في ليلة من ليالي عام 1945 كنت مع جمال عبد الناصر بمنزل عبد المنعم عبد الرؤوف بالسيدة زينب ، وكنا ثلاثتنا نجلس في فراندة بالمنزل ونتناول طعام العشاء وتطرق الحديث إلى جماعة الإخوان المسلمين فقال جمال عبد الناصر «أنا لغاية دلوقت مش قادر أعرف الإخوان عاوزين إيه من الجيش بالضبط» .
فقلت له : الذي أفهمه من المرشد حسن البنا ومن الصاغ محمود لبيب أن الإخوانلا يطلبون من الجيش شيئاً على الإطلاق.
وإنما سياستهم هي نشر الفكر الإسلامي في كل قطاعات الشعب : الجيش والبوليس والقضاء وطلبة الجامعات والمعلمين والحامين والأطباء والمهندسين والمحاسبين ورجال الأعمال والعمال والفلاحين وطلاب المدارس الثانوية والمتوسطة والتنظيم النسائي للأخوات المسلمات.
وذلك عن طريق التربية والتعليم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى إذا أصبح لهذه المبادئ أغلبية شعبية في مصر تقدموا لحكومة مصربمطالبهم والتي تتخلص في أن تكون كلمة الله هي العليا في المجتمع المصري المسلم.
وكلمة الله هي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعنى ذلك تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ومحاربة الفساد في المجتمع وفق منهج الله فإذا استجابت الحكومة انتهى الأمر لأنه ليس من سياسة الإخوان السعي للحكم لأن الحكم في نظرهم تكليف لا تشريف ومسئولية خطيرة أمام الله تعالى.
والمسلم الحق لا يسعى إلى الحكم ولكن إذا اختاره الناس وكلفوه بالحكم فيجب عليه النزول على إرادة الشعب.
أما إذا رفضت الحكومة مطالبهم فسيقومون بعمل جماهيري ضدها كالمظاهرات الشعبية السلمية في جميع مدن مصر وقراها والإضراب العام والعصيان المدني كالامتناع عن دفع الضرائب.
وعلى الجيش والبوليس أن يقفا موقفا سلبياً من الحركة الشعبية لأن الجيش والبوليس عصا الحاكم التي يضرب بها الشعب فإذا امتنع الجيش والبوليس عن ضرب الحركة الشعبية أسقط في يد الحاكم وكانت نهايته على يد الشعب الذي يؤيده جيش الشعب وبوليس الشعب.
فقال عبد الناصر : «هذا الأسلوب سيطول جداً وربما يتعذر تنفيذه ولا يجعل لنا نحن ضباط الجيش دوراً ملموساً وسنكون تابعين لا متبوعين».
فقلت له : على كل حال الموضوع ليس مطروحا الآن وهو سابق لأوانه.
من هذا الحديث كان يجب علي أن أتنبأ بنيات عبد الناصر ولكني لم أفطن وقتئذ إلى هذه النوايا وعلى كل حال فكل ما حدث حدث بقضاء من الله وقدره.
ومع ذلك فقد أقسم جمال عبد الناصر معنا في ليلة من الليالي الأولى لعام 1946على المصحف والمسدس في حجرة مظلمة في حي الصليبية مع المرحوم السندي على فداء الدعوة الإسلامية والعمل على سبيلها وكنا في هذه الليلة سبعة ضباط هم عبد المنعم عبد الرؤوف و جمال عبد الناصر و كمال الدين حسين وخالد محي الدين و سعد حسن توفيق و حسين حمودة (كاتب هذه السطور) وصلاح خليفة وقام جمال عبد الناصر بتدريب شبان الإخوان المسلمين على استعمال الأسلحة واشتركت معه ومع عبد المنعم عبد الرؤوف والمرحوم السندي في وضع خطط الهجوم على الإنجليز في القاهرة والإسكندرية حين شن شابالإخوان حرب العصابات ضد الإنجليز عامي 46 ، 47 حتى اضطرت بريطانيا إلى سحب قواتها من القاهرة والإسكندرية عام 1947 .
وفي عام 1948 تعاون الإخوان مع الجيش المصري في حرب فلسطين على النحو الذي ذكرته في هذا الكتاب ، وفي عام 1949 قبل وفاة محمود لبيب وكان قد دهمه المرض زرته وأنا في إجازة ميدان فوجدت عنده جمال عبد الناصر في بيته بالظاهر. وكانت حالة محمود لبيب الصحية متأخرة وكان راقدا في فراشه ولكنه كان رحمه الله صافي الذهن وقال محمود لبيب : إني سأموت ولن أعيش طويلاً وسأكتب الآن مذكرة بأسماء الضباط الذين يشملهم التنظيم السري والمبالغ المتبقية طرفي من الاشتراكات ( ) وسأسلمها ل جمال عبد الناصر لتستمروا في الرسالة بعدي وطلب مني أن نكون يداً واحدة وأن نعاون عبد الناصر و عبد المنعم عبد الرؤوف .
ونظرا لانشغالي بموعد آخر فقد انصرفت وتركت جمال عبد الناصر مع محمود لبيب . ولما مات محمود لبيب شيعت جنازته ووجدت في جنازة محمود لبيبجمال عبد الناصر فسألته بعد الجنازة هل سلمك محمود لبيب ورقة الأسماء فأجابني عبد الناصر بأنه لم يخرج من بيت محمود لبيب يومها إلى ومعه الورقة بالأسماء وكذلك نقود الاشتراكات.
وفي عام 1950 أفهمني عبد الناصر أنه سيعيد التنظيم السري لضباط الجيش والذي بدأه عبد المنعم عبد الرؤوف و محمود لبيب سنة 1944 وتوقف في عام1948 بسبب حرب فلسطين .
وقال عبد الناصر لي إنه سيضم إلى هذا التنظيم عناصر أخرى من غير الضباطالإخوان وبخاصة الضباط الذين قاسموه محنة الفالوجا وغيرهم ممن يلمس فيهم صفتي الشجاعة والكتمان.
وقال جمال عبد الناصر إنه بموت حسن البنا و محمود لبيب انقطعت صلةالإخوان بضباط الجيش وإنه يرى لدواعي الأمن قطع الصلة ب عبد الرحمن السندي رئيس التنظيم السري المدني للإخوان وبخاصة بعد الحديث الذي دار بينإبراهيم عبد الهادي و جمال عبد الناصر فلما حذرت عبد الناصر من إدخال عناصر في تنظيم الضباط الأحرار غير متدينة مما يجر علينا ويلات لا يعلم مداها إلا الله. أجابني بأن التدين الكامل غير متوفر حالياً في أغلب ضباط الجيش ولما كانت الحالة السياسية في مصر خطيرة فإنه لابد من القيام بعمل إيجابي في القريب.
وإذا دققنا الاختيار بمواصفات الإخوان فسيتأخر تنفيذ الثورة وربما قد لا تحدث على الإطلاق.
وقال عبد الناصر : يكفي في العناصر التي نضمها للتنظيم صفتا الشجاعة والكتمان وهما كافيتان في نظره للقيام ب الثورة على أساس أن زمام الأمور سيكون في يده بعد نجاح الثورة وهو مقتنع تمام بفكر الإخوان المسلمين وأنه ينوي العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا الأساس سرت مع جمال عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار الذي أطلق على تنظيمنا السري لأول مرة عام 1950 وعندما ألغي المغفور له مصطفى النحاس باشا معاهدة 1936 ونشطت عناصر من شباب الإخوان المسلمينوغيرهم في القيام بحرب العصابات ضد القوات الإنجليزية المرابطة في منطقة قنال السويس عام 1951 كان ل عبد الناصر متعاونا مع الإخوان المسلمين جهد كبير في هذه الحرب الوطنية وكان للإخوان المسلمين شهداء على أرض قنالالسويس .
ولقد قام ضباط البوليس المصري بقيادة وزير الداخلية الأستاذ فؤاد سراج الدينبجهد كبير في تنظيم المقاومة الشعبية المسلحة ضد قوات الاحتلال وكان الصاغصلاح شادي من ضباط البوليس المنتمين ل جماعة الإخوان المسلمين جهد مشكور في تنظيم المقاومة بالقنال سنة 1951 وكان يتعاون مع جمال عبد الناصرفي هذا الشأن وظل التعاون قائماً بين عبد الناصر و الإخوان المسلمين حتى قامت الثورة في يوليو 1952 .
وقد اشترك الإخوان المسلمون في ثورة يوليو 1952 بواسطة الضباط المنتمين للجماعة والذين كانوا يشكلون أغلبية في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام ب الثورة ليلة 22- 23 يوليو 1952 لقد نفذت الثورة بواسطة 99 ضابطاً من ضباط الجيش كان معظمهم من الإخوان المسلمين .
كما اشترك الجهاز السري المدني للإخوان المسلمين في ثورة يوليو 1952 . وقد علمت ذلك من جمال عبد الناصر شخصيا حينما توجهت لمكتبه في قيادة الجيش يوم 27/ 7/ 1952 أحمل إليه رسالة شفوية من اللواء أحمد طلعت حكمدار بوليس العاصمة بعد أن اعتقلته الثورة طلب فيها مني إخطار المسئولين عن الثورة بضرورة المحافظة على حياة إبراهيم عبد الهادي من انتقام الإخوان المسلمين فقال لي جمال عبد الناصر إنه متفاهم مع حسن الهضيبي على كل شيء ولا خوف على حياة إبراهيم عبد الهادي وأن الإخوان منذ صباح 23/ 7/1952 متطوعون لحماية السفارات الأجنبية والمنشآت الحيوية المدنية ولهم قوات على طريقي السويس و الإسماعيلية ومنطقة القنال لإعلام قيادة الثورة بتحركات القوات البريطانية أولاً بأول.
وبعد قيام الثورة أيد مكتب الإرشاد ثورة الجيش وأيد قانون الإصلاح الزراعي وأعلن يوم 2/ 8/ 1952 برنامجا ندد الإخوان فيه بالملكيات الكبيرة التي أضرت أبلغ الضرر بالفلاحين والعمال الزراعيين وسدت في وجوههم فرص التملك وصيرتهم إلى حالة أشبه بحال الأرقاء وأعلن الإخوان أنه لا سبيل إلى إصلاح جدي في هذا الميدان إلا بتقرير حد أعلى للملكية الفردية الزراعية وبيع الزائد عنه إلى المعدمين بأسعار معقولة تؤدي إلى آجال طويلة مع توزيع جميع الأطيان الأميرية المستصلحة والتي ستستصلح مستقبلا على المعدمين فإذا كان ذلك كذلك فلماذا بطش عبد الناصر ب الإخوان المسلمين ؟
الحقيقة للتاريخ كما ثبت من تسلسل الحوادث بعد الثورة أن عبد الناصر لم يؤمن قط بالفكر الإسلامي وإلا لما بطش ب الإخوان المسلمين .
ذلك البطش الذي لا يصدر إلا من عدو للفكر الإسلامي وعدو لله ورسوله.
الفصل السابع: الماركسيون و جمال عبد الناصر
سبق أن ذكرت في كتابي هذا أن القائمقام يوسف منصور صديق ذكر لي وهو معتقل معي في معتقل 2 بالسجن الحربي أن جعع كان منظما لخلية شيوعية قبل الثورة وهذه الخلية كانت تابعة للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المعروف باسم «حدتو».
وكانت هذه الخلية مكونة من جعع و يوسف منصور صديق و أحمد حمروش وأحمد فؤاد وكيل النيابة والذي رأس بنك مصر بعد الثورة مدة طويلة.
وللتاريخ أيضًا فإن عد الضباط الشيوعيين الذين اشتركوا في ثورة يوليو 52وكانوا ضمن تنظيم الضباط الأحرار الذي شكله عبد الناصر بعد عام 1950 كانوا لا يزيدون عن خمسة ضباط هم :-
وعندما تولى جمال عبد الناصر حكم مصر استخدم سلطة الدولة في البطش بالماركسيين والتنكيل بهم وتعذيبهم داخل السجون وكان الماركسيون أول ضحاياه. فاستبعد خالد محي الدين من مجلس الثورة ونفي فترة خارج البلاد واعتقل يوسف صديق وزج به في السجن الحربي واعتقل أحمد حمروش فترة واستبعد نهائيا من الجيش واشتغل بالصحافة واستبعد كمال الحناوي من الجيش واشتغل بالصحافة و كمال رفعت استبعد من الجيش وعين وزيرا للعمل فترة هذا بالنسبة للعسكريين من الشيوعيين.
أما بالنسبة للشيوعيين المدنيين فقد اعتقل يوم 19/ 1/ 1953 عدد 48 شيوعيا وفي 2 مارس 54 وجهت ضربة كبرى للحزب الشيوعي المصري باعتقال 46 من أعضائه وفي مارس 1959 اعتقل الشيوعيين بالجملة في كل أرض مصر وفي عام1966 اعتقل عدد آخر من الشيوعيين وهكذا ظل الماركسيون يعانون من الاضطهاد والسجن والاعتقال والتعذيب منذ قيام ثورة يوليو 1952 حتى وفاةعبد الناصر .
ولا يعقل أن يكون عبد الناصر ماركسيا ويبطش هذا البطش بالماركسيين ، ذلك البطش الذي لا يصدر إلا من عدو للفكر الماركسي. ورب سائل يسأل إذا كان ذلك كذلك فلماذا يرتدي الشيوعيون المصريون الحاليون قميص عبد الناصر عبد أن مات واندثر؟
الحقيقة أن ادعاء الشيوعيين الحاليين أنهم ناصريون هو ادعاء غير صحيح بالمرة ولهذا الادعاء أسباب أخرى أهمها معارضتهم لسياسية السادات الخاصة بارتماء مصر في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية بينما كان عبد الناصر يعادي الولايات المتحدة الأمريكية ويصادق الاتحاد السوفيتي ورب سائل يسال إذا كانعبد الناصر لم يؤمن بالفكر الإسلامي ولا بالفكر الماركسي فما الذي كان يؤمن بهعبد الناصر وما هو سر بطشه ب الإخوان المسلمين والماركسيين والأحزان السياسية والشرفاء من الضباط الأحرار وغيرهم ك محمد نجيب و رشاد مهناوأغلبية الـ 99 ضابطا الذين قاموا ب الثورة معه ليلة 23 يوليو 1952 ؟
الفصل الثامن: هوية جمال عبد الناصر
إن جمال عبد الناصر كان يبحث لنفسه عن دور بطولي وقد أشار جمال عبد الناصر إلى ذلك في كتابه فلسفة الثورة الذي كتبه له محمد حسنين هيكلالصحفي المعروف ، ولكي يصل إلى أهدافه لابد له من أن ينفرد بالمجد ولكي ينفرد بالمجد لابد له من الانفراد بالسلطة. فتتبع من توهم مزاحمته له في ذلك المطلب بالاعتقال والتعذيب الوحشي والمحاكمة الظالمة والسجن لمدد طويلة أو الإعدام أو القتل غيلة حتى قلم الأظافر الخادشة واستبد بحكم مصر .
وكان ل جمال عبد الناصر خاصية انتهاز الفرص وتدبير المكايد للوصول إلى المقاصد من أي طريق فكان لا يهمه في سبيل الوصول إلى غرضه شرف الوسيلة فأساء إلى من أحسنوا إليه وتآمر ضد من غمروه بفضلهم وتنكر لمن قدموا له المعروف وظلت هذه النزعة رائدة في مغامراته السياسية وعلاقاته الإنسانية منذ قيام الثورة في 23/ 7/ 1952 إلى أن مات في 28/ 9/ 1970 لقد كان دستوره وإنجيله وقرآنه كتاب الأمير لمكيافللي والذي قرأه عبد الناصر سبع عشرة مرة حتى حفظه عن ظهر قلب كما أخبرني بذلك هو شخصيا فقد كنت في زيارة له قبل الثورة ووجدت كتب الأمير لمكيافللي على منضدة في حجرة الصالون فاستعرته منه لأقرأه فأعطاه لي وقال إنه يحفظه عن ظهر قلب لأنه قرأه سبع عشرة مرة. فلم يمض على قيام الثورة عام حتى تحركت نفس عبد الناصر إلى خوص غمار الدسائس السياسية ليحقق عن طريقها آماله في الانفراد بحكم مصر.
فانتهز فرصة خلال نشأ بين محمد نجيب و رشاد مهنا فأوغر صدر محمد نجيبوصدور زملائه أعضاء مجلس الثورة ضد رشاد مهنا فخلص منه وحكم عليه بالسجن المؤبد في محاكمة ظالمة كان هو فيها الخصم والحكم.
ثم أرسل ل رشاد مهنا في سجنه من يقول له إنه أنقذه من حكم الإعدام وأن كل أعضاء مجلس الثورة كانوا مصممين على إعدامه وظل عبد الناصر يجادلهم 16 ساعة حتى أقنعهم بتخفيف حكم إعدام رشاد مهنا إلى السجن المؤبد.. ثم دبر نهاية محمد نجيب على النحو المعروف وأثبت في كتاب التاريخ التي تدرس لأطفالنا بالمدارس أن جمال عبد الناصر هو أول رئيس لجمهورية مصر في التاريخ ظنا منه أن التاريخ يمكن تزييفه ثم بطش بالماركسيين وأتبع ذلك حلالأحزاب السياسية وبطش برجالها ثم بطش ب الإخوان المسلمين وتم البطش بالإخوان على مراحل.
فبدأ بإنشاء هيئة التحرير في أواخر عام 1952 وكان يطمع في خلق قاعدة شعبية تدين له بالولاء المطلق الذي لا مساءلة فيه ولا مجال حتى للاستفسار.
ثم طلب من حسن الهضيبي أن يتولى الإخوان تدعيم هيئة التحرير بواسطة شعبهم المنتشرة في جميع أنحاء مصر فيكون الإخوان هم نواة هيئة التحرير وهم قادة الحزب الجديد الذي سيرأسه عبد الناصر .
واعتقد حسن الهضيبي أن عبد الناصر ينافسه على زعامة الإخوان مستغلا وجود سلطة الدولة في فيده فيستخدم ذهب المعز وسيفه مع الإخوان حتى يخضعهم لإرادته وقد ساعد عبد الناصر على ذلك استمالته ل عبد الرحمن السندي رئيس التنظيم السري المدني للإخوان المسلمين والذي شايع عبد الناصر ضد حسن الهضيبي واستطاع عبد الرحمن السندي أن يستقطب عددا من الإخوان من أعضاء مكتب الإرشاد ومن الجهاز السري ومن الشعب لصالح عبد الناصر ويلاحظ أن عبد الرحمن السندي ومن شايعوه في تأييد عبد الناصر لم يعتقلوا في سنة1954 .
ومن الذين أيدوا عبد الناصر من الإخوان المسلمين الشيخ الباقوري و صالح عشماوي و عبد الرحمن البنا شقيق الإمام الشهيد حسن البنا وغيرهم كثيرون.
وقد رفض حسن الهضيبي طلب عبد الناصر وحذر الإخوان من الانضمام لهيئة التحرير واعتبر كل أخ مسلم ينضم لهيئة التحرير مفصولا من الإخوان وهذا هو سر حنق جمال عبد الناصر على حسن الهضيبي ومن تمسك بزعامته من الإخوان.
ولقد أدرك حسن الهضيبي أن عبد الناصر ينوي الاستئثار بالسلطة لا شريك له فيها بل ويطمع أيضًا في إخضاع هيئة الإخوان المسلمين لأهوائه مع إلغاء اسمالإخوان وينضوي الإخوان تحت هيئة التحرير وبذلك تفقد الحركة الإسلاميةالتي بدأها حسن البنا سنة 1928 أهم مقوماتها الاسم والفكرة وتصبح هيئة تابعة ل عبد الناصر .
وبوقوف حسن الهضيبي ضد أطماع عبد الناصر التي لا حد لها انتهز عبد الناصر فرصة الشغب الذي حدث يوم 12 يناير 1954 بمناسبة زيارة نواب صفوي الزعيم الإيراني لجامعة القاهرة حيث وقع صدام بين شباب الإخوان ومنظمات الشباب التابعة لهيئة التحرير فاستصدر قرار من مجلس قيادة الثورة يوم 14/ 1/ 54بحل جماعة الإخوان المسلمين واعتقال فريق منهم على رأسه المرشد حسن الهضيبي وزعماء الإخوان ب القاهرة والأقاليم.
وفي يوم 25/ 3/ 1954 اضطر عبد الناصر تحت ضغط الثورة المضادة التي واجهته (أزمة مارس 1954 ) إلى الإفراج عن حسن الهضيبي وجميع المعتقلين من الإخوان وقد وضح تمام أن عبد الناصر هادن الإخوان ليلتقط أنفاسه في أزمةمارس 54 حتى يعد خطة جديدة للفتك بجماعية الإخوان وقد كان فاتخذ من تمثيلية محاولة اغتياله في أكتوبر سنة 1954 مبررا لاعتقال عشرين ألفا منالإخوان وتم تعذيبهم تعذيبا وحشيا في السجن بأسلوب بربري وهمجي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. والمعروف في ذلك الوقت أن محمد نجيب لم يكن على وفاق مع عبد الناصر وأن محمد نجيب كان ينوي استخدام سلطته القانونية كرئيس شرعي للبلاد في إعفاء جمال عبد الناصر وزملائه أعضاء مجلس الثورة من مناصبهم وحل مجلس قيادة الثورة وإعادة الديمقراطية والحكم النيابي الصحيح إلى البلاد وقد طلب محمد نجيب من الإخوان المسلمين تأييد خطوته في ذلك الاتجاه بعد إعلانها عن طريق مظاهرات شعبية تعم القطر المصري كله من أسوان إلى الإسكندرية وكان للإخوان المسلمين قدرة على تنظيم هذه الانتفاضة الشعبية بواسطة شعبهم المنتشرة في جميع أنحاء البلاد لمالهم من رصيد شعبي ضخم بين أبناء الشعب المصري.
كما كان محمد نجيب يتمتع في ذات الوقت بحب الشعب المصري كله. وقد تسربت بعض أنباء هذه الاتصالات بين الإخوان ومحمد نجيب إما عن طريق بعض الإخوان المتصلين ب عبد الناصر أو عن طريق الضباط المحيطين ب محمد نجيب فتفتق ذهن عبد الناصر لعلم هذه التمثيلية عن محاولة اغتياله في المنشية ليكون في ذلك مبرر للفتك ب جماعة الإخوان المسلمين ثم الفتك بمحمد نجيب لإجهاض الحركة الشعبية المزمع عملها بواسطة محمد نجيب والتي سوف يؤيدها الإخوان ولقد سبق أن ذكرت في هذا الكتاب أن علي شفيق صفوتسكرتير عبد الحكيم عامر والذي قام بتعذيبي أثناء التحقيق معي في السجن الحربي بعد حادث المنشية المزعوم ، كان يصر على أن أوقع على أوراق تفيد أن اللواء محمد نجيب كان يتعاون مع حسن الهضيبي ضد جمال عبد الناصروأعضاء مجلس قيادة الثورة .
وللحقيقة والتاريخ أذكر أن هناك اجتماعا عقد في أحد منازل الإخوان المسلمينبجهة قصر العيني حضره المرشد حسن الهضيبي وكاتب هذه السطور و يوسف طلعت والشيخ فرغلي و محمود عبده وإبراهيم الطيب و عبد المنعم عبد الرؤوفوكان عبد المنعم عبد الرؤوف هاربا من السجن وموجودا ب مصر ولم يخرج بعد من البلاد.
وفي هذا الاجتماع تكلم المرشد حسن الهضيبي وقال إن اللواء محمد نجيب«مطرشق» من أعضاء مجلس قيادة الثورة بسبب الحكم الديكتاتوري في البلاد وأن اللواء محمد نجيب ينوي حل مجلس الثورة وإعادة الحياة الديمقراطية إلى البلاد عن طريق تكوين هيئة تأسيسية منتخبة لتضع دستورا للبلاد.
وذلك حتى يمكن أن تستقر الأوضاع في مصر في ظل حكومة مدنية تتمتع بتأييد الشعب المصري وأن يعود الجيش إلى الثكنات للممارسة دوره الطبيعي في الدفاع عن البلاد ضد العدوان الخارجي.
وهذا الاجتماع كان قبل حادث المنشية بحوالي شهر ولم يتعرض أحد على الإطلاق في هذا الاجتماع لموضوع تدبير جريمة لاغتيال عبد الناصر .
بل كان تعقيب الشيخ فرغلي على كلام المرشد حسن الهضيبي أن على اللواءمحمد نجيب اتخاذ الخطوة الأولى من جانبه باعتباره الشرعي للبلاد ، فيصدر القرارات التي يراها صالحة لإنقاذ البلاد من الديكتاتورية و الإخوان مستعدون لتأييد هذه القرارات بعمل حشود شعبية في القاهرة و الإسكندرية وسائر مدن القطر المصري وعلى هذا الأساس فحادث المنشية تمثيلية لا شك فيها لتبرير عمليات القمع والتعذيب والمشانق ولو كانت محاولة اغتيال عبد الناصر صحيحة فلماذا لم يقدم الإخوان لمحاكم الجنايات وفيها قضاة متخصصون وظيفتهم إقرار العدل بين الناس؟ ولماذا الضرب بالسياط حتى تتمزق الأجساد ونفخ البطون وألوان التعذيب؟ كل هذه التصرفات الإجرامية التي أقدم عليها عبد الناصر وأعوانه تؤكد أنه لم يكن هناك جريمة على الإطلاق ولا أدلة قانونية.
وإذا كان هناك محاولة اغتيال حقا فهل يعقل أن يشترك في التدبير لها عشرون ألفا من البشر. وإذا كانت الحكومة قد ألقت القبض على الفاعل فور ارتكابه الجريمة فهل يعقل أن التحقيق معه قد أدى إلى اعترافه على عشرين ألفا حتى يقبض على هذا العدد في بعض ساعات بعد محاولة الاغتيال المزعومة.
المعقول أن كشوف المعتقلين كانت معدة قبل حادثة الشروع في اغتيال عبد الناصر يوم 26/ 10/ 54 وأن إطلاق الرصاص الفشنك عليه كان هو ساعة الصفر لبدء الاعتقالات وهل يعقل أن تكون نتيجة محاولة اغتيال شخص لم يقتل فيها ولم يمس بسوء أن يعدم ستة أفراد ويحكم على ألف إنسان بالأشغال الشاقة المؤبدة ويعتقل 19000 آخرين لعدة سنوات من تاريخ الحادث؟ في أي شريعة يحدث هذا وتحت أي قانون؟ ليس هناك قانون على وجه البسيطة يسمح بذلك إلا قانون الغاب وليس هناك كتاب يسمح بذلك إلا كتاب ميكيافللي للحكم للقوة لا للقانون ، القوي هو صاحب الحق ، وصاحب الحق الأعزل يداس بالأقدام ، وهذه هي شريعة عبد الناصر التي آمن بها وحكم بها مصر إلى أن مات.
لقد ظن عبد الناصر أنه لا يوجد في هذا الكون إله وتذكر قدرته على ظلم الناس ولم يتذكر قدرة الله عليه.
وهكذا مارس عبد الناصر حكم مصر ، أشاع فيها الإرهاب ونشر الجاسوسية فسكت الناس هلعا وخوفا وكان ل جمال عبد الناصر قدرة عجيبة على إخفاء نواياها وإظهار غير ما يبطن وقدرة عجيبة على استمالة زملائه ضد ضحيته القادمة حتى أفناهم جميعا وضعيهم واحدا إثر واحد ولم يكن ل عبد الناصرأصدقاء قط إلا عبد الحكيم عامر الذي أخلص ل عبد الناصر كل الإخلاص وساعده في كل عمليات التعذيب والتنكيل بالمواطنين.
واستعان عبد الناصر و عبد الحكيم عامر بمجموعة من معدومي الضمائر من الضباط كشمس بدران و على شفيق صفوت و حمزة البسيوني ... إلخ.
وهم الذين أشرفوا على عمليات التعذيب ضد الإخوان وغيرهم وكانت النتيجة هلاك عبد الحكيم عامر نفسه بنفس الطريقة التي أهلك بها غيره فمات بالسم مقتولا ، والذي يعرف عبد الحكيم عامر يعرف يقينا أنه لا يمكن أن ينتحر ، ولكن التفاصيل التي عرفت فيما بعد أن عبد الناصر استدعاه إلى منزله للاتفاق على تصفية الجو والسفر سويا إلى السودان ولما كانت العلاقة بين ناصر وعامر علاقة خاصة جدا فهو صديق عمره فقد ظن عبد الحكيم عامر أن عبد الناصر ينوي المصالحة فعلا فتوجه إلى منزل عبد الناصر وخرج المشير عامر من منزل عبد الناصر ميتا بالسم وقيل إن السم دس له في كوب عصير جوافة.
لقد كان جمال عبد الناصر متآمرا بكل ما في هذه الكلمة من معنى وحكم مصرثمانية عشر عام من خلال أجهزة سرية قوامها خلايا يمسك هو بخيوطها جميعا دون أن تدري عن بعضها البعض شيئا.
وفات عبد الناصر أن هذا الأسلوب الإرهابي وإن أفلح في فرض هيمنته إلا أنه لا يفلح في إدارة الدول. وعلى هذا الأساس يكون عبد الناصر شخصا لا فكر له معينا وإنما هو متآمر من الطراز الأول كل همه فرض هيمنته ولم يكن عبد الناصر رجل سياسة قط ولا كان رجل حرب على الإطلاق فقد كان أسدا أمام الشعب الأعزل فقط ، إن عدد المعتقلين والمسجونين السياسيين قد بلغ رقما يقرب من مائة ألف نفس من يوم تولى عبد الناصر حكممصر إلى أن مات.
وكان المعتقلون والمسجونون السياسيون من خيرة رجال مصر وأكثرهم وطنية وعلما وثقافة وتدينا إذ اعتقل عبد الناصر علماء الأزهر والضابط والقضاة والمحامين والمهندسين والأطباء والمحاسبين والمعلمين والعمال والفلاحين وعوملوا بوحشية في سجون عبد الناصر : قسوة وظلم وعنت واستبداد وكان الشعب المصري يعش في رعب قاتل.
لا يأمن أحد على نفسه ولا على حريته ولا على رزقه. وفر ألوف المتعلمين والوطنيين خارج الديار المصرية هربا من البطش والاضطهاد وانتشر الفساد واستغلال النفوذ والرشوة ونهب الأموال العامة وتهريبها للخارج وأصبح النفاق هو العملة الرائجة في مجتمع عبد الناصر وانتهى الأمر ب عبد الناصر أن أصبح في قبضة مراكز القوى.
وهكذا استعان عبد الناصر على قهر شعب وجيش مصر بجماعة من مدخولي الضمائر من الضباط على رأسهم شمس بدران و على شفيق صفوت و حمزة البسيوني وغيرهم.
ساعدوه بالتعذيب والتفليق والتجسس على قهر الناس ثم استبدوا بالدولة وصار الأمر إليهم وغلبوه على أمره وشاركوه سلطانه وملئوا وظائف الدولة بصنائعهم الذين زاحموا أهل الخبرة.
وأحاطوا ب عبد الناصر وصديقه الحميم عبد الحكيم عامر إحاطة السوار بالمعصم فعزلوهما عن الشعب وخوفوهما منه وأدخلوا في روعهما أنهم الحامون لهما من القتل غيلة على يد الإخوان وغيرهم من أبناء الشعب.
وبذلك أصبح شمس بدران هو صاحب الحل والعقد في الدولة لقد كان الواحد من الضباط إذا قابل المشير عامر وعرض عليه مظلمة وصدق له المشير عامر على رفع ما تظلم منه يعرقل تنفيذها شمس بدران ويقول للمتظلم : «إنت رحت للمشير خليه ينفعك» فهل حقق عبد الناصر أحلامه في الانفراد بالمجد؟ كلا.
لقد حقق عبد الناصر شيئا واحدا هو الانفراد بالعار الذي لحق به وبتاريخه حتى تقوم الساعة ، عار هزيمة 5 يونيو 1967 ويكفي ما قاله توفيق الحكيم في كتابه عودة الوعي :
«توفي عبد الناصر بعد ثلاث سنوات من الهزيمة ، ولا ندري كيف أمكنه أن يعيشها .... إلى أن قال توفيق الحكيم في نفس كتابه عودة الوعي : «وجاءتني قلة من الخطابات وجدت من بينها خطابا يقول فيه صاحبه إنه موافق على إقامة تمثال ل عبد الناصر ولكنه يرى أن يكون مكانه ليس في القاهرة بل في تل أبيب لأنإسرائيل لم تكن تحلم يوما بأن تبلغ بهذه السرعة هذه القوة العسكرية ولا أن تظهر أمام العالم بهذا التفوق الحضاري إلا بفضل سياسة عبد الناصر » انتهى كلامتوفيق الحكيم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق