند بعض المقلدين والجامدين الى حد الكفر، وكانت الدعوة
الى قفل باب الاجتهاد توارثها المتعصبون على مر العصور واصبح حرصهم في أواخر الدولة
العثمانية ظاهراً ونافحوا من أجل عدم فتحه، ومقاومة كل من يحوم حوله مما شجع المتغربون
بالسعي الدؤوب لاستيراد المبادئ والنظم من أوروبا ولقد ترتب على إغلاق باب الاجتهاد
آثاراً خطيرة لاتزال أضرارها تنخر في حياة المسلمين الى يومنا هذا. (فحين يتوقف الاجتهاد
مع وجود دواعيه ومتطلباته فما يحدث؟
يحدث أحد الأمرين: إما أن تجمد الحياة وتتوقف
عن النمو، لأنها محكومة بقوالب لم تعد تلائمها؛ وإما تخرج على القوالب المصبوبة، وتخرج
في ذات الوقت من ظل الشريعة ، لأن هذا الظلم لم يمد بالاجتهاد حتى يعطيها ، وقد حدث
الأمران معاً، الواحد تلو الآخر.. الجمود أولاً ثم الخروج بعد ذلك من دائرة الشريعة)
لقد عانت الأمة من قفل باب الاجتهاد وكانت
الدولة العثمانية في أواخر عهدها لم تعطي هذا الباب حقه وكانت عجلة الحياة أسرع وأقوى
من الجامدين والمقلدين الذين ردوا كل جديد، وخرج الأمر من أيديهم: (وهكذا توقفت الحركة
العقلية عند المسلمين إزاء كل جديد تلده الحياة، والحياة ولود لا تتوقف عن الولادة
أبداً، فهي تلد كل يوم جديداً لم تكن تعرفه الانسانية من قبل وكان من هذا أن مضى الناس
-من غير المسلمين- يواجهون كل جديد، ويتعاملون معه، ويستولدون منه جديداً، وهكذا سار
الناس من غير المسلمين قدماً في الحياة ووقف المسلمون حيث هم لايبرحون مكانهم الذي
كان عليه الآباء والأجداد من بضعة قرون)
التعصب المذهبي:
استمر التعصب المذهبي في الأزهر يضعف المستوى
التعليمي، وانحدرت العلوم، وتكبلت العقول والأفهام وفرق بين كلمة المسلمين وأفسد ذات
بينهم، وزرع العداء والشقاق بين أفرادهم وجماعتهم بعد أن تحزبوا طوائف وجماعات، كل
طائفة تناصر مذهبها، وتعادي غيرها من أجله ،
وفي تلك الفترة تفاقم هذا التعصب وعم الاقطار الاسلامية ولم يسلم منه قطر ولا
مصر؛ فالجامع الأزهر كان ميداناً رحباً للصراعات المذهبية خصوصاً بين الشوافع والاحناف
وذلك من أجل التنافس الشديد على مشيخة الأزهر
. إن العصبية المذهبية أوجدت حواجز كثيفة بين المسلمين في القرون الأخيرة؛ فأضعفت
شعورهم بوحدتهم الاسلامية اجتماعياً وسياسياً، وأورثت فيما بينهم من العداوات ماشغلهم
عن أعداء الاسلام على اختلاف أنواعهم، وعن الاخطار المحدقة بالمسلمين والاسلام...)
كانت زيارته لمصر قد رسخت في نفسه ضعف دولة
الخلافة من جهة، وزاد ضعفها بظهور حكومة محمد علي باشا على مسرح الأحداث في مصر وقد
وصل الى قناعة مهمة في الإصلاح والنهوض من أهمها:
1.أن المسلمين كانوا في حاجة ضرورية الى العلماء
الربانيين الذين يقومون بنشر الدعوة للدين القويم.
2.أهمية احياء مبدأ الشورى على مستوى الحكومات
وخطورة الحكام المستبدين الذين يتحكمون في رقاب الأمة بإسم الاسلام.
خطورة جمود العلماء وتعصبهم وتقاعسهم في
نشر العلوم النافعة بين
1.جميع طبقات الشعب.
2.أهمية تعلم الصنائع وتعميمها لسد حاجات
الشعب، وتحبيب عوام المسلمين الفروسية، والرياضة واستعمال السلاح.
3.خطورة التسويف وترك العمل الجاد الخلاق.
وقد عمل ابن السنوسي في تلك الفترة على
اكمال فكره ورأيه وظهر بهذه النتيجة التي تقول؛ أنه في حاجة ملحة الى تحصيل علوم كثيرة
غير العلوم العقلية والنقلية التي استفادها من فاس، واقتنع أن تفوق أوروبا هو وليد
العلم الذي سبب لهم التفوق في مجال الصناعة والرياضة، والفنون الحربية العملية وقد
لمس ذلك في المشاريع التي اشرفت عليها فرنسا وبريطانيا في مصر في زمن محمد علي باشا.
والنتيجة الثانية أن من أسباب عدم تقدم
الاسلام وعدم اتحاده ؛ اختلاف المذاهب وكثرة الطرق، والحكم الفردي الاستبدادي، وابتعاد
الأمة عن روح الاسلام المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله e وبعد هذه التجربة القصيرة في مصر قرر مواصلة سفره الى الحجاز بعد أن أقام
عاماً واحداً وقد أحدثت زيارته لها آثاراً في نفسه من ذلك انه ازداد إيماناً بأن دولة
الخلافة كانت في طريق الانحلال والاضمحلال، وقد ذكر المؤرخ التركي احمد حلمي قوله:
(وأحدثت هذه الزيارة في نفسه تبدلاً عظيماً وانتقش في ذهنه ان الدولة العثمانية في
طريق الانحلال والاضمحلال )لقد خبر ابن السنوسي اوضاع الدولة العثمانية في وطنه الاول
الجزائر حيث تسلط الولاة الاتراك وحكمهم الاستبدادي ، وعجز الدولة عن منعهم من الظلم،
وجاء الى القاهرة فرأى حكم محمد علي باشا وانفراده بشؤون مصر ، فزاد اقتناعاً بعجز
الدولة وضعفها
سابعاً : دخول الحجاز:
دخل ابن السنوسي الحجاز عام 1240هـ/1825م،
ونزل بمكة المكرمة وكانت تلك الزيارة لمكة ذات اثر كبير في قيام الدعوة السنوسية وظهور
شأنها، و ساعد على هذا جملة اسباب:
1- استطاع ابن السنوسي ان يتحصل على انباء
عظيمة عن احوال واخلاق المسلمين الوافدين الى مكة .
2- اتيحت له فرصة طيبة للإحتكاك بعلماء وفقهاء ومفكري الامة، وتبادل معهم
الآراء ، والافكار في كيفية النهوض وإعادة مجد الامة .
3- كانت مكة منبراً مهماً للدعوة ولذلك اشتغل
ابن السنوسي بنشر العلوم وتحصيلها و المناظرة فيها واجتهد في دراسة المذاهب الاسلامية
حتى
حذق مخاطبة جميع العالم الإسلامي
.
4- اتيحت له دراية بحركةالشيخ محمد ابن عبدالوهاب
عن قرب وعاشر اتباع الدعوة السلفية ومريديها وتتلمذ على علمائها وشيوخها ودرس الحركة
السلفية دراسة واعية في مواقفها السياسية واجتهاداتها العملية
5- شيوخه في مكة :
اقبل ابن السنوسي في مكة على العلماء يتعرف
عليهم ويأخذ عنهم ، لقد كان تشوقه للعلم وتواضعه في اخذه يبدوا جلياً في أي مكان حل
فيه وكانت مكة تضم عدداً من العلماء المسلمين يمثلوا المذاهب والاتجاهات الفكرية المختلفة
، ففيهم الصوفي وفيهم المالكي وفيهم السلفي ، وهذا جعله يطلع على معظم الاتجاهات في
عصره ، ومن اشهر العلماء الذين اخذ عنهم :
1- ابو سليمان عبدالحفيظ العجمي مفتي مكة وقاضيها
.
2- ابو حفص عمر ابن عبدالرسول العطار ، وقد
ذكرهما في رسالته التي كتبها ، كمقدمة لموطأ مالك باعتبارهما العالمين الذين يروي الموطأ
عنهما من المشارقة .
3- احمد الدجاني ، حيث اخذ عنه ابن السنوسي
عدداً من الطرق الصوفية وغيرهم كثير .
4- احمد ابن ادريس من افضل شيوخ ابن السنوسي
وقد تأثر به ابن السنوسي تأثراً عظيماً وقد اخذ عنه ابن السنوسي عدداً من الطرق الصوفية
، ودرس ودرس عليه الحديث والسنة ، ولد محمد ابن ادريس سنة 1173هـ بميسورة اصله من المغرب
الاقصى وتلقى العلم على اكابر علمائها ثم هاجر
الى مكة واستقر في الحجاز ، واصبح من علماء وقته ومر هذا العالم بالجزائر وتونس وطرابلس
وبنغازي سيراً على الاقدام ، واستقر فترة من الزمن في بنغازي ، ثم رحل الى الاسكندرية
بحراً ، واثنى على اهل بنغازي واهل الجبل الاخضر لما رأى عندهم من محبة الخير والصلاح
وقال فيهم ( هذه بلادنا فيه تحيا اورادناحيها سعيد وميتها شهيد طوبى لمن اراد الخير
لأهلها وويل لمن اراد الشر بأهلها
ودخل الحجاز واستمر يتنقل بين مكة والمدينة
والطائف ما يقارب ثلاثين سنة واستفاد منه خلق كثير من اصقاع العالم الإسلامي ، من مصر
، والسودان،والهند،واليمن،وبلاد المغرب وغيرهم وكان دخول الحجاز عام 1213هـ
وعندما دخل سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن
سعود الحجاز عام 1221هـ لم يتعرضوا للشيخ احمد
بن ادريس بأذىوكذلك اتباعه وقد وصف ابن ادريس بانه ذو ميول سلفية
قضى ابن السنوسي سنوات عديدة مع استاذه
ابن ادريس الى ان اضطر الاخير الى الارتحال من الحجاز :( وكان سبب الارتحال مالقيه
ابن ادريس من عنف السلطات الحكومية ،ومعارضة علماء مكة الذين صاروا ينقدون السيد على
اعتبار انه كان لا يتفق في منهجه مع ما اعتاد عليه هؤلاء من ازمان طويلة حتى صاروا
يعدونه مبتدعاً ثم انقلب نقدهم اضطهاد اضطر بسببه السيد ابن ادريس لمغادرة مكة الى
صبياً العسير ) وكانت ( صبيا العسير ) ضمن املاك الدولة السعودية ومبادىء الدعوة السلفية
متمكنة في نفوس اهلها وهذا ماكان يكرهه علماء الدولة العثمانية في مكة واتباعها
.
ان ارتحال احمد ابن ادريس الى صبيا دليل
على حسن الصلة التي بينه وبين اتباع حركة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب وسافر ابن السنوسي
مع استاذه الى صبيا واقام معه هناك حتى وفاته ان تتلمذ ابن السنوسي على احمد ابن ادريس
افاده كثيراً وقد توثقت العلاقة بين ابن السنوسي وشيخه ابن ادريس واصبحت علاقة قوية
جداً يوضحها احمد الشريف في كتابه الانوار القدسية ما نقله عن ابن ادريس ( ...أما ولدنا
السيد محمد بن السنوسي فنحن أمرناه أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله
اياكم ثم اياكم من كل مايقطعكم عن صحبته فانه النائب عنا قد اختاره الله لذلك، وقد
طلب منا مراراً أن نجعل ذلك لمن يقوم به غيره فلم نر فيه المصلحة إلا هو ... ونحن ماأقمناه
حتى أقامه الله ورسوله فقد قام امتثالاً لأمرهما فلم يكن له غرض لطلب دنيا ولا طلب
جاه لقد اخذ ابن السنوسي من شيخه الاذن لإعطاء العهود وتلقين الذكر فأذن له وأمره
(أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله) ولم يلبث ابن السنوسي طويلاً بعد
ذلك حتى بنى أول زاوية له في الحجاز وباشر الدعوة في حياة شيخه ابن ادريس وشرع ابن
السنوسي في إلقاء الدروس في مكة وتعليم من يجتمع حوله من المريدين وطلاب العلم، ويعتبر
المؤرخون زاوية ابي قيس أول الزوايا التي أسسها ابن السنوسي بعد اعتزامه القيام بالدعوة
واختياره لنظام الزوايا كوسيلة لنشر تعاليمه وأفكاره ، ومكث في الحجاز في رحلته الاولى
خمسة عشر سنة استطاع أن يجمع خلالها من التلاميذ والاتباع والمريدين أعداداً كثيرة،
مما حرك ضده عداوة شيوخ مكة وعلمائها الذين كانوا يخالفونه وينقدون اعتماده الصريح
الخالص على الكتاب والسنة في دروسه واقتفاء السلف الصالح في إرشاده وتعليمه، وإقامته
الحجة على أن الاجتهاد لم يغلق بابه، وزاد على ذلك أن السلطات الحكومية بدأت تشعر بخطورته،
وخطورة الدعوة التي يحملها من جراء التفاف الناس حوله، وكان ابن السنوسي على اتصال
مستمر بأبناء ابن ادريس في صبيا وهي تابعة للحركة السلفية، وكان العداء على أشده بين
الحكومة العثمانية والاشراف بمكة وبين اتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهكذا كثرت الصعاب
والعوائق في طريقه وفكر في الانتقال بالدعوة الى مكان آخر، ولاشك أن قامته الطويلة
في مكة أثرت على جوانب كثيرة في تفكيره ووجهت اتجاهه الاصلاحي الوجهة التي سار عليها،
فهناك في مكة أخذ كفايته على العلماء، ودرس معظم الاتجاهات الفكرية ، والتقى بأستاذه
ابن ادريس، وكذلك بوفود الحجيج القادمين من مدن وقرى العالم الاسلامي وتعرّف على احوالهم
، وزاد فهماً للداء الذي ينخر فيهم، وكانت هذه الجموع من الحجيج تربة خصبة استطاع أن
يبذر فيها دعوته واختار منهم من يصلح لمعاونته ولم ينس القضية الجزائرية واذكاء جذوة
الجهاد في نفوس ابناء الجزائر ضد فرنسا ، وعندما قدم محي الدين الجزائري برفقه ولده
وأشراف قومه الى مكة إلتقى بهم ابن السنوسي وأكرمهم غاية الاكرام، وبعد ان ارادوا السفر
ودعهم وقال لهم : إن الدين الاسلامي يحتم على كل مسلم أن يدافع عنه بقدر استطاعته ويحرْم
على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والاسلام والمعطل
لأحكام الله واني استوصيك بولدنا عبدالقادر هذا خيراً فإنه ممن سيذود عن حرمات الاسلام
ويرفع راية الجهاد فكان هذا سبباً في ايجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما فيه
ومعلوم لدى الباحثين جهاد عبدالقادر محي الدين الجزائري في الجزائر
زواجه الثاني:
وفي فترة اقامته في الحجاز تزوج ابن السنوسي
زوجته الثانية السيدة خديجة الحبشية وقد قام بتزويجه استاذه ابن ادريس الذي رآه يعيش
عزباً منذ طلاقه لزوجته الاولى. وكانت السيدة خديجة تتصف بالتقوى والصلاح. وقد قامت
بدورها نحو زوجها فهيأت اسباب الراحة له ورافقته في رحلاته، ورضيت باسلوب حياته الصعب
الذي يتصف بالانتقال المستمر والعمل المرهق. وقد توفيت فيما بعد بالجغبوب بعد وفاة
ابن السنوسي بحوالي عشرين سنة عام 1296هـ
رحلة الامام من الحجاز الى المغرب فى تدوينة
قادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق