السبت، 21 فبراير 2015

الحركة السنوسية




موقف محمد المهدي السنوسي والليبيين من
 الدولة العثمانية وفكرة الجامعة الاسلامية

في بداية عهد السلطان عبدالحميد الثاني طلب من السيد محمد المهدي السنوسي إرسال قوة من رجاله من الأقطار البرقاوية الطرابلسية لمساعدة الدولة العثمانية في حربها ضد روسيا عام 1877م إلا أن السنوسي أمتنع عن تنفيذ الطلب، لإنشغاله بالبناء والتربية والتكوين، والانتشار بالدعوة،
والاستعداد للجهاد، وهذا الامتناع جعل السلطان عبدالحميد يرسل الرسل الى الامام المهدي السنوسي للوقوف على حقيقة أمره، وبذل السلطان عبدالحميد الثاني جهداً كبيراً في سبيل التعرف على طبيعة الحركة السنوسية، وحقيقة نواياها، وأهدافها، ومدى استعداد زعيمها للعمل ضمن سياسته في الجامعة الاسلامية، وتمت الخطوة الأولى في هذا المجال، بطلب من الداخلية العثمانية الى وليها في طرابلس ، لموافاتها بمعلومات عن الحركة ونشاطها.
أجاب الوالي كمال باشا (1893-1898م) بما يشعر بحسن علاقة الوالي بالحركة السنوسية، واطمئنان الى نواياها، وثقته برجالاتها وأكد في رسالته التي بعثها للسلطات العثمانية في استانبول، على الفوائد العلمية والإجتماعية التي حققتها زوايا الحركة السنوسية المنتشرة في الصحراء الكبرى
بين أعراب البادية، ورفع مستواياتهم الدينية الخلقية والثقافية، ومزاحمتها الفعالة للجمعيات التنصيرية المنبثة في القارة الأفريقية، ودخول الكثير من الزنوج في الاسلام بتأثير دعايتها له وأكد الوالي في ختام رسالته، انقياد الحركة بزواياها وقادتها الى دولة الخلافة العثمانية
وأوفد السلطان عبدالحميد بعثة برئاسة رشيد باشا والي بنغازي ومعه الصادق المؤيد العظم أحد ياورات السلطان الى واحة الجغبوب في لييا وذلك عام 1889م ومما جاء في أخبار البعثة أن المهدي السنوسي قد أحسن استقبال البعثة واتاح لاعضائها مشاهدة زاوية الجغبوب والأطلاع على أعمال أتباع السنوسية، وأن المهدي السنوسي لم يكن إلا داعياً مرشداً، وإنه يدعو بالتأييد للدولة العثمانية وتوفيق الحضرة السلطانية
وبعد انتقال المهدي السنوسي من واحة الجغبوب الى واحة الكفرة في اقصى الجنوب من ولاية طرابلس عام 1895م، أرسل أحد اتباعه وهو الشيخ عبدالعزيز العيساوي الى استانبول ، لتأكيد اخلاصه وولائه للسلطان العثماني، وليطلب منه تأكيد الفرمانات التي صدرت من قبل للسنوسيين
أصدر الباب العالي أوامره في إجراء التأكيدات اللازمة لولاية طرابلس ومتصرفية بنغازي، في ألتزام الاهتمام والرعاية، والاحترام تجاه الحركة السنوسية واتباعها، وتقديم فريد العناية بكافة الزوايا
وقد أرسل السلطان مع الشيخ العيساوي هدايا للمهدي السنوسي من بينها نسخة مطبوعة من صحيح البخاري له خاصة، خلاف عشر نسخ اخرى تعطى من قبله لمن يرى فيه الأهلية، كما أرسل له ساعة (لتكون في الأوقات الخمسة مذكرة بصالح دعواته لجانبه العالي) 
ورد السلطان على هذه البعثة بإرسال الصادق المؤيد العظم بزيارة المهدي السنوسي في واحة الكفرة، وهناك اطلع الصادق بنفسه على أحوال الزاوية واجتمع بالمهدي الذي استقبله استقبالاً طيباً، وأطمأن لحسن توجيه نحو السلطنة العثمانية ومما ذكره الصادق المؤيد العظم في رحلته عن المهدي (أنه شيخ صادق لمقام الخلافة، وحسب وصية والده ، فهو في كل صباح عقب الصلاة يجري الدعاء بالصحة والعافية لخليفة المسلمين، ثم تقرأ الفاتحة ، وذلك في جميع الزوايا، وهو دائماً يوصي اتباعه بطاعة أمير المؤمنين، ومحبة الدولة العثمانية، لأن طاعتها واجبة شرعاً وعقلاً)
ومما زاد السلطان عبدالحميد ثقة بالحركة السنوسية كثرة شكايات الدول الأوروبية من الحركة، وتبرم قناصل الدول من نشاطها ، لعرقلتها الكثير من مشاريعهم التبشيرية التي كانوا ينوون تنفيذها
وحين اطمأن السلطان عبدالحميد الثاني إلى صدق توجه الحركة السنوسية لدولة الخلافة العثمانية وإخلاصها في العمل لسياسة الجامعة الإسلامية، بعث السلطان عبدالحميد إلى محمد المهدي السنوسي رسالة تتضمن أسس حركة الجامعة الإسلامية وحقيقة أبعادها وأهدافها، والدور الذي يمكن أن تقوم به الحركة السنوسية ضمن هذه السياسة
وأكد السلطان في رسالته إلى أهمية الخلافة والإمارة الإسلامية المقدسة التي اثبتها الله في البيت العثماني منذ مئات السنين افترضه الله على المسلمين من نصرة هذه الخلافة وتأييدها وطاعة ولاة الأمر القائمين على أمرها، ولاسيما في مثل هذه الظروف التي تحيط بالعالم الإسلامي، والتي أجمع فيها من سماهم السلطان : ( الأغيار من الكفار والملاحدة والمارقين والمفسدين في جميع الأقطار يتحزبون ويتوالون في السر والعلن خصومة للسنة والسنية وعزماً على هدم منار الخلافة العثمانية الإسلامية، ويأبى الله إلا أن يتم نوره)
)  وحذر السلطان عبدالحميد محمد المهدي السنوسي من عمليات التسلل الأوربي إلى داخل القارة الإفريقية تحت شعار الكشف الجغرافي، والبحث العلمي من جانب الإنجليز والإيطاليين وغيرهم، مبيناً المقاصد المضرة بالدين والمسلمين من قبل هؤلاء

وأكد السلطان عبدالحميد الثاني على أهمية تبصرة كل من له علاقة بالسنوسية والمتبين طرقها وزواياها المنتشرة في الصحراء الإفريقية بضرورة الإلتفاف حول الخلافة العثمانية المقدسة والإمامة الكبرى الإسلامية، التي هي ضمان قوة المسلمين وشعار وحدتهم وتضامنهمكما بين لمحمد المهدي السنوسي الوسائل العملية الواجبة الاتباع لمواجهة أعمال المبشرين وأعداء الإسلام والمسلمين في القارة الإفريقية لكشف وسائلهم وأهدافهم الكبرى، وذلك بتكثير اعداد الدعاة والعلماء وإعدادهم الإعداد المناسب وبثهم في كافة الأنحاء الإفريقية لنشر الإسلام بينهم، وتبصيرهم بأمور دينهم، والتأكيد على أهمية الخلافة في حياة المسلمين، ودور الوحدة والتضامن في دفع غائلة المعتدين، وأعداء الملة والدين
إن الليبيين عموماً ارتبطوا بفكرة الجامعة الإسلامية، وسياسة الدولة العثمانية وسلطانها عبدالحميد الثاني الذي تبنى الدعوة إليها وأكدوا في كل مناسبة ارتباطهم بهذه الدعوة، وخاصة في أزمات الدولة، ففي حرب الدولة مع اليونان سارع أهل طرابلس بتشكيل اللجان لجمع التبرعات وقد كتب على الاستمارات المعدة للجمع عبارة ( إعانة جهادية ) وبلغ مجموع التبرعات قرابة ( مائة ألف فرنك
وامتدح الشيخ سليمان الباروني (1870-1940م) أحد الزعماء الليبيين الدولة العثمانية وسلطانها، وأشاد بجيشها بمناسبة حربها مع اليونان وإنتصارها عليهم 
وأنشد الشاعر مصطفى بن زكرى بهذه المناسبة قصيدة قال فيها:
ياسعد سر مترنمــــاً
          ببشائر السعد المبيـن
واعطف على دار الخلافة   
      باليسار وباليميـــــن
وإذا مـررت  ( بيلدز )
وسعدت بالملك المكين
تاج الخلافـة بهجــة
الدنيا وعز المسلمـين
عبدالحميد وناصر
               الدين الحنيفي المبين 
وعن اليونانيين أعداء الخلافة قال:
مهلا بني اليونان لستـــم
في الحروب بمعجزين
وجنودكم أمست ( بترناوة )
حصيداً خامدين 
وساهمت صحافة ليبيا في المدن رغم نشأتها المتأخرة بدعم حركة الجامعة الإسلامية ففي أول ديسمبر 1908م ظهرت جريدة الكشاف، وكان صاحب امتيازها ومديرها المسؤول محمد النائب الأنصاري   
ووصف الجريدة بأنها ملتزمة بخط الجامعة الإسلامية 
وفي أوائل مارس 1908م صدر العدد الأول من جريدة ( العصر الجديد ) التي وصفت نفسها بأنها سياسية علمية، وجعلت شعارها ( من الشعب إلى الشعب ) وتعاطفت مع (اللواء) المصرية، كما سارت في تيارها بتبني فكرة الجامعة الإسلامية 
وفي استنبول أصدر الزعيم الليبي عبدالوهاب عبدالصمد صحيفة ( دار الخلافة )، وجعلت محور سياستها الدفاع عن الخلافة والجامعة الإسلامية 
وأسس الشيخ سليمان الباروني في القاهرة مطبعة عام 1325هـ/1908م أسماها ( الأزهار البارونية ) التي حدد هدفها قائلاً: ( أن تكون خادمة للدين، سائرة في ركاب الجامعة الإسلامية، ناثرة للآداب ولكل مافيه نفع وإرشاد الأمة والهيئة الإجتماعية مترقية في مدارج التقدم) وأصدرت المطبعة جريدتها باسم "الأسد الإسلامي " في عام 1908ماهتم سليمان الباروني بفكرة الجامعة الإسلامية، واتخذ من جريدته منبراً لإعلاء فكرتها، ومجالاً لبحث مشاكل المسلمين وتقصي أخبارهم. ومما جاء في افتتاحية العدد الأول منها .. فقد كان الرشاد في الأمة في زمن انقياد أفرادها بطبيعتهم لقوانين الشرع الشريف، ووقوفهم عند مناهيه. ثم لما دارت الأيام بدوران الدهر، وتغيرت الطبائع باختلاف أصناف البشر، وقع التساهل في أمر الدين، وانحلت عرى الاتحاد وساد الشقاق. وتؤكد الجريدة أنه سيكون على رأس اهتماماتها بذل النصح للأمة الإسلامية، وارشادها إلى مايعود عليها بالنفع العاجل والآجل والتقدم في مباراة الأمم الحية، ومزاحمتها في معترك الحياة الهنيئة وتساءل الباروني عن الأسباب الكائنة وراء فرقة المسلمين، وتفككهم، وما إذا كان ممكناً لمّ شعثها وتوحيد كلمتها في هذا الزمن الذي هم فيه أحوج إلى الاتحاد من أي شيء آخروهو يؤكد أن هذا ممكن، مدللاً عليه بشدة اهتمام اوروبا وساستها وكتابها بملاحظة الحالة التي بدأت تظهر بين المسلمين، بفعل مايبديه سلطانهم عبدالحميد وإلى جانبه المخلصون للعمل في سبيل تحقيق مابينهم من جامعة تضم كلمتهم وتوحيد رأيهم وتجمع شتاتهم أينما كانوا في أطراف المعمورة، حتى إذا ماكانوا يداً واحدة، وعلى قلب رجل واحد، ناقشوا أوروبا الحساب وناصبوها الحربوقد ظل عموم الليبيين على ولائهم للدولة العثمانية وسلطانها عبدالحميد فهو بالنسبة لهم خليفة المسلمين، وملجأ الدنيا والدين، ودولته ملاذ المسلمين جميعاً ودرعهم الواقي ضد محاولات أوروبا للنيل من استقلالهم 
واستمر هذا الشعور قائماً لدى أهل المدن في ليبيا، وزعماء الحركة السنوسية وأتباعها، حتى قام حزب الاتحاد والترقي في تركيا بإبعاد السلطان عبدالحميد الثاني 1908م فلم يشعر أهل الولاية إزاء هذه الحركة بالاطمئنان، ولم يستبشروا بها خيراً، بل قابلوها بالمعاداة والاستهجان، لما عرفوه عن الاتحاديين من " بعد عن الحكمة ومناهضة للدين  واستهجن الليبيون إعلان الدستور ولم يروا مبرراً لصدوره خاصة والشريعة الإسلامية كفيلة بسد حاجتهم، ووقع إثر ذلك حوادث كبيرة في طرابلس ضد الحركة والقائمين بها، وطالب غالبية الناس بابعاد من قدم إلى الولاية من الاتحاديين
ويذكر كاكيا:
( إن الأهالي في ليبيا نظروا إلى الجمعية بغير عين الرضى، وكرهوا رجالها، لتدخلهم في مسائل العادات والدين، وعدّوا إعلان الدستور انتهاكاً للشريعة الإسلامية
إن زعماء الحركة السنوسية كانوا شديدين الولاء للدولة العثمانية وكذلك زعماء المدن الليبية، وهذا يدل على الوعي العميق وشعورهم بضرورة مساندة دولة الخلافة





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق