الثلاثاء، 17 فبراير 2015

جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد .. حقائق من أسطر التاريخ -2

بداية العداء الوفدى
ابتدأ عداء حزب الوفد لجماعة الإخوان المسلمين منذ أن رأى شعبية الإخوان المتزايدة، ومن جميع طبقات الشعب، بل ومن شباب الوفد ورجاله أيضا.. من هنا أحس الوفد أن هناك من سينازعه على كرسي السلطة والحكم حسب وجهة نظره، وعلى سحب البساط من تحت قدمه، وما كان يدري أن هذه الجماعة الإسلامية لها غاية أسمى وهدف أنبل تعمل من أجلهما ، ألا وهو تحقيق شمولية الإسلام في جميع جوانب حياة الفرد والمجتمع. تمهيدا لعودة الخلافة الإسلامية من جديد . وهو الأمر الذي جمع قلوب الناس حولها وألف بينهم .. فلم يسمع عن خلافات بين الإخوان بعضهم البعض أو تنازع على المناصب على غرار ما كان يحدث في دهاليز الحزب بغية الوصول للزعامة .
يقول الأستاذ محمود عبدالحليم حول هذا المعنى:
"الوفد يتصور الإخوان جماعة دينية بالمعني المبتور للدين الذي استقر في أذهان الناس من أنه " دروشة " وعلي رأس هذه الجماعة شاب طموح يريد أنم يستغل هذه الجماعة ليبرز حتى يصل إلي كرسي البرلمان ، وأن هذا الشاب من السهل علي الوفد احتواءه وإرضاء طموحه بصورة أو بأخرى . والإخوان يتصورون الوفد ثروة شعبية ضخمة اختلسها مؤسسه سعد زغلول وورثها من بعده مصطفي النحاس ، وكان ذلك كله قد تم في غفلة من صاحب هذه الثروة الأصيل وهو الدعوة الإسلامية .. وأنه مادام صاحب الثروة الأصيل قد استيقظ من غفلته وثاب إلي رشده فقد وجب أن يسترد ثروته .. والإخوان لا يرون اللجوء إلي القوة وسيلة هذا الاسترداد بل يرون انتهاج وسيلة سلمية ملخصها أن نعلن الدعوة الإسلامية عن نفسها ، وتثبت للشعب أصالتها ، وفي هذا الإعلان وحده ما يكفي لإثارة الحنين في قلوب الأبناء الذين اغتصبوا والذين طالت غربتهم للالتقاء بأبيهم والرجوع في حضن أمهم ، وعلي هذين التصورين سارت الهيئتان كل في سبيلها ، فالوفد لا يريد أن يري الإخوان أكبر من الصورة التي رسمنا إطارها ، والإخوان يعلمون الإطار الذي وضع الوفد صورتهم فيه ، وقد أسعدهم هذا التصور لأنه أباح لهم الفرصة العمل الدائب للاتصال بالجماهير وعرض دعوتهم عليها دون أن يتعرض لهم الوفد بالمعاكسة أو التعويق .. وظل ذلك سنوات اكتسبوا خلالها مكانة مكينة في قلوب كثرة غالية من الشعب .
واستيقظ الوفد أخيرًا من غروره ، فرأي ثروته للدعاة والتي كان يتيه بها فخارًا قد تسرب أكثرها، والتفت فوجد هذه الثروة المتسربة وقد اجتمعت عند الإخوان المسلمين ... فجن جنون الوفد لأنه قد أتي من مأمنه ، فهو لم يكن يحذر هذه الناحية التي كانت يراها أهون أن يعيرها اهتمامًا أو يوليها حذرًا .. فكيف استطاعت هذه الجماعة أن تسحب الأرض من تحت قدميه" .
ويثبت نفس المعنى الأستاذ عمر التلمساني فيقول :
" ولكن حزب الوفد كان حزب الأغلبية وأحس أن الاخوان امتد نفوذهم الى الشباب واصبح الكثير من هؤلاء الشباب يتسللون من الوفد الى صفوف الإخوان وطبعا حرص رئيس حزب الأغلبية أن تظل أغلبيته كما هى فلا بد أن يفتعل المواقف للصدام مع الهيئة التى تنافسه الزعامة على الشعب " .
ويتابع بقوله :
" لقد عاصرت الوفد منذ نشأتي وكنت علي مقربة من كبار رجاله، ورأيت بنفسي كيف كان القصر وكيف كانت الأحزاب الأخرى تكيد الوفد وتفعل به وبأتباعه الأفاعيل فكانت تنكل بتابعيه كبارًا وصغارًا بل إنها حاولت اغتيال رئيسه .. ورأيت كيف كان الوفد يهاجم القصر ويهاجم الأحزاب في صحفه وفي خطب رئيسه وفي صفحاته ونواديه ... ولكني لم أر هجومًا كهجومه علي الإخوان المسلمين . لقد كان هجوم الوفد علي القصر وعلي الأحزاب ردًا لهجومهم عليه .. هم بأدنى إهانة أو اعتداء فلم إذن هجومه الضاري عليهم هجومًا لم يسبق له مثيل . لقد خلع العقار في هجومه علي الإخوان وتخل عن الأخلاق والآداب والمثل واندفع كالمجنون الذي فقد عقله .. ونسي أن له أعداء أذاقوه ألوان الهوان والإذلال ولازالوا يذيعونه .. ترك هؤلاء جانبا وتفرغ للإخوان يهاجمهم بكل ما يملك من وسائل ، فسخر لمهاجمتهم صحفه الجاد منها والهازل وألسنته سواء ألسنة الزعماء وألسنة الأتباع ، واستباح في ذلك الكذب والتمويه والزور والاختلاق ... ولم يقبل الإخوان هذا الهجوم الغادر بمثله بل تذرعوا بالصبر وواصلوا مسيرتهم في هدوء ... " .
ولو وقف الوفد مع نفسه وقفة صادقة لعلم علم اليقين السبب الحقيقي في ترك الناس له وانتمائهم للإخوان ..
وعن هذا يقول الأستاذ عمر التلمساني :
" هذه الصورة جعلتنى بالفعل متأثرا بالدين وأمارس شعائره عن اقتناع لا عن تقليد وما ضاعت منى والحمد لله فريضة فى يوم من الايام منذ شببت عن الطوق وأدركت واجباتى الدينية وظللت على هذا الى التحقت بكلية الحقوق فكانت أعلى الدرجات التى أحصل عليها فى مواد الدراسة هى درجات الشريعة الاسلامية وكنت محل تقدير من هذه الناحية عند المرحوم الشيخ أحمد إبراهيم عليه رحمة الله .. هذه الصور وهذا الاتجاه جعلنى أنظر الى نشوء الأحزاب وتصرفاتها فى حذر كنت حقا أعتقد أن " سعد زغلول " كان زعيما وطنيا ولكننى كنت أراه ـ بمنظورى ـ فى رمضان لا يصوم ويدخن السجائر علنا .
فكان يبدو هذا فى ذهنى غريبا . كيف أن زعيما مسلما ومصريا مفطر فى رمضان وما كنت أظن أن حالته الصحية تتيح له هذا لأنه كان فى حالة صحية جيدة وكل رجال الأحزاب أو زعمائها كانوا تقريبا على هذه الوتيرة فكانت ثقتى فيهم مهزوزة وإن كنت أميل ما أكون الى الوفد متأثرا بالرأى العام فى البلد حتى أننى طلب منى أن أكون عضوا فى اللجنة المركزية فى مديرية القليوبية ودخلت بالفعل وظل هذا الوضع يتأرجح فى ذهنى الى أن ظهرت دعوة الاخوان فى عام 1928 ما كنت أعرف عنها شيئا ولا قرأت عنها الى أن زارنى اثنان من الاخوان وعرضوا الفكرة واقتنعت بها وصرت مع الإخوان من ذلك اليوم ولكنى لم أكن أقاطع الوفد كانت صلتى بهم سائرة الى ان تبين لى تماما أن الوفد يظن بالإخوان المسلمين أنهم ينافسونه فى الزعامة أو الشعبية وبدات مظاهر القطيعة من جانب الوفد وبدا يهاجم الإخوان فتحدد الموقف فى نظرى بصورة واضحة تماما واعتزلت جميع الأحزاب وسرت فى طريقى مع الاخوان المسلمين الى يومنا هذا .. ولقد كان التزامى جانب القرآن الكريم منذ طفولتى له بالغ الأثر فى حياتى حيث قرأت أجزاء كبيرة منه وحفظتها حتى مرحلة الدراسة الثانوية ثم انقطع التزامى وفتر حفظى له وتسرب الكثير مما حفظت ولكن منذ عام 1940 عاودت ملازمة."
ويتابع الأستاذ عمر التلمساني حديثه في إطار هذا المعنى قائلا :
"وقد عايشت فى هذه الفترة أحداث ومظاهرات ثورة 1919 وما بعدها ولعلى اشتركت فى جميع المظاهرات ولم تفتنى واحدة منها فى القاهرة مناديا بشعارات الوفد لقد كانت ثورة حقيقية نابعة من أعماق الشعب لأن كل أفراد الشعب وطبقاته كانوا متجاوبين ومتفاهمين مع الاتجاه الوطنى ومحاولة التخلص من الاستعمار وآثاره فكانت مشاركتى فى هذه الأحداث مشاركة فعلية ما كنت أكتفى بالقراءة عنها ولكنى كنت أشارك فى هذه المظاهرات وأذهب الى منزل سعد زغلول وأستمع الى خطبة وكنت فى ذلك الوقت معتقدا أن كل الأعمال تعمل خالصة لوجه الله والوطن الى أن تكشفت لى الحقيقة شيئا فشيئا فلقد أخذ على سعد زغلول أنه عين كثيرا من أقربائه فى الوظائف العليا ويوم أن كان رئيسا للوزراء صرح أنه لو استطاع أن يجعل الحكومة كلها زغلولية عظما ولحما ودما لفعل .. فتبين لى أن الغرض هو حب الزعامة واكتساب المظاهر الشعبية خاصة وأن كل المصريين يعلمون أن سعد زغلول نشأ فى صالون الاميرة " نازلى " وكان هذا الصالون يضم كل الأسماء اللامعة فى ذلمك الوقت وكان معروفا عن تلك الأميرة أن لها صلات بالسفارة أو دار الحماية البريطانية كما كانت تسمى فى ذلك الوقت وشيئا فشيئا رأيت كبار رجال الأحزاب يتنافسون على الحكم وقرأت ما كان يكتبه بعضهم ضد بعض من تشنيع واتهامات حتى أ نه إذا قرأت ما كتب فى تلك الفترة عن سعد زغلول وعن عدلي يكن وعبدالخالق ثروت وإسماعيل صدقي والنحاس لا تكاد تصدق أن واحدا منهم كان نظيفا كل النظافة ومخلصا كل الاخلاص لأن كل واحد من هؤلاء كان يطعن فى الآخرين ويتهمهم بالعمالة ويتهمونه بعدم الاخلاص فاستقر رأيى أخيرا على أن فكرة قيام دستور وإنشاء أحزاب أصلا كانت فكرة استعمارية قصد منها الوقيعة بين أبناء الوطن الواحد وجعلهم يتشاحنون ويتقاطعون بغية ا لوصول الى ا لحكم وذلك مما أساء الى الحركة الوطنية لثورة 1919 بعد أن كانت أسمى وأنظف الحركات الوطنية فى العالم " .


سياسة تعامل الوفد مع الإخوان

كانت سياسة الوفد في تعامله مع الإخوان محكومة بعاملين مهمين :
الأول : مصالح الوفد الشخصية كحزب سياسي.
الثاني : علاقة الوفد بالإنجليز.
وتفصيل ذلك كما يلي  :
العامل الأول : مصالح الوفد الشخصية كحزب سياسي:
وعلى أساس هذا العامل تكون العلاقة بين الحزب والجماعة علاقة ذات تناسب طردي ، بمعنى أن الوفد حين تكون له مصلحة سياسية معينة يريد لها النجاح سارع من فوره بتهدئة الأوضاع مع الإخوان لكسب تأييدهم وذلك لمعرفته بقوة تأثيرهم على عموم الناس، والأحداث التاريخية تصدق هذا الأمر ..
العامل الثاني : علاقة الوفد مع الإنجليز :
وعلى أساسه تكون علاقة الحزب مع الجماعة علاقة ذات تناسب عكسي ، بمعنى أنه حين تكون العلاقة بين الوفد وبين الإنجليز جيدة و المصالح المشتركة بينهما غير معطلة ، يصعد الحزب الهجوم على الجماعة ، وخاصة إن كانت الحكومة وفدية فالخطب حينها على الإخوان أدهى وأمر حيث يكون التصعيد عمليا.
أما إن تباطئ الإنجليز في مد يد العون للحزب وبدؤا في مراوغته ، مباشرة يبدأ الحزب في تحسين العلاقات مع الإخوان و تأييدهم كما فعلوا بعد إلغاء معاهدة 1936م .
وما ذكرناه سابقا حقيقة تاريخية ثابتة ومعلومة لدى الجميع نوردها في طيات حديثنا الآتي عن علاقة الوفد مع الجماعة عبر عصور مرشديها الثلاثة الأول .


الإخوان المسلمون والعلاقة بالقصر والحكومات

وقد استمر الموقف بين الإخوان وحكومة الوفد في أطوار مختلفة، فتارة تدع الحكومة للإخوان حريتهم، وأخرى ترهقهم بالتضييق، فيصبر الإخوان على كل حال، ويتقدمون للحكومة بالنصح، ويبينون لها وجهة الحق سواء بالكتابة أو مشافهة. ويمكن أن نقرر حقيقة حول تلك الحكومة وعلاقتها بالإخوان، وهي أن الإخوان لم يسيروا في ركب الحكومة، ولم يكونوا أداة في يدها في أي ناحية من النواحي، كما أنها لم تحاول ذلك من جانبها، وبالنسبة للمساعدات المادية أو الأدبية فإن الحكومة لم تمنحهم أكثر من حقوقهم العادية، والتي تمنح لجميع الجمعيات الأخرى، بل يمكن القول: إن الحكومة أعطتهم أقل مما منحت غيرهم من الجمعيات.
أ‌-زمن الإمام الشهيد حسن البنا :
تأثير عامل المصلحة الشخصية ( تصعيد ، و تهدئة ):
تصعيد واضح في كلام الأستاذ محمود عبدالحليم الذي فيه يقول :
" وقد سبق لي أن ذكرت أن بدء شعور الوفد بخطورة الإخوان عليه كان في تجربة حكومة إسماعيل صدقي حين قرر الوفد إسقاط هذه الحكومة إبان توليها الحكم وحشد كل قواته الشعبية ووسائله الإعلامية لذلك ولكنه عجز عن إسقاطها حين أعلن الإخوان تأييدهم لها .. وقد تولت هذه الوزارة الحكم في فبراير سنة 1946 .. ويعتبر هذا التاريخ هو الوقت الذي أخذ الوفد يراجع فيه خططه ويعدلها علي ضوء هذه المفاجأة التي أذهلته وطارت بصوابه وقد اتخذ تعديلها الأسلوب الآتي :
أقدمت زعامة الوفد أعضاءه بأن خطورة الإخوان المسلمين عليه تفوق خطورة كل أعدائه لأنها تنازعه الزعامة الشعبية نفسها التي هي رأس ماله .. وإذن فلابد من حشد كل الوسائل المتاحة للوفد ضد الإخوان المسلمين .. وهذه الوسائل نوعان : نوع تقوم به فروع الوفد في أنحاء البلاد ضد شعب الإخوان بها من التحرش بهذه الشعب وتوجيه السباب والألفاظ النابية إلي أعضائها وإثارتهم بمختلف وسائل الإثارة ومحاولة جرهم إلي معارك وقد قدمت فروع كثيرة من فروع الوفد بهذه المهمة في مختلف البلاد ولكن تعليمات الأستاذ المرشد كانت عاصمة لهذه الشعب من الاستجابة لهذه المحاولات حيث اعتصموا بالصبر - وهم قادرون علي المواجهة والتأديب - ففوتوا علي هذه الفروع تحقيق ما كانوا يأملون".
ومع هذا نجحت مساعيهم وما أحداث دمنهور، وبور سعيد بخافية على أحد .. يحكيها لنا الأستاذ عباس السيسي فيقول :" حتى المسجد انتهكوا حرمته: عقد الإخوان المسلمون مؤتمراً شعبياً بالقاهرة لمناصرة القضية الوطنية وتلاه مؤتمر آخر بالإسكندرية (سبق ذكر وقائعهما) .. وعقب انتهاء مؤتمر الإسكندرية دعا الإخوان بدمنهور فضيلة المرشد كى يؤدى بهم صلاة الجمعة فى مسجد الزرقا، وحاول فضيلته الاعتذار نظراً للظروف والمشاكل التى بين الإخوان فى دمنهور وبعض الوفديين، ولكن الإخوان أصروا على تلبية دعوتهم، فاستجاب لرغبتهم.
وغادر فضيلة المرشد وصحبه الإسكندرية إلى دمنهور، وعند المسجد كان المشهد مثيرا حيث حاصرت قوات الأمن المسجد من كل مكان، ودخل الأستاذ المرشد مع نهاية الاذان، وفوجئنا بمعركة بين الإخوان والوفديين بالأيدى مع ضجيج الهتافات. ولم يتنبه الإخوان لخطورة الموقف وما يترتب على ذلك من مخاطر على حياة فضيلة المرشد فى هذا الزحام الذى يختلط فيه من نعرف بمن لا نعرف.
ولكن الأستاذ لم ينتظر، فقد صعد المنبر فى الحال وصاح بأعلى صوته: يا أبناء الإسلام.. يا أتباع محمد عليه الصلاة والسلام.. يا من جئتم لعبادة الله وحده .. وظل الأستاذ ينادى بمثل هذه المعانى إلى أن جلس الناس جميعا وهدأت الثائرة وخيم الصمت الرهيب على الجميع: ثم بدأ يخطب الجمعة محلقا بالمصلين فى سماء الحب والأخوة فى الله تعالى، وتناول كيف وحد الإسلام بين الأوس والخزرج وبين الأبيض والأسود وبين العربى والعجمى، وتناول الآيات والأحاديث النبوية الشريفة فى هذا الباب حتى تجاوبت القلوب ودمعت العيون.
وبعد أداء صلاة الجمعة أسرع فضيلته إلى إلقاء كلمة أخرى، حتى لا يدع فرصة للشقاق والخلاف واستمر حديثه أكثر من ساعة حتى انفض الناس فى هدوء وخرجوا من المسجد وقد ظهر عليهم الألم والحزنلما أوقعهم فيه الشيطان، واستطاع الأستاذ المرشد بما وهبه الله تعالى من قوة العزيمة وسرعةالحركة والمبادرة أن ينقذ الموقف ويرد إلى الجماهير رشدها ووعيها دون أن يشير فى خطبته إلى أى إتهام أو تجريح أو مفاضلة ولكن رد الناس جميعا إلى أصل عقيدتهم الإسلامية التى من الله عليهم بها حيث يقول : (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا)"


عداوتهم فى بور سعيد

ولم تمض شهور على هذا الحادث، حتى سافر الأستاذ المرشد إلى مدينة بور سعيد، بعد زيارته للإسماعيلية، فاستقبله الإخوان هناك ومعهم فرق الجوالة استقبالا شعبيا كريما، وبينما كان موكب الجوالة يشق طريقه فى قلب المدينة إذا بشباب حزب الوفد يهاجم الإخوان ويلقى عليهم الحجارة ويصطدم بهم فى معركة.. ثم لم يقنع شباب حزب الوفد بهذا فتوجه إلى دار شعبة الإخوان وحطم زجاج نوافذها وأتلف بعض أثاثها، وقاموا بحرقها على من فها. وحضر مدير الأمن فى الحال وسيطر على الموقف وطلب من فضيلة المرشد أن يساعده على ذلك، وقال له الأستاذ المرشد: إنه قد أمر كل الإخوان أن يلتزموا الهدوء والسكينة، وأنه شخصيا قد اعتزم السفر إلى القاهرة وسوف يوفد بعض الإخوان لتصفية الجو بين الإخوان والوفد.
وغادر فضيلته بور سعيد، ولم يلبث أن أوفد الأستاذ عمر التلمساني وفوضه بالتصرف فى الموضوع. وقابل الأستاذ عمر مدير الأمن الذى أدهشه كيف أن الإخوان وقد اعتدى عليهم يسعون للصلح مع اللجنة الوفدية فى بورسعيد فرحب بهذه السماحة. وعقد الإخوان فى دار اللجنة اجتماعا للمصالحة وعندما أراد العقلاء من اللجنة الوفدية الذهاب إلى دار الإخوان لرد الزيارة اعترض على ذلك زعماء الحزب، ولكن برغم هذا الاعتراض ذهب وفد منهم إلى دار الإخوان واستقبلوا هناك أحسن استقبال، ومع هذا هاجم بعض شباب الوفد دار الإخوان وقت وجود وفدهم فى ضيافة الإخوان، ولكن الإخوان لم يلتفتوا إلى ذلك وتجاهلوه تماما."


عداوتهم في شبين الكوم

لقد طال الحقد والبغضاء قلوب الصغار والبراعم فى المجتمع، حيث العنصرية ضد بعضهم البعض، ففي شبين الكوم وخاصة مدرسة المسعي المشكورة كان الطالب صادق مرعي (أحد طلبة الإخوان والذي كان مشهود له بالتفوق وحسن الخلق) زعيم الإخوان في المدرسة، مما دفع بعض الطلبة الوفديين إلى التربص به وقت دخوله المدرسة وأخرج سكينة من بين طيات ملابسه وطعنه بها فأرده قتيلا وقبض على الجاني وقدم للمحاكمة حيث شهدت عليه المدرسة كلها انه كان يتربص بصادق.
وبعد أن حدثت جريمة مقتل (صادق مرعى ) احد الطلبة الإخوان بالمنوفية على يد أحد الطلبة الوافدين كتب الإمام البنا نداء إلى الطلاب يستحثهم على ضبط النفس, وعدم التصرف بطريقة لا تليق مع أخلاق الإسلام وجاء في كلمته تحت عنوان:-
نداء إلى الإخوان الطلاب عامة و[الإخوان] الطلاب بشبين الكوم خاصة.
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)
وبعد. فالآن وقد انتهت أجازتكم وعدتم إلى معاهدكم أحب أن أتقدم إليكم بالوصية بعد جميل العزاء في شهيدنا المبرور وفقيدنا العزيز الطالب النجيب (صادق مرعى أفندي) عوضنا الله فيه الخير وأجزل له ولأسرته الكريمة ولنا الأجر والصبر... أمين فأوصيكم بثلاث فاذكروا دائما:
(1)- إنكم في دور العلم ومعاهده طلاب قبل أن تكونوا منتسبين إلى أحزاب أو هيئات, وإنكم أسرة واحدة تجمعها كرامة العلم وقدسية الزمالة, فاحفظوا على أنفسكم وحدتها, واحذروا كل فتنة وأعرضوا عن اللغو, ولا تشغلوا أنفسكم إلا بالنافع المفيد.
(2)-ولا تنسوا أبدا أن خير ما تكسبونه لأنفسكم وتعتدون به لأمتكم في هذه المرحلة من حياتكم أن تنهلوا من العلم الذي بين أيديكم, وان تستزيدوا منه ما وسعتكم الاستزادة ولا يكن قصارى همكم أن تملأوا قلوبكم ورؤوسكم بما يقيم مجد هذه الأمة على أساس متين.
(3)- والثالثة يا شباب أن تكونوا أمناء على النور الذي تحملونه في قلوبكم ,وعلى معادن الخير التي أقرتها يد الله في حنايا ضلوعكم , واعلموا أن الأمل فيكم بقدر ما تحفظون من أخلاق وليكن جهادكم لأنفسكم أول شعيرة وطنية ترضون بها ربكم ,وتعزون بها أوطانكم ,فا والله ما أودى بمجد هذا الوطن العظيم سلاح ولا رهبة إلا هذا الصغار في الخلق والعبث في الضمائر ,والدنس في النفوس الرخيصة.
أما انتم يا طلاب شبين الكوم فوصيتي لكم خاصة أن تحتسبوا فقيدكم الكريم لله عز وجل,وأن تتركوا للقضاء ما يعين له من الحكم الرادع ان شاء الله ,وان يكون استشهاد فقيدكم العزيز عبرة تلمون بها شعثكم ,وتجمعون بها شملكم تقطعون بها الطريق على فتنة يراد بها التفريق بين صفوفكم, وصرفكم عما انتم بسبيله من طلب العلم والتفرغ له هذه وصيتي أزجيها إليكم وكلى فيكم أهل وثقة والله على قلوبكم نعم الخليفة والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
حسن البنا ..المرشد العام للإخوان المسلمين
ولم يكتفي الحزب بذلك ، بل كان يتربص بالجماعة الدوائر ليستغل كل نائبة قد تمر بها الجماعة في الهجوم الإعلامي عليها . مستخدمين في ذلك صحيفتي صوت الأمة ، والمصري.
فكيف كانت هذه الحرب الإعلامية غير الشريفة ؟ وكيف تعامل معها المرشد معطيا من نفسه القدوة الحسنة لجماعته ؟ هذا ما نتعرف عليه من حديث الأستاذ محمود عبدالحليم وفيه يقول :
" وأخذت " صوت الأمة " تخرج علينا كل صباح بسيل من الشتائم والسباب وألفاظ يعاف القلم أن يثير إليها تحت عنوان أوحي إليهم به ما يحتمل في صدورهم من حقد هو " هذه الجماعة تهوي " ويبدلونه في بعض الأيام بالعنوان " هذه الجماعة تسقط " .
وقد استخدمت " صوت الأمة " إخواننا الذين أشرنا إليهم قبلا والذين صنعوا الفتنة الثالثة ورتعوا فيها ، استخدمتهم بعض الوقت حتى إذا استنفدوا أغراضهم ألقوا بهم في سلة المهملات وبدأوا في أسلوب جديد من أساليب الافتراء بنشر قوائم طويلة بأسماء أعضاء من مختلف البلاد استقالوا من الإخوان وكان هذا برهانًا جديدًا علي كذب ما تنشر هذه الجريدة فكل بلد من هذه البلاد التي نشرت أسماء المستقبلين منه يعرف أن هذه الأسماء لم تكن في يوم من الأيام أعضاء في الإخوان وإنما هم من الوفديين . وقد يظن القارئ تعبيراتي عن بذاءة ما كانت تنشر " صوت الأمة " بعض المبالغة ، ولكن أعداد هذه الجريدة مازالت تحتفظ بها المكتبات العامة في القاهرة والإسكندرية وبعض العواصم فليرجع إليها من شاء .. وأنا ذا شخصيًا - وقد كنت ملامسًا للأحداث وأعرف الناس بكذب ما تنشره الجريدة - قرأت ما نشرته " صوت الأمة " في صبيحة أحد الأيام وكان بأسلوب تعف العاهرات عن النطق به فأثارني حتى إنني ذهبت إلي الأستاذ المرشد وسألته منفعلا : هل قرأت ما كتبته " صوت الأمة " اليوم ؟ فأجابني مبتسما : نعم قرأته إنها ليست " صوت الأمة " إنها " صوت آلامه " وكان الأستاذ المرشد يشير بذلك إلي ما يشتعل في صدور هؤلاء الناس من الحقد وما يتميز به جحيم حقدهم من الغيظ لفداحة ما ألحقه الإخوان بهم من خسائر شعبية تعويضها .
علي أن سفه هذه الجريدة وإسقاطها لم تسلم منه جريدة " المصري " وهي لسان حال الوفد والتي لولاها لما وصلت آراء الوفد وتوجيهاته إلي الشعب فهي وحدها من جرائده التي تصل كل صباح إلي كل بيت وإلي كل يد أما جرائده الأخرى فهي محدودة الانتشار ، ومع ذلك فإن " صوت الأمة " في نفس الوقت الذي كانت تهاجم فيه الإخوان كانت تهاجم " جريدة المصري " فتقول في عددها الصادر في 12-5-1947 تحت عنوان " جريدة المصري وأخبار اليوم إخوان " : ليس عجيبًا أن تمضي جريدة " المصري مع سنن " أخبار اليوم " في محاولة إلصاق كل اتهام إلي الوفديين خدمة للحكومة وللعهد الحاضر ، لأن الجريدتين شركة واحدة وأغراض واحدة ... ولا يغرن القارئ محاولة هذه الجريدة الإبهام بأنها وفدية " معتدلة " فذلك زعم واضح الكذب ومنهار من تلقاء نفسه وإن كان أصحابه يتعلقون بأهدابه لأن لهم فيه مآرب أخري" ويكمل الأستاذ محمود عبدالحليم حديثه مبينا لنا نماذج من عفة لسان الإخوان في الرد على هذه الحملة المسيئة لهم فيقول :
" (1) بعد عدة أشهر من بدء الحملة الوفدية الأثيمة وفي أوائل شهر مايو سنة 1947 كتب الأستاذ المرشد خطابًا إلي النحاس باشا حزب الوفد سلمه إليه الأستاذ عبده قاسم السكرتير العام للإخوان في ذلك الوقت جاءت فيه الفقرات الآتية :
" إن الوفد يعلن خصومته للإخوان ويحاربهم بأسلحة وأساليب غريبة عجيبة لا تتفق مع خلق أو دين أو مصلحة ... وصحفه تفيض أنهارها بألفاظ جافية تشمئز لها كل نفس مهذبة " .
" إن الوفديين لا يزالون يفكرون بعقلية سنة 1920 فيقولون : إن الأمة هي الوفد والوفد هو الأمة وإن الشعب قد منحه توكيلا لا نقض فيه ولا إبرام ، ويسقطون من حسابهم ربع قرن في حياة هذا الوطن ، تبدلت فيه الأرض غير الأرض وتغيرت النفوس .. وانتقل إلي الدار الآخرة أكثر الوكلاء والموكلين علي السواء .. وهذا التفكير تختلف عن ركب الحياة .. وعلي هذا الأساس يحارب الوفد الإخوان كما حارب الشبان وكثيرًا من الجماعات".
" إن الوفد في أيامه الأخيرة قد تحققت صفوفه طوائف وأفواج من ذوي والآراء الخطرة والمبادئ الهدامة الذين لا يدينون بغير الشيوعية .
" وهل ترون أن الوفد قد أدي واجبه بهذا الموقف السلبي الذي يقفه في هذه الساعات العصيبة في تاريخ الوطن مع أنه كان ولا يزال في وسعه أن يعمل الكثير لو أراد . وأية فائدة تعود علي الشعب من مهاجمة صدقي باشا في سهوم جيا توتي وشغل الناس بهذا الهراء أو من مهاجمة حافظ رمضان باشا بغير الحق وهو الرجل العف اليد واللسان ... إنه في استطاعته أن يرسل الوفود إلي عواصم الدول الأجنبية وإلي مقر هيئة الأمم المتحدة تناضل عن حق مصر ".
(2)وعقب هذا الخطاب أخذت جريدة الإخوان اليومية تنشر سلسلة من المقالات تحت عنوان " بطلان التوكيل " تأتي فيها بحيثيات كثيرة تثبت أن التوكيل الذي منحته الأمة المصرية للوفد المصري سنة 1918 قد أصبح باطلا بطلانا أكيدًا .
(3)وفي أواخر شهر يونيه سنة 1947 نشرت جريدة الإخوان اليومية مقالا للأستاذ المرشد جاء فيه : " والخصومة بيننا وبين القوم أي الوفديين ليست خصومة شخصية أبدًا ، ولكنها خصومة فكرة ونظام . هم يريدون لهذه الأمة نظامًا اجتماعيًا ممسوخاً من تقليد الغرب في الحكم والسياسة ونحن نريد لها وضعًا ربانيًا سليما من تعاليم الإسلام "
تهدئة ثم هاهو الحزب يعود مرة أخرى ليستميل الإخوان من أجل مصلحته الشخصية يقول الأستاذ عمر التلمساني :
" استدعى النحاس باشا الأستاذ حسن البنا وقابله فى " مينا هاوس " وألح عليه أن يتنازل عن ترشيح نفسه للانتخابات فى الإسماعيلية عام 1943م بحجة ان موقفه هذا وتصميمه على المضى فى الانتخابات أمر لا يفيد الإخوان المسلمين بقدر ما يضر البلد نفسها لأن الإنجليز لا يريدون أن يدخل البنا مجلس النواب ولأن الأستاذ البنا كان يقدر دائما مصلحة البلد فاستجاب الى هذا الرجاء وتنازل عن ترشيح نفسه ولكن الوفد ظل على موقفه من الاخوان لأنها الهيئه الوحيدة التى كان يستجيب المواطنون لها ولم يكن لحزب الأحرار الدستوريين أو السعديين أو غيرهم أى اثر فى نفوس الشعب لأنها كانت احزاب أقلية لا تنجح فى الإنتخابات إلا إذا كان هناك تأثير من الحكومة القائمة لتستبعد الوفد عن مجلس النواب وحلت الشعب تقريبا ولم يبق غير المركز العام وحاول الوفد بمختلف الوسائل شأنه شأن غيره فى ذلك الوقت أن يشكك الناس فى دعوة الاخوان المسلمين واتهمهم بأنهم يسعون الى الحكم وفى كل هذه الأطوار لم يقل الإخوان كلمة واحدة تجاه النحاس باشا أو غيره ولكنهم كانوا يستمعون الى الاتهامات والاشاعات بدون اكتراث لأنها تموت من تلقاء نفسها ولأنها لا أساس لها من الصحة ولما عجز الوفد عن أن يحتوى الإخوان المسلمين أو أن يضمهم الى صفوفه أسفر عن حقيقة نواياه وأغلق الشعب والمركز العام " .


تأثير عامل العلاقة مع الإنجليز

تأمل أيها القارئ الحصيف موقف الوفد مع الإخوان بعد مؤتمر مونترو ، وبعد إلغاء معاهدة 1936م .. وتأمل أيضا كيف تناسب هذا تناسبا عكسيا مع علاقة الوفد بالإنجليز !!
فحين كانت العلاقات جيدة بين الوفد والإنجليز كان التصعيد مع الإخوان يقول الأستاذ عمر التلمساني :
" إن حكومة النحاس باشا التى جاءت الى الحكم فى حادث 4 فبراير 1942 بمساندة الدبابات الإنجليزية أبت أن يقلق مضجعها وجود شعبية تقارب شعبيتها وأن تقلق النفوذ الإنجليزى الذى حرصت تلك الحكومة الوفدية ألا تثير قضيته وسادت موجة من التوتر وعدم استقرار العلاقات بين حزب الوفد وجماعة الاخوان ثم أغلق النحاس باشا جميع شعب الاخوان عدا المركز العام فى نهاية عام 1942 وعقب زيارة لمجموعة من كبار رجال الوفد تغير الموقف ثم عاد للتدهور وهكذا كان " ترمومتر" العلاقة بين الاخوان والنحاس باشا مرتبطا بالإنجليز .. وهكذا ظل التوتر قائما بين الجماعة والحزب وسرعان ما تحول الى صراعات عنيفة لم يكن الإخوان المسلمون بمثيريها .
وخاصة بعد أن أتوا بوزارة النحاس باشا الوفدية للحكم بالدبابات الانجليزية فى حادث 4 فبراير 1942".
ويقول الأستاذ عباس السيسي واصفا موقف الحكومة الوفدية من الإخوان بعد مونترو وقد كانوا حينها على علاقة جيدة بالإنجليز:
" بعد توقيع معاهدة سنة 1936 مع انجلترا توجه مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة وزعيم حزب الوفد إلى فرنسا لحضور مؤتمر مونترو لبحث إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة وقبل أن يغادر ميناء الإسكندرية كان هناك وفد من شباب الإخوان المسلمين يقدم له مذكرة من فضيلة المرشد العام، تفيد بأن إلغاء الامتيازات الأجنبية هى مرحلة وفرصة سانحة لاستقلال القضاء المصرى استقلالا يبعده عن الاستمرار فى جعل القوانين الضريبية هى مصدره فى الأحكام.. تلك القوانين التى فرضها علينا المستعمر تبعاً لأهدافه فى تحطيم عقيدة المسلمين. أما وقد أعطينا الفرصة للاختبار فينبغى أن نختار التشريع الإسلامى الذى ينبع من عقيدة الأمة وتاريخها المحيد، وهو تشريع مجمع عليه من جميع المسلمين وأقرته جميع المؤتمرات الدولية التى اعتبرت التشريع الإسلامى معطياً ومستجيباً لكل متطلبات التغير فى المجتمعات الإنسانية فى كل زمان ومكان .


عودة النحاس باشا من مؤتمر مونترو

وعاد النحاس باشا من رحلته إلى فرنسا بعد قرار إلغاء الامتيازات الأجنبية وأقام له رجال حزب الوفد حفل إستقبال كبير فى حديقة انطونيادس بالنزهة بالاسكندرية خطب فيه رفعة النحاس باشا خطابا مذاعا نوه فيه عن مضمون الرسالة التى بعث بها إليه الأستاذ المرشد العام - فقال : إن جماعة لا وزن لها ولا قيمة تطالب أن يكون القرآن دستور الأمة - والإسلام عال الجنبات وليس فى حاجة إلى هذه الصيحات - أو هكذا قال .
وفى الأسبوع التالى صدرت (مجلة النذير) لسان حال ((الإخوان المسلمون)) بخطاب مفتوح إلى صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة وزعيم حزب الوفد - جاء فيه :
يا صاحب المقام الرفيعنحن حين نكتب إلى رفعتكم هذا الخطاب لا نطلب منكم مصلحة شخصية ولا منفعة ذاتية وإنما هى النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
يا رفعة الباشا : لقد جاء فى خطابكم بمناسبة إلغاء الامتيازات الأجنبية والذى أنعقد فى حديقة انطونيادس بالاسكندرية - كلام يتصل بجماعتنا وكان لزاما علينا أن نرد الحق إلى نصابه - فقد قلتم إن جماعة لاى وزن لها ولا قيمة تطالب بأن يكون القرآن دستور الآمة - والإسلام عال الجنبات وليس فى حاجة إلى هذه الصيحات!!
... أما أن هذه الجماعة لا وزن لها ولا قيمة .. فهذا أمر متروك للزمن يقول فيه كلمته … ونحن لا ندعى لأنفسنا فضلا ولا منة - فلله وحده الفضل والمنة أما أننا نطالب أن يكون القرآن دستور الأمة - فذلك ما عاهدنا الله تعالى عليه نعمل له ونجاهد فى سبيله ما وسعنا الجهاد وهو مطلب شعبى يتمناه كل مسلم فضلا عن أنه عقيدة كل مسلم لا يتم إسلامه إلا به.
أما أن الإسلام عال الجنبات وليس فى حاجة إلى هذه الصيحات . فإنى أقول أن واقع المسلمين من وجود الإحتلال على أرضهم فى كل البلاد العربية والإسلامية - فضلا عن أنهم يحكمون فى بلادهم بغير شريعة ربهم .. دليل على أن الإسلام فى حاجة شديدة وملحة لكل صيحة بل ولكل يد تبنى صرح الإسلام من جديد.
وكيف يكون الإسلام عال الجنبات يا رفعة الباشا وقد عقدتم مؤتمركم هذا قبل صلاة المغرب وانتهى بعد صلاة العشاء فأهدرتم فريضة إسلامية على الآلاف من المسلمين الذين حضروا هذا المؤتمر وعلى رأسهم زعيم أمة تدعى الإسلام.
وإنى لازلت أذكر تصريح رفعتكم لمراسل إحدى الوكالات الأجنبية حين قلت إنك معجب بلا تحفظ بكمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة.. لقد تعجبنا كيف يكون إعجابك برجل حارب الإسلام بإنهاء الخلافة وتغيير اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية ومنع الآذان باللغة العربية وإغلاق المساجد وإحالتها إلى متاحف .. وأخيراً إلغاء التحاكم بالشريعة الإسلامية.
يا رفعة الباشا : يجب أن تعلم أن ضمير مصر لا يزال حيا مفعما بالإسلام وأن الشعب المسلم لا يرتضى بغير الحكم بالقرن شرعة وبديلا ."
وفى الخطاب المشهور باسم ((من مدرس إلى رفعة الرئيس الجليل))، وهو الخطاب الذى بعثه المرشد إلى حزب الوفد يشكره وأعضاء حزبه على تقريرهم مساعدة إخواننا الأبطال المجاهدين عرب فلسطين فى ذلك الوقت وأيضاً على دعوتهم ممثلى الشعوب الشرقية المظلومة إلى حضور مؤتمر الحزب ومما جاء فيه قول فضيلة المرشد :
" والآن وقد فكرتم فى الاتجاه إلى الناحية الإسلامية العربية فأصدرتم فراركم بخصوص فلسطين الباسلة وبخصوص دعوة ممثلى الأمم الشرقية.
الآن والأمر كذلك - هل لنا أن نأخذ من هذا أن الوفد جاد فى تعديل موقفه الماضى من الإسلام أم لازالت هذه المظاهرات مناورات سياسية إقتضتها الظروف والحوادث يراد بها الانتصار السياسى على خصوم والوفد والعودة إلى قيادة الرأى العام ثم إلى الحكم، حتى إذا تم عاد سيرته الأولى من الإغضاء والتجاهل والإهمال لكل إصلاح يمت بصلة إلى الإسلام - ثق يا باشا بأنه إذا كانت هذه الغاية فإن الله لا يؤيد إلا من أخلص له وصدق توجهه إليه ولن ينال الوفد شيئا مما يفكر فيه أو يتطلع إليه فإن الله أشد غيرة على دينه من أن يكون سلما للمطامع ومطية للأهواء والشهوات وإن كانت الأولى فندع الماضى جانبا ولننسه بخيره وشره ولنضع منهاجا للمستقبل فذلك هو الذى يعنى الأمة ويؤدى إلى النجاح وليكن هذا المنهاج مرتكزا على قواعد الإسلام مستمدا من تعاليمه السامية وأصوله النبيلة الدقيقة . ولذلك - إن صح العزم عليه - علامات ودلائل نطالبكم بها ونحاسبكم عليها فلا قيمة لدعوى بغير دليل وبرهان. ومن هذه الدلائل :
أولاً : أن يكون أعضاء الوفد والهيئة الوفدية وعلى رأسهم رفعتكم نماذج صالحة للاستمساك بالإسلام فى أنفسهم وبيوتهم وكل مظاهر حياتهم فيؤدون الفرائض ويؤمون المساجد ويمتنعون عن غشيان الأندية الفاجرة والذهاب إلى الصالات الخليفة ويصدرون عن هذه المسالك فى تصرفاتهم العامة والخاصة وتزد أن اجتماعات الوفد ومؤتمرات الوفد بملاحظة الأوقات وأداء الصلوات ويبنه على ذلك تنبيها جادا فى كل اللجان الوفدية صغيرة أو كبيرة ويراقب أعضاؤها فى هذا ويؤخذون به على أن القدوة الحسنة من جانبكم وجانب أعضاء الوفد البارزين فيها الكفاية فى التأثير وحمل الأنصار على إنتهاج هذه الخطة القويمة والتمسك بآداب الإسلام وشعائره ومظاهره.
ثانياً : أن يعلن الوفد منهاجه الإصلاحى مستمدا من قواعد إسلامية متضمنا لما يأتى :
العناية بإصلاح التشريع وتوحيد المحكمة المصرية فى ظل الشريعة الإسلامية .
العناية بإصلاح التعليم وتوحيد المدرسة المصرية فى ظل الشريعة الإسلامية كذلك .
العناية بتجنيد القادرين فى الأمة جميعا تجنيدا تطوعيا لا يكلف الحكومة شيئاً باسم الواجب الدينى المفروض على كل مسلم؛ واجب الجهاد المقدس الذى يدوى به النفير العام فى قوله تعالى ((انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سيل الله)).
محاربة الموبقات التى يحرمها الله والتى أفسدت أخلاقنا وهددت مجتمعنا والقضاء عليها قضاء تاما كالبغاء والقمار والخمور والتهتك والمراقص والصالات والأندية الداعرة ... إلخ، وأخذ كل خارج عن أداب الإسلام بالعقوبة الرادعة.
العناية بمشروعات الإصلاح الاقتصادي والاستعانة فى تحقيق ذلك بتنظيم الزكاة جباية ومصرفا.
مقاومة روح التقليد الأوربى وتعويد الشعب الاعتزاز بكرامته وقوميته.
العناية بإصلاح الادارة والأسرة والقرية وتطهير ذلك كله من كل ما يتنافى تمهيدا لعودة ((الخلافة)) وتوكيدا للوحدة التى فرضها الإسلام.

فترة المستشار حسن الهضيبي

يقول الأستاذ محمود عبدالحليم:
" جاءت وزارة الوفد عام 1950 فوجدت أمامها الإخوان المسلمين أقوى مما كانوا . ووجدت الشعب حولهم أكثر التفافًا ، وبمبادئهم أشد تمسكًا .. فلم تجد مفرًا من مد يد الود لهم .. ورأت - تقربًا إلي الشعب - أن تسارع بإلغاء قرار الحل الذي لم يكن إلغاؤه إلا تحصيل حاصل ؛ حيث كان الإخوان قد استردوا كل شيء لهم إلا دورهم . ثم رأت حكومة الوفد أن تزداد تقربًا إلي الشعب فأقدمت علي ما لم تكن تجرؤ علي الإقدام عليه من قبل فأعدت إلغاء معاهدة 1936 .
وكان إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 دافعًا قويًا ألجأ الوفد إلي التقرب إلي الإخوان المسلمين وخطب ودهم ؛ لأنه فوجئ بأن إلغاء المعاهدة قد أوجد فراغًا لا يملؤه إلا قوة شعبية أخذت نفسها بأسلوب التضحية والجهاد .. ولم تكن هيئة في مصر قد أخذت نفسها بهذا الأسلوب غير الإخوان المسلمين ، وقد جربوا أنفسهم في ذلك الأسلوب في فلسطين وأبلوا بلاءً حسنًا .. ورأت حكومة الوفد شهداء الإخوان من طلبة الجامعات وغيرهم يتساقطون في ميدان الجهاد ضد المستعمر وأخرج الوفد من الحكم عقب حريق القاهرة وهو يعلم من هم أصحاب النفوذ المتغلغل في نفوس الشعب ، ومن هم القادرون علي مواجهة المستعمر وأذنابه .."
وعمل الإخوان على عودة جماعتهم مرة أخرى وحكمت لهم المحكمة بعودة الجماعة عام 1950م غير أن سراج باشا رفض تنفيذ الحكم وتحايل عليه.
حيث جاء في بحث الوجود القانوني للإخوان المسلمين: " ولقد أراد الوفد أن يجعل الجماعة جمعية خيرية كغيرها من الجمعيات؛ فأصدرت حكومة الوفد القرار بقانون رقم (50) لسنة 1950م الذي مدَّ العمل بالأحكام العرفية لمدة عام، أو للمدة التي تنتهي فيها الحكومة من إصدار قانون الجمعيات؛ لأن إلغاء الأحكام العرفية كان يعني سقوط القرار بحلِّ الإخوان، الصادر من الحاكم العسكري مستندًا فيه لتطبيق الأحكام العرفية، كما حاول «فؤاد سراج الدين» بيع المركز العام في المزاد العلني، وحوَّله إلى قسم شرطة الدرب الأحمر، ثم أصدرت حكومة الوفد بعد ذلك قانون الجمعيات في 26 أبريل من عام 1951م، وهو القانون (66) لعام 1951م بشأن الجمعيات ذات الأغراض الاجتماعية والدينية والأدبية، وكان الغرض من هذا القانون تحويل الإخوان إلى جماعة دينية بعيدة عن السياسة، إلا أن قرار محكمة القضاء الإداري الصادر في 17 سبتمبر 1951م لم يمكِّن حكومة الوفد من تنفيذ مخططها؛ إذ قرر أن جمعية الإخوان المسلمين تكوَّنت في ظلِّ الحقِّ الأصيل في تكوين الجمعيات الذي أعلنه دستور 1923م، وقرر قيامه، فاكتسبت صفتها القانونية، كما تمتعت بشخصيتها المعنوية من تكوينها وفق المبادئ المقررة من إسناد هذه الشخصية إلى كلِّ هيئة استوفت عناصرها، وتوافرت لها مقوماتها من إرادة خاصة ونظام تبرز به هذه الإرادة وتظهر.
وجاء الحكم في الموضوع في القضية (190) لسنة 3 قضاء إداري ليؤكِّد الحكم السابق، ويؤكِّد أن الإخوان هيئة إسلامية جامعة، وأن الإخوان وفقوا أوضاعهم وفقًا للقوانين المعمول بها، ومما يجدر الإشارة إليه أن الحكم اعتبر أن جماعة الإخوان المسلمين تستند في وجودها إلى ما تستند إليه الأحزاب السياسية، وهو المادة 21 من دستور 1923م".


فترة الأستاذ عمر التلمساني

بدأت العلاقات تتحسن بين الجماعة ممثلة في مرشدها الأستاذ عمر التلمساني وحزب الوفد ممثلا برئاسة فؤاد سراج الدين ، وذلك على خلفية الاتفاق بين المرشد و زعيم حزب الوفد و اللذين ترافقا في السجن على خلفية أحداث 1981م ليكون من نتاج ذلك أول مشاركة رسمية للإخوان في الإنتخابات .. وكان ذلك عام 1984م الذي يعد علامة مميزة في تاريخ العمل السياسي للجماعة ،
وهكذا وبرغم الاختلاف البين بين حزب ليبرالي وجماعة إسلامية إلا أن ما وضعته السلطة من قيود على انتخابات البرلمان تتمثل في اشتراطها إجراء الانتخابات بالقائمة المطلقة للأحزاب الرسمية، والتي اشترطت الحكومة حصولها على نسبة 8% على مستوى القطر المصري للفوز بمقاعدها بالبرلمان ، فالوفد كان متأكدًا أنه لن يحوز على نسبة الـ 8% من الأصوات، كما أن فرصة مشاركة (الإخوان) في الإنتخابات دون التحالف مع حزبٍ رسمي تكاد تكون معدومة الأمر الذي أدى لمثل هذا التحالف الذي وصفه المستشار "محمد المأمون الهضيبي"- المتحدث باسم (الإخوان المسلمون) وقتها- بأنه تعاون، وليس فرضًا لرأي أحد الطرفين على الآخر" .
وانتهت الانتخابات بفوز هذا التحالف ، ونجح ستة من جماعة الإخوان وهم: "حسن الجمل"، و"محفوظ حلمي"، و"محمد المراغي"، و"محمد الشيشتاني"، و"حسني عبدالباقي"، و"عبدالغفار عزيز"، و قد مارسوا نشاطهم البرلماني تحت اسم حزب الوفد، ولكن كان لهم أداؤهم المميز والمستقلعن الحزب مؤكدين هويتهم الإخوانية؛ ولكن دون إعلان."


شبهات وفدية .. و براءة إخوانية .. حقائق تاريخية(التدوينة القادمة )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق