الاثنين، 2 فبراير 2015

السيرة النبوية لراغب السرجانى ( الطريق الى الحديبية )

كانت هناك إرهاصات ومقدمات بين يدي صلح الحديبية، وقد كان دور النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم حكيماً في كسب تأييد رسل قريش للمفاوضات معه، وكذلك إضعاف معنويات القرشيين، الأمر الذي جعل الكفة في صالح النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، فتمخض من تلك المواقف الحكيمة استسلام قريش للصلح مع النبي صلى الله عليه وسلم.
بين يدي صلح الحديبية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثاني من دروس السيرة النبوية العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
وفي هذا الدرس إن شاء الله سنتحدث عن حدث من أعظم أحداث السيرة النبوية، وأعظم أحداث الأرض بصفة عامة، وهو لحظة فارقة حقيقية في تاريخ الأمة الإسلامية، وله انعكاسات ليس فقط على الجزيرة العربية، ولكن على العالم أجمع كما سيتبين لنا إن شاء الله، وهذا الحدث العظيم هو صلح الحديبية.
ويكفي في وصف عظمة هذا الحدث أن الله عز وجل سماه بالفتح المبين، الفتح الذي جاء في الآية: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1] الكثير من المفسرين يفسرون هذا الفتح المبين بأنه صلح الحديبية، ويكفي الذين اشتركوا في هذا الخروج إلى صلح الحديبية من الصحابة أنه سبحانه وتعالى قد رضي عنهم تصريحاً في كتابه الكريم قال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح:18]، وكان عددهم (1400) صحابي، فهذا الجمع الهائل من الصحابة صرح ربنا سبحانه وتعالى أنه قد رضي عنهم، وهذا أمر يستوجب منا الوقوف والدراسة والتأني في بحث هذا الموضوع الهام الخطير، لكن لا نستطيع أن نفهم أبعاد صلح الحديبية إلا بالرجوع إلى ما ذكرناه في الدرس السابق، وقد ذكرنا فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب قال كلمته المشهورة: (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، ومن ثم كانت السنة السادسة من الهجرة هي السنة التي تلت غزوة الأحزاب، وكان في مجملها مجموعة من السرايا والغزوات في كل مكان في الجزيرة العربية، ونتج عن ذلك آثار كثيرة لخصناها في آخر الدرس السابق، ومجمل هذه الآثار: أن الدولة الإسلامية أصبحت دولة مرهوبة لها قوة وهيبة وعظمة في قلوب جميع العرب بما فيهم قريش، وأن قريشاً بدأت تفتقد إلى الأعوان والأحلاف والأصحاب، وميزان القوى بدأ يسير في صف المسلمين على حساب قريش، هذا الأمر سيكون له مردود هام جداً في صلح الحديبية، كما سيتبين لنا الآن.
رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم دخول البيت الحرام مع أصحابه
في شهر شوال من السنة السادسة من الهجرة، يعني: بعد مرور سنة من غزوة الأحزاب، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رؤيا: رأى أنه يدخل البيت الحرام هو وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين معتمرين، ورؤيا الأنبياء حق، فالرسول صلى الله عليه وسلم سيأخذ أصحابه ويذهب في رحلة عمرة جماعية إلى مكة المكرمة إلى عقر دار قريش، وهذا أمر صعب جداً، فهم قبل سنة واحدة فقط جاءت الأحزاب في عشرة آلاف مقاتل: (4000) من قريش والقبائل التي تحالفها، و (6000) من غطفان، جاءوا يحاصرون المدينة المنورة بغرض استئصال المؤمنين بكاملهم.
فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد مرور سنة واحدة من غزوة الأحزاب في شجاعة منقطعة النظير يأمر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بالتجهز لأداء العمرة، وليس بينه وبين قريش أي نوع من المعاهدات أو الصلح أو الاتفاقيات.
لما ذكر صلى الله عليه وسلم هذا الأمر لصحابته رضي الله عنهم وأرضاهم قبل الجميع من الصحابة ذلك دون تردد، بل اشتاقوا إلى الأمر، مع أن السفر إلى مكة المكرمة في ذلك الوقت سواء للعمرة أو غيرها يحمل خطورة شديدة جداً عليهم، والمسلمون قد تحملوا الكثير والكثير قبل ذلك من قريش، وقريش لم ترع أي حق للبيت الحرام ولا للبلد الحرام، فقد انتهكت حرمة البلد الحرام قبل ذلك كثيراً، ومع ذلك لم يتردد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في قبول الأمر النبوي بالذهاب إلى العمرة، وقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم الاستفادة قدر المستطاع من قوانين المجتمع المشرك التي يعيش فيها، أي: الأعراف الدولية في ذلك الوقت، أعراف الجزيرة العربية، وأعراف قريش ذاتها تقضي بأن الذي يذهب إلى مكة المكرمة لأداء العمرة آمن مهما كان بينه وبين قريش من خلافات، فهل ستحترم قريش هذه القوانين القديمة أم لا؟! هذا ما سنراه.
فخرج المسلمون سعداء قد شرحت صدورهم لهذه العمرة مع خطورتها، وهذا مهم جداً في بداية أي عمل، لذلك سيدنا موسى عليه السلام كان يقول: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه:25]، فالإنسان عندما ينشرح صدره لعمل ما يكون أداؤه فيه أداء متميزاً.
لم يكن هناك أي نوع من الإكراه لصحابة الرسول عليه الصلاة والسلام للذهاب إلى هذا المشوار الصعب، لكن في المقابل من الناحية الأخرى جميع المنافقين تقريباً لم يستطيعوا الخروج إلى هذا المشوار الصعب، وترددوا كثيراً وفكروا كثيراً، وفي النهاية أخذوا القرار الحاسم أنهم لن يخرجوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكة المكرمة؛ لأن هذا المشوار في نظرهم مشوار مهلك، كيف نذهب إلى قريش في عقر دارها وبسلاح المسافر، ليس معنا أسلحة الحروب؟ لذلك لم يخرج مع المسلمين إلا منافق واحد اسمه الجد بن قيس.
كذلك الأعراب حول المدينة المنورة دعوا إلى الخروج، ولكنهم جميعاً أبوا أن يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك هذا الصف الذي خرج من المدينة إلى مكة هو صف خالص نقي طاهر، وعددهم (1400) مؤمن ليس فيهم إلا منافق واحد ليس له كبير الأثر في أوساط المؤمنين، وكما هو معلوم في الغزوات السابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا خرج بصف مؤمن خالص كان النصر قريباً بإذن الله عز وجل، فسنرى -إن شاء الله- نتائج عظيمة جداً نتيجة خروج هذا الصف النقي من المدينة المنورة، فقد كانوا (1400) وفي رواية: (1500) صحابي، وأخذ صلى الله عليه وسلم معه في خروجه زوجته أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، وكان هذا الخروج في غرة ذي القعدة سنة (6) هـ بعد سنة من الأحزاب، واتجه صلى الله عليه وسلم إلى مكة المكرمة، وفي ذي الحليفة التي هي الآن آبار علي وهو المكان الذي يحرم منه القادمون من المدينة إلى مكة، هناك في ذي الحليفة أحرم صلى الله عليه وسلم وقلد الهدي، وكان قد أخذ معه مجموعة ضخمة من الإبل ليذبحها في مكة المكرمة، وهذا من النوافل، فالرسول صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة ولبس لباس العمرة وبدأ بالتلبية؛ كل هذا ليدل على أنه لم يذهب إلى مكة إلا للعمرة فقط، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن هناك عيوناً كثيرة لقريش على الطريق، وهذه العيون لاشك أنها ستنقل الأخبار إلى مكة المكرمة، وهو لا يريد حرباً مع أهل مكة ولم يذهب إلا للعمرة، وما رآه في الرؤيا هو فقط مجرد العمرة؛ ولذلك لم يخرج صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا بسلاح المسافر، وفي طريقه صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة إلى مكة المكرمة كان يلبي: لبيك اللهم لبيك إلى آخر الدعاء.
توقف الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكراع الغميم
وصل صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى منطقة تسمى كراع الغميم، وهو على بعد (60) كيلو أو (64) كيلو تقريباً من مكة المكرمة، وهناك فوجئ عليه الصلاة والسلام بأن قريشاً قد جمعت جيشاً وجمعت الأحابيش، والأحابيش: هي مجموعة من القبائل كانت تتحالف مع قريش، وسميت بذلك؛ لأنهم اجتمعوا عند جبل اسمه حبشي، وعقدوا اتفاقية دفاع مشترك عن مكة المكرمة.
فهذه المجموعة من القبائل جمعتها قريش لصد الرسول صلى الله عليه وسلم عن أداء العمرة في مكة المكرمة، مع أن العرف والقانون الدولي في ذلك الوقت يسمح للرسول عليه الصلاة والسلام بأن يذهب إلى مكة معززاً مكرماً ممنوعاً، بل على قريش في أعرافها وفي قوانينها أن ترعى حقوق المسلمين، وأن تخدم المسلمين، وأن تسقي الحجاج، وأن تفعل كذا وكذا، لكن كل هذا ضربت به قريش عرض الحائط، وبدأت التعامل مع الموضوع بنوع من الغدر ومخالفة القوانين والعهود التي بينها وبين العرب قاطبة.
فوجد صلى الله عليه وسلم أن هناك جيشًا يقف عند كراع الغميم يمنع المسلمين من الوصول إلى مكة المكرمة، هذا موقف خطير، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا (1400) من المسلمين وبسلاح المسافر، ويقف أمامه عند كراع الغميم جيش، ليس من قريش فقط، ولكن من قريش ومن معها من القبائل المحالفة لها، فوقف صلى الله عليه وسلم وبدأ يأخذ الشورى بينه وبين أصحابه، ولم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم الشورى في موقف من المواقف، إلا في حالة ما إذا كان هناك أمر مباشر من رب العالمين سبحانه وتعالى، إذا كان أمر حل أو حرمة فهنا لا يأخذ الرسول عليه الصلاة والسلام رأي الصحابة فيه.
فمثلاً: الخروج من المدينة المنورة إلى مكة لأداء العمرة كان عن وحي من رب العالمين سبحانه وتعالى؛ لذلك لم يجمع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ليأخذ رأيهم: نذهب أو لا نذهب؟ مع خطورة الأمر.
إذاً: ما دام ربنا سبحانه وتعالى أمر بكذا أو نهى عن كذا فلا مناقشة ولا تردد، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36]، فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو في قضية عسكرية فأخذ الشورى فيها، فقد جمع أصحابه في هذا الموقف الخطير الذي هم فيه، وشاورهم: هل نحارب هؤلاء الذين تجمعوا لنا أم نعود ولا ندخل إلى مكة؟ هل نغير على قبائل الأحابيش الخالية الآن من الرجال؛ لأن معظم جيش الأحابيش خرج للوقوف عند كراع الغميم؟ وكان عليه الصلاة والسلام قد عرض فكرة الالتفاف حول هذا الجيش والميل على قبائلهم الفارغة من الجنود وقتلهم وسبيهم، فيكون ذلك عزة وقوة للمسلمين على الكفار، هذه كانت آراء مطروحة من الرسول صلى الله عليه وسلم طرحها على الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ ليختاروا ما يناسبهم، وعرض بعض الصحابة رضي الله عنهم آراءهم، فكان ممن تكلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، قال: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، يعني: رأي الصديق رضي الله عنه وأرضاه ألا نسعى لقتالهم ولا نذهب إلى قبائل الأحابيش ولا نقاتل هذا الجيش، بل نكمل الطريق في محاولة الوصول إلى البيت، فإن كان هذا الجيش الذي وضع في كراع الغميم مجرد إرهاب للمسلمين ولن يقاتل فنحن سنكمل الطريق ونذهب إلى العمرة في مكة المكرمة، وإن أصروا على القتال قاتلناهم فنحن لا نخشى القتال، ولكن لا نسعى إليه، هذا ملخص رأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قبلوا هذا الرأي واستحسنوه، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم أكملوا الطريق، لكن قريشاً كانت مصرة على منع الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه من دخول مكة المكرمة للعمرة؛ لذلك وضعت فرقة قوية من الفرسان على رأسهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وكان وقتها مشركاً، وهذه الفرقة من الفرسان حوالي (200) فارس، ووراءهم جيش مكة، وهذه الفرقة كانت في كراع الغميم، ولما اقترب الرسول عليه الصلاة والسلام وقف أمام هذه الفرقة المسلحة، وعند هذا الوقوف جاء موعد صلاة الظهر، والمسلمون في أي ظرف من الظروف لا يضيعون الصلاة ولا يؤخرون الصلاة عن أوقاتها إلا في الظروف الضيقة المحدودة جداً، تكاد في السيرة تعد على أصابع اليد الواحدة، كما حدث في غزوة الأحزاب قبل كذا، لكن عموم الأمر أن المسلمين يصلون الصلوات في أوقاتها حتى في ميادين القتال، بل إنهم كثيراً ما كانوا يصلون الصلاة على خيولهم إيماءً إذا احتدم القتال، هذا اهتمام كبير جداً بقضية الصلاة، ووقف صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه يصلون صلاة الظهر خلفه مؤتمين به صلى الله عليه وسلم، يركعون ويسجدون جميعاً مع الرسول صلى الله عليه وسلم وهم كما ذكرنا (1400)، فـ خالد بن الوليد قائد فز
وصول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الحديبية
لقد أكمل صلى الله عليه وسلم الطريق إلى مكة المكرمة إلى أن وصل إلى مكان يعرف بالحديبية، ويوجد هناك بئر، وهذا الموضع قريب جداً من مكة المكرمة، يقع بين التنعيم وبين مكة المكرمة، ويبعد التنعيم حوالي (5) كيلو من مكة المكرمة، فهو عليه الصلاة والسلام دخل في حدود مكة المكرمة نفسها، وأصبح الموقف شديد الحرج، ففي أي لحظة من اللحظات القادمة قد يحدث قتال عند إرادة دخول مكة المكرمة، لكن قبل دخول مكة المكرمة حدث أمر مفاجئ، حدث أن ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم توقفت عن المسير، فالصحابة اجتمعوا ليدفعوا الناقة إلى القيام وإكمال المسيرة إلى مكة المكرمة، وكان الجميع متحمساً جداً لدخول مكة المكرمة، ورفضت الناقة أن تقوم، فقال الصحابة: (خلت القصواء خلت القصواء) أي: امتنعت عن القيام وعن التقدم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما خلت القصواء وما ذاك لها بخلق) يعني: ليس من خلق القصواء أن ترفض الأمر الموجه إليها، وما ذاك لها بخلق: (ولكن حبسها حابس الفيل) يعني: أنه سبحانه وتعالى أراد لها ألا تتقدم، فهو أمر من الله عز وجل للناقة.
وقوله: (حبسها حابس الفيل) يعني: الفيل الذي كان يركبه أبرهة عندما أراد دخول مكة المكرمة، لكن الله أمره ألا يدخل، فوقف الفيل ولم يستطع أبرهة أن يدفع الفيل لدخول مكة، فهذا الأمر تكرر تماماً مع الناقة النبوية.
وقد تكرر هذا الموقف مع الناقة قبل ذلك، ومن أشهر المواقف التي حدثت مثل ذلك: عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فقد ترك عليه الصلاة والسلام الناقة تسير إلى أن استقرت في مكان ما، وقال للصحابة من الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم: (دعوها فإنها مأمورة)، فنفس الموقف يتكرر في الحديبية؛ بسبب هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم كلمة مهمة جداً، وستفسر لنا هذه الكلمة أموراً كثيرة آتية بعد ذلك، ثم قال صلى الله عليه وسلم بعد أن أحس وشعر أن هناك وحياً واضحاً في هذه القضية، قال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، يعني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر أنه سيقبل بالصلح مع قريش، فهو عليه الصلاة والسلام كان يشعر أن هناك وحياً في هذه القضية لم يكن مباشراً، لكنه فهمه من خلال وضع الناقة وعلم أنها مأمورة؛ وعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يريد قتالاً يتم بينه وبين قريش في ذلك الوقت، لذلك سيقبل عليه الصلاة والسلام بأي خطة تعظم حرمات الله، فهو يشترط في الخطة أن تعظم حرمات الله، فلن يقبل بظلم على المسلمين، ولن يقبل بمخالفة شرعية صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر في غاية الأهمية.
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد مصالحة وخطة ليس فيها قتال، وهذا أيضاً سيفسر لنا قبول الرسول عليه الصلاة والسلام بصلح الحديبية بصورة واضحة؛ لأنه أمر مرضي له صلى الله عليه وسلم.
وبعد بقاء المسلمين في منطقة الحديبية أرسلت قريش أحد الرسل؛ جاء لكي يحل المشكلة بين المسلمين وبين قريش، وهذا الرسول هو بديل بن ورقاء الخزاعي فهو ليس من قريش وإنما من قبيلة خزاعة، ومعروف أن قبيلة خزاعة حليفة للرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يحب خزاعة، وقريش لم ترسل رجلاً منهم، لم ترسل زعيماً من زعمائهم يهدد ويتوعد، لا، لأن قريشاً تريد أن تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام بالسلم، وبنوع من الحسنى، وبتجنب القتال قدر المستطاع، ونحن قد نستغرب ونقول: كيف قبلت قريش العزيزة المنيعة القوية القبيلة الكبيرة المعظمة عند جميع قبائل العرب بلا استثناء، كيف تقبل هذه القبيلة الكبيرة بالجلوس مع الرسول عليه الصلاة والسلام في طاولة المفاوضات، مع عدم الضغط المباشر على الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أقول: إن الذي حصل في السنة السادسة من الهجرة أثر تأثيراً كبيراً على سلوك قريش، الذي حصل من سرايا وغزوات متتالية في العام السادس من الهجرة كان فيه رفع الراية الجهاد وإظهار الهيبة الإسلامية والعزة الإسلامية في كل مكان، فكل هذا كان له تأثير سلبي واضح على نفسيات قريش، وكان له تأثير معنوي إيجابي رائع جداً عند المسلمين، مما جعل الموقف يكون بهذه الصورة.
أول رسل قريش لمفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية
لقد كان المسلمون على بعد عدة كيلو مترات قريبة جداً من مكة المكرمة، وبهذه العزة يقفون ينتظرون رسل قريش، وقريش لا تستطيع أن ترسل زعيماً من زعمائها وإنما تبعث واحداً وسيطاً يتوسط عند المسلمين أن يعودوا، فذهب بديل بن ورقاء الخزاعي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ليمنعه قدر المستطاع من دخول مكة، فقريش لا تريد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل مكة في ذلك الوقت، ولا تريد أن تحدث معه قتالاً؛ لأنها تشعر أنها أضعف من المسلمين، مع أن المسلمين ليس معهم إلا سلاح المسافر فقط، فوقف بديل بن ورقاء وحاول أن يهدد الرسول صلى الله عليه وسلم تهديداً خفيفاً، لكن هذا التهديد لم يكن من قريش؛ لأن بديل بن ورقاء ليس قرشياً، فقال بديل مهدداً: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل.
يعني: ما تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي وهما فرعان من قريش يعيشون في مكة تركتهم نازلين قريباً جداً من الحديبية، (معهم العوذ المطافيل) يعني: معهم الأبناء والأولاد وهم يريدون حربك يا محمد، فالحرب ستكون ضارية بينك وبين قريش، ثم يكمل بديل بن ورقاء ويقول: وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.
فماذا كان رد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لقد رتب الرسول عليه الصلاة والسلام الكلمات ترتيباً سياسياً حكيماً بارعاً، وبين له فيه أنه فهم الموقف تمام الفهم، وأن قدوم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكة المكرمة لم يكن قدوماً متهوراً غير مدروس، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم عمل حسابه لكل نقطة، فماذا قال؟ قال: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين) يعني: نحن لسنا مخالفين لقوانين الجزيرة العربية، وإنما أنتم الذين تخالفون قوانين الجزيرة العربية، وقوانين قريش نفسها تقضي بأن ندخل إلى مكة المكرمة لأداء العمرة إذا أرادنا ذلك، بل على قريش أن تحمينا وتحرسنا بسيوفها، فنحن نسير وفق هذا القانون وأنتم تخالفون هذا القانون.
فهو في منتهى القوة يقول: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين).
الأمر الثاني: أنت تهددني بقريش وأنهم قد جمعوا العوذ المطافيل وجمعوا جيوشاً ليحاربوني، لا، أنا أعلم بوضع قريش، قال: (وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم) يعني: ليست قادرة على محاربة المسلمين، فقريش أضعف من أن تحارب، فقد عادت من الأحزاب في خزي واضح بعد أن فشلت في غزو المدينة المنورة، وقريش لم تحرك جيشاً واحداً لقتال المسلمين في خلال السنة السادسة من الهجرة، مع اقتراب المسلمين أكثر من مرة من حدود مكة المكرمة.
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم القوة التي هو فيها الآن، ويفاوض من هذا الوضع القوي، ولذلك كلماته مسموعة وكلماته مرغوبة عند بديل بن ورقاء وعند القرشيين جميعاً، فقال هذه الكلمات: (وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا)، فبدأ يعدد عروضاً في منتهى الوضوح، فقد أعطاهم ثلاثة عروض ليختاروا منها ما يشاءون.
العرض الأول: (فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس) يعني: هذا العرض يقضي أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب من قريش أن تضع الحرب بينه وبينهم مدة من الزمان، وهذه المدة سنة سنتان ثلاث عشر، ويتركون ما بيني وبين الناس، أنا أدعو الناس وهم يدعون الناس، وكل واحد يتصرف دون خشية من الطرف الآخر أن يدخل معه في حرب.
فهذا العرض يفسر لنا أن ما حدث في صلح الحديبية من كون القرشيين يطلبون المعاهدة والمدة كان مطلباً إسلامياً في البداية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي طلب هذه المدة؛ لأنه يعلم تمام العلم أن الدعوة في الجو السلمي أكثر إنتاجاً وأعظم تأثيراً وأسرع إلى قلوب الناس منها في جو الحروب، لذلك كان يطلب صلى الله عليه وسلم من قريش أن تضع الحرب بينها وبينه مدة من الزمان؛ ليسمح له فيها بالدعوة في كل مكان دون قتال.
العرض الثاني: (وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا)، يعني: لو أرادوا أن يسلموا ويبقوا مثلنا لهم ما لنا وعليهم ما علينا فعلوا ذلك، فنحن نرحب بهم في الإسلام.
إذاً: كون الرسول صلى الله عليه وسلم يقول هذه الكلمات وهو بسلاح المسافر فهذا يدل على عزة الإسلام فعلاً.
العرض الثالث: (وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره)، يعني: قتال إلى النهاية حتى الموت، فنحن لا نخشى القتال، بل نطلبه ونحبه؛ لأنه في سبيل الله عز وجل.
والسالفة أي: الرقبة، فهذا كان وضع الرسول عليه الصلاة والسلام، كلمات في منتهى القوة، وعروض ثلاثة واضحة جداً.
فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، وأخذ العروض الثلاث وانطلق إلى مكة المكرمة، وعندما ذكر بديل هذه الأمور لزعماء مكة، كان المتوقع منهم أن يثوروا ويغضبوا، كيف يقول لهم ا
ثاني رسل قريش لمفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية
لقد حاولت قريش قدر المستطاع أن يتجنبوا اللقاء والصدام مع الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان بسلاح المسافر، فأرسلوا الحليس بن علقمة، والحليس بن علقمة من بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة زعيم الأحابيش المحالفين لقريش، فقريش للمرة الثانية لم ترسل قريش أحد زعماء قريش؛ لأنه قد يتهور في قرار لا يستطيع القرشيون تحمله، فأرسلوا الحليس بن علقمة، والرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى الحليس قال: (هذا من قوم يعظمون البدن)، يعني: من قبيلة بني الحارث بن عبد مناف وهم قوم متدينون يحترمون قواعد البيت الحرام وأعراف البيت الحرام، ويعظمون البدن، ويحترمون من جاء لأداء العمرة أو الحج في مكة المكرمة، فالرسول عليه الصلاة والسلام عامله بما هو أهله، فأرسل في وجهه البدن؛ ليشعره أنه ما جاء إلى هنا إلا ليقوم بما يعظمه الحليس بن علقمة وقومه، فعندما أرسل البدن في وجهه واستقبله الصحابة يلبون: لبيك اللهم لبيك، لما رآهم الحليس بن علقمة قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت.
فالرسول عليه الصلاة والسلام استطاع أن يكسب قلب الحليس بن علقمة حتى قبل أن يتم بينه وبينه كلام، فقد كان عند الرسول عليه الصلاة والسلام فقه في منتهى الروعة، فـ الحليس بن علقمة كافر، وبديل بن ورقاء كافر، وأبو سفيان كافر، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل قبل ذلك، وكل هؤلاء كفار، لكن كل واحد له طريقة تعامل، فهناك كافر غادر، وهناك كافر من نبلاء القوم، وهناك كافر لا يعظم أي دين، وهناك كافر يعظم الدين وإن كان ديناً باطلاً هكذا كل واحد له طريقة في التعامل، والرسول عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الرجل على قدر علمه وقدر بيئته وقدر ظروفه، وهذه هي الحكمة في حقيقتها.
إذاً: الرسول الثاني لقريش فشل في أداء ما تتمناه قريش، بل بالعكس فقد رجع إليهم وقال لهم: اسمحوا له بالدخول إلى مكة لأداء العمرة، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، لكن قريشاً ضربت بكلامه عرض الحائط، وقالوا: هذا الكلام لا يستقيم نحن نريد أن نمنعه مهما كانت الأعراف والقوانين
ثالث رسل قريش لمفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية
لقد تأزم الموقف جداً عند قريش، فأرسلت الرسول الثالث وأيضاً ليس من قريش وهو عروة بن مسعود الثقفي من قبيلة ثقيف، فقريش أرسلت واحداً تعتقد اعتقاداً جازماً أن المسلمين سيحترمون رأيه ويسمعون كلامه؛ لأنه كان معظماً جداً في كل الجزيرة العربية، وهذا الرجل هو عروة بن مسعود الثقفي، وكما تعلمون عندما نزل القرآن الكريم على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في مكة وبلغ به الناس، وقف القرشيون وقالوا قولتهم التي حكاها الله عنهم: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، فهم يريدون سحب العظمة من الرسول عليه الصلاة والسلام وينسبونها إلى أولئك الذين كثرت أموالهم وعظمت قوتهم في الجزيرة العربية، والقريتان هما: مكة والطائف، والرجل الذي يقصدونه من مكة: هو الوليد بن المغيرة، والذي يقصدونه من الطائف: هو عروة بن مسعود الثقفي هذا.
إذاً: جميع أهل مكة والجزيرة العربية يدركون أن هذا الرجل أعظم رجلين في داخل الجزيرة العربية بكاملها، لذلك أرسلوه للتفاوض مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعروة بن مسعود لكونه عزيزاً وسيداً جاء بكلمات تهذيبية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الوقت إن هدد ولم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم بكلامه لن يكون ذلك مؤثراً على قريش؛ لأنه من ثقيف، فذهب عروة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: (أرأيت لو استأصلت قومك)، انتبه لكلمات عروة بن مسعود الثقفي كيف يقلب الحقائق، كيف يصور رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه يريد أن يقتل الناس وليس العكس، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاء وأعلن أكثر من مرة: (إنا لم نأت لقتال أحد ولكن أتينا معتمرين)، فهو يريد حقاً تعطيه قريش لكل الناس، ولكنهم يخالفون ويرفضون إعطاء ذلك الحق، فهنا قلب للحقائق وتصوير المظلوم أنه الظالم وتصوير الظالم أنه المعتدى عليه، وهذا أمر متكرر كثيراً في التاريخ، من ذلك: كلام فرعون عن موسى عليه الصلاة والسلام عندما قال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:26].
فجاء عروة بن مسعود الثقفي وقال: (أرأيت لو استأصلت قومك وقتلت كل من في مكة، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك)، انظر إلى القلب الواضح للحقائق، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل: إنه يريد أن يستأصل قومه، بل بالعكس هو طلب منهم أن يسمحوا له بالعمرة ويرجع إلى المدينة المنورة، ولم يسأل عن حقوقه داخل مكة المكرمة، ولم يسأل عن دياره، ولم يسأل عن أمواله، ولم يسأل عن كذا وكذا من حقوق الصحابة، فقد سلب هو أصحابه من أهل مكة كل هذه الحقوق، ومع ذلك تجد الكلمات معكوسة تماماً من عروة بن مسعود الثقفي هذه عاداتهم، ثم يقول عروة بن مسعود: (وإن الأخرى) يعني: إن هي غلبت قريش المسلمين، قال: (فوالله إني لأرى وجوهاً وأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك)، هذا كلام في منتهى سوء الأدب، يعني: أن هؤلاء الذين معك كلهم إذا بدأت الحرب سيفرون ويتركونك، إنما هم أوباش من الناس، فهو يسب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ويذكر أنهم جميعاً سيفرون عن الرسول عليه الصلاة والسلام ويدعونه لقريش.
فهذا الرجل يهدد ويتوعد وليس كالذي سبقه الحليس بن علقمة، فمثل هذا ما ينفع معه الكلام الهادئ وما ينفع معه العظة كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع الحليس بن علقمة، هناك رد ثان مناسب له، والذي تولى الرد عليه هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، مع علمنا بـ الصديق في رفقه ولينه ورقته ورحمته رضي الله عنه، لكن كل ذلك في موضعه، أما إذا كان في موضع العزة والقوة فهو أقوى الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وهكذا كان في كل حياته، وراجعوا ما قلناه في محاضرات الصديق رضي الله عنه وأرضاه عن قوة الصديق وبأسه رضي الله عنه.
فهنا وقف الصديق وتكلم بغلظة وشدة وعنف لم نعهده فيه قبل ذلك، قال رضي الله عنه وأرضاه بعد أن سب عروة بن مسعود سبة قبيحة مباشرة، قال وهو مستنكر: (أنحن نفر عنه؟) يعني: هل الصحابة تفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وعروة بن مسعود لما سمع السباب الذي قاله أبو بكر الصديق ومعلوم أن عروة بن مسعود زعيم وعظيم من عظماء العرب، ومن المستحيل أن توجه له هذه السبة أو هذا القذف دون أن يحرك الجيوش والجموع، لكنه قال كلمة تعبر عن مدى أخلاقيات بعض رجال العرب حتى في جاهليتهم، قال: (لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأج
محاولة بعض شباب قريش منع الصلح مع المسلمين
لقد هزمت قريش هزيمة نفسية قاتلة، وبدأت تفكر تفكيراً جدياً في الصلح، لكن ما هي بنود الصلح؟ ما هي ظروف الصلح التي يفكرون فيها؟ كانوا قبل ذلك يرفضون الجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم على طاولة المفاوضات؛ لأنهم لا يعترفون به أصلاً، وهاهم الآن حين رأوا هذه العزة العظيمة للمسلمين يتفاوضون معهم، وبدءوا يفكرون في الصلح، لكن هناك مجموعة من شباب قريش المتحمسين المتهورين أرادوا أن يقطعوا كل طريق للصلح، فقامت هذه المجموعة وهم حوالي (50) شخصاً من المشركين وعلى رأسهم عكرمة بن أبي جهل وكان وقتها مشركاً، قامت هذه المجموعة بالتسلل إلى معسكر المسلمين ليلاً ليقتلوا بعض المسلمين، وهم غرضهم أن يبدأ القتال ثم بعد ذلك ستكون الحرب الكبيرة بين المسلمين وبين قريش.
فما الذي حصل مع هؤلاء؟ لقد كانت هناك مجموعة من الحرس يحمون المسلمين، وعلى رأس الحرس محمد بن مسلمة رضي الله عنه وأرضاه، فاعتقل محمد بن مسلمة هؤلاء الخمسين المشرك، فماذا فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع هؤلاء الخمسين؟ لقد أطلقهم صلى الله عليه وسلم جميعاً مناً بلا فداء؛ لإبداء حسن النوايا ولإبداء الرغبة في الصلح، كأنه يقول لقريش: هذه رغبة حقيقية عندنا فنحن لم نجئ للقتال إنما جئنا معتمرين، ويريد صلى الله عليه وسلم أيضاً الصلح والهدنة؛ لينتشر الإسلام في الجزيرة العربية بأسلوب سلمي، قال الله سبحانه وتعالى يصف هذا الموقف في كتابه الكريم: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح:24]، فقوله: {مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح:24] يعني: بعد أن أخذتم هؤلاء الخمسين أسارى.
إرسال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان لمفاوضة قريش في الصلح
لقد أرسلت قريش ثلاثة رسل حتى الآن: أرسلت في البداية بديل بن ورقاء الخزاعي من خزاعة، وأرسلت بعد ذلك الحليس بن علقمة من بني الحارث بن كنانة، وأرسلت بعد ذلك عروة بن مسعود الثقفي من ثقيف، وهؤلاء الثلاثة من خارج قريش، أرسلتهم محاولة للتوسط بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام في كل مرة يبلغهم بشيء، لكي يوصلوه إلى مكة المكرمة، لكن إلى الآن لم تستمع قريش مباشرة إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يكون هؤلاء الرسل لم يبلغوا الأمر بصورة مرضية؛ إما لشيء في صدورهم، أو سوء فهم لقضية من القضايا؛ فلذلك أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يرسل رسولاً من المسلمين، يستطيع بواسطته أن يصل بالمعاني التي يقتنع بها المسلمون ويطالبون بها، يوصلها بوضوح إلى زعماء قريش؛ ليتجنب فتنة ليس لها أصل، فالرسول صلى الله عليه وسلم فكر في إرسال سفير ورسول، فمن الذي أراد صلى الله عليه وسلم أن يرسله؟ أول من أراد أن يرسله إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وعمر بن الخطاب كما تعلمون رجل قوي مفاوض له حكمة وقوة ورأي سديد جداً، فهو في كثير من المرات ينزل القرآن الكريم موافقاً لرأيه رضي الله عنه وأرضاه، فيما عرف بموافقات عمر رضي الله عنه، ومما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يختار عمر بن الخطاب أنه كان في جاهليته سفيراً لقريش.
وكانت الزعامة في قريش موزعة على عشر قبائل، كل قبيلة عليها دور من الأدوار في قيادة مكة، والدور الموكل إلى بني عدي -التي هي قبيلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- كان دور السفارة في قريش، والذي كان يقوم بهذا الدور من قبيلة بني عدي هو عمر بن الخطاب نفسه، فالرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يبعث رسولاً قديماً من رسل قريش تعترف به كسفير، فهذا في غاية الأهمية وله عمق إستراتيجي واضح، فهذه كانت وجهة نظر الرسول صلى الله عليه وسلم في إرسال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن على غير المعتاد اعتذر عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه علم أن الأمر ليس وحياً، وإنما هو رأي من الرسول عليه الصلاة والسلام له أن يراجع فيه ويعرض رأيه، فعرض عمر بن الخطاب رأيه في منتهى الوضوح ومنتهى الصراحة وقال: (يا رسول الله! ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت) يعني: أنا من قبيلة ضعيفة، قبيلة بني عدي بطن ضعيف من بطون قريش، لو حصل وقتل عمر بن الخطاب فلن يتحرك له أحد، ثم قال: (فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها).
وعثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية عزيزة شريفة لها تاريخ ولها جنود ولها رجال، والجميع يعمل لها ألف حساب، ثم يقول: (وإنه -أي: عثمان بن عفان - مبلغ ما أردت) يعني: الذي تريده سيتحقق على يد عثمان ما هو علي يدي أنا، وواضح من كلام عمر بن الخطاب ومن سيرته قبل هذا الأمر وبعد هذا الأمر أنه لا يخشى الموت، ولم يقل هذا الكلام خوفاً من قريش أو من غيرها، بل كان على استعداد دائم أن يبذل روحه في سبيل الله عز وجل، لكنه يريد أن تتم المهمة، وهذه المهمة مثل عثمان بن عفان رضي الله عنه سيؤديها؛ لأن عمر ليست له منعة في داخل مكة المكرمة وهو يريد أن تتم هذه المهمة؛ لذلك ذكر اسم عثمان بن عفان، ولماذا عثمان بن عفان من بين (1400) صحابي؟ هذا اختيار في منتهى الحكمة فعلاً؛ لأنه الرجل المناسب في المكان المناسب، فـ عثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية تقدر على حماية عثمان بن عفان، وإجارة بني أمية تمضي على كل قريش، كذلك أبو بكر الصديق نفسه لو ذهب فإنه لا يؤدي مثل ما يؤدي عثمان بن عفان؛ لأن قبيلة أبي بكر الصديق قبيلة ضعيفة، التي هي قبيلة بني تيم.
إذاً: كان اختيار عمر موفقاً لـ عثمان جداً هذا أولاً.
ثانياً: عثمان بن عفان مشهور بالحلم والحكمة، فعنده القدرة على أن يتفاوض ويؤدي المهمة كما ينبغي أن تؤدى.
ثالثاً: عثمان بن عفان رجل محبوب جداً في داخل مكة المكرمة سواء في أيام جاهليته أو في أيام إسلامه؛ لأنه كان كريماً واسع الكرم، يعطي عطاء بلا حدود، وكل أهل مكة قبل ذلك استفادوا منه، فهو عند أهل مكة محبوب، والناس كلها لن تؤذيه قدر المستطاع، وعثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه زوج ابنتي الرسول صلى الله عليه وسلم، كان متزوجاً في البداية من السيدة رقية، فلما ماتت تزوج أم ك
صلح الحديبية
في صلح الحديبية تجلت حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث عقد الصلح مع قريش راجياً من ورائه مكاسب عظيمة للإسلام والمسلمين، فقد كانت نظرته بعيدة، وهدفه عظيماً، بخلاف بعض الصحابة الذين نظروا إلى الصلح نظرة سطحية، فجعلهم ذلك يرفضون الصلح ويستنكرونه.
موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من إشاعة مقتل عثمان بمكة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثالث من دروس السيرة النبوية في العهد المدني في فترة الفتح والتمكين، وقد ذكرنا في الدرس السابق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا أنه يذهب هو وأصحابه إلى مكة المكرمة للعمرة، وأنه أخذ أصحابه وخرج متوجهاً بهم إلى مكة، وكانت تداعيات هذا الأمر كبيرة جداً في مكة المكرمة، فقد حاول القرشيون في مكة المكرمة قدر استطاعتهم أن يمنعوا رسول صلى الله عليه وسلم من دخول مكة المكرمة، ودارت بينهم مفاوضات كثيرة كما ذكرنا، وفي النهاية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه سفيراً للمسلمين إلى قريش؛ ليتفاوض معهم في أمر دخول المسلمين إلى مكة للعمرة، فكان المشركون في موقف صعب، وكما ذكرنا في الدرس السابق: أن موقف قريش مع كونها قبيلة كبيرة وعزيزة كان ضعيفاً شديد الضعف، فقد وقفت قريش حائرة مع صلابة وقوة وعزة المسلمين، وما استطاعت أن تأخذ قراراً بحرب المسلمين، وبدأت تقدم رِجْلاً وتؤخر أخرى، وترسل وسطاء الواحد تلو الآخر، ومحتارة ماذا تعمل مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع أصحابه، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يحملون معهم إلا سيف المسافر فقط، فقوتهم ضعيفة نسبياً بالمقارنة إلى قوة قريش وقبائل الأحابيش التي تتحالف مع قريش، لكن مع كل هذه المفارقات بين قوة المسلمين وقوة المشركين إلا أن المشركين حرصوا تمام الحرص على إتمام الصلح بينهم وبين المسلمين، وتجنبوا القتال.
لم يكن هذا القرار سهلاً على قريش، فقد ظلت تفكر أياماً في أمر هذا القرار وعثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه في مكة ينتظر قرار قريش.
في هذا الوقت أشيع عند المسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل في مكة المكرمة، وهذا أمر خطير ومخالف للأعراف كما تعلمون، فقتل الرسول يعتبر إهانة كبيرة جداً للدولة التي يقتل رسولها، ومخالفاً للأعراف والقوانين، لذلك بمجرد أن وصلت هذه الإشاعة إلى المسلمين ومع أن الإشاعة لم تكن صحيحة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم تعامل مع الموضوع بمنتهى الجدية، فعندما أشيع أن عثمان بن عفان قد قتل جمع الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين جميعاً وعقد معهم مبايعة، وبايع المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة من أعظم البيعات في تاريخ الأرض، عرفت في التاريخ ببيعة الشجرة أو بيعة الرضوان، بيعة الشجرة؛ لأنها تمت تحت شجرة عند الحديبية، وبيعة الرضوان؛ لأن الله عز وجل صرح في كتابه أنه رضي عن أولئك الذين قاموا بهذه البيعة، قال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:18].
لقد بايع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً على ألا يفروا، كما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
وبايع بعض الصحابة على الموت، بل بايع بعضهم على الموت ثلاث مرات، وممن بايع على الموت ثلاث مرات سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأرضاه كما جاء ذلك في صحيح مسلم.
إذاً: كانت هذه البيعة خطيرة، وبايع الجميع على عدم الفرار، أي: أنهم سيناجزون القوم، وسيقاتلون قريشاً ولن يفروا أبداً في هذا القتال، مع كونهم لا يحملون إلا سلاح المسافر، إنها بيعة في منتهى الأهمية، بايع جميع الصحابة إلا واحداً فقط وهو الجد بن قيس، وهو كما ذكرنا في الدرس السابق من المنافقين.
وبعد هذه البيعة مباشرة جاء عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن القرشيين قد وافقوا على الصلح، وسيأتي رجل منهم ليفاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنود الصلح.
وقفات مع بيعة الرضوان
نحتاج إلى أن نقف وقفات مع هذه البيعة العظيمة: بيعة الرضوان.
أولاً: هذه البيعة فيها خلاصة ما هو مطلوب من المؤمن في دنياه، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162]، كل شيء في حياتي لله عز وجل إلى لحظة الموت، أنا في سبيل الله عز وجل، طاعة كاملة لله ولرسوله، فأمر هذه البيعة صعب، فهؤلاء المسلمون جاءوا إلى مكة للعمرة بسلاح المسافر فقط، ولا مدد لهم من المدينة؛ لأن المدينة تبعد عن مكة قرابة (500) كيلو، ومن الطبيعي إذا قاتلوا المشركين في هذا المكان فإن المسلمين قد يقتلون؛ لأنهم يقاتلون جيشاً بعدة وعتاد وعلى بعد خطوات من المدد، وليست قريشاً فقط، ولكن معها قبائل الأحابيش الحليفة لها، لكن مع ذلك لم يفكر واحد من المسلمين في أسرته، في أولاده، في زوجته، في تجارته، في أعماله، في حياته، لم يقل أحد منهم: ظروفي لا تسمح أبداً، بل لم يقم أحدهم بهذه البيعة إحراجاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إحراجاً من المسلمين، بل فعلوها جميعاً راغبين صادقين، وهذا كلام رب العالمين في قرآنه الكريم سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:18]، أي: اطلع الله عز وجل على قلوب كل من بايع، فعلم سبحانه وتعالى أن هذه القلوب جميعاً قلوب مؤمنة مخلصة، من الفتح المبين الذي ذكره الله عز وجل في بداية السورة التي تحدثت عن صلح الحديبية وهي سورة الفتح، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، فكون رب العالمين يصرح بالرضا عن مجموعة كبيرة عددها (1400) شخص وهم ما زالوا أحياء على وجه الأرض هذا من الفتح المبين، وأن تصل مجموعة من البشر إلى هذا الرقي وهذا الإخلاص وهذا الفقه والفهم والعمل بهذه الصورة التي ترضي رب العالمين سبحانه وتعالى رضاءً تاماً يكتبه في كتابه نقرؤه إلى يوم القيامة هذا من الفتح المبين، فهذه البيعة لها مكانتها، ولها قيمتها في الميزان الإسلامي، وظل هؤلاء عند جميع علماء الأمة من أعظم المسلمين درجة وإلى يوم القيامة، وهذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم يوم الحديبية فقال لهم: أنتم اليوم خير أهل الأرض)، وهم (1400) صحابي.
إذاً: أول شيء: أنه ظهر في هذه البيعة التضحية والبذل والعطاء الكامل من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو خلاصة ما هو مطلوب من المؤمن في دنياه.
ثانياً: هذا الموقف الذي أعلن فيه المسلمون رغبتهم في الموت هز مكة تماماً من داخلها، فمن يستطيع أن يقاتل قوماً يطلبون الموت؟ بماذا ستخوفهم؟ ستقتلهم، فهم الذين يريدون أن يموتوا، فقد بايعوا على أن يموتوا، بايعوا على ألا يفروا حتى النهاية، ولم يكن معهم إلا سلاح بسيط، ومع ذلك بايعوا على الموت.
إذاً: هذا الموقف هز مكة تماماً، وجعلها تفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يعود إلى المدينة بأي ثمن، حتى وإن كان في ذلك حط من كرامة قريش، وهذا ما سنراه بعد ذلك في بنود المعاهدة.
لقد عبر خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه بعد هذا الحدث بسنوات عن صفات الجيش المنصور بكلمات قليلة ذكرها لـ هرمز قائد الفرس عند بداية فتح فارس قال: جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.
يعني: الجيش الذي يحب الموت من المستحيل أن يهزم، وهذا درس من أعظم الدروس؛ من أجل ذلك قررت قريش إبرام الصلح بكل ما فيه.
ثالثاً: قبل أن نخوض في بنود الصلح هناك شيء غريب جداً وهو أنه لم يصب المسلمين سوء عندما أخذوا قرار الموت، بينما في أحد عندما أخذوا قرار الفرار، استشهد منهم سبعون، وكان عددهم في أحد (700) وفي الحديبية (1400) لم يصب منهم أحد بسوء.
وهذه كلمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وهي كلمة جميلة جداً يقول فيها: احرص على الموت توهب لك الحياة.
يعني: الجيش الذي يريد أن يموت يهب الله له الحياة والنصر والتمكين والسيادة، والجيش الذي يريد أن يعيش أي عيشة حتى لو كانت رخيصة أو ذليلة أو تعيسة، المهم أن يعيش فهذا جيش يكتب عليه الموت.
رابعاً: أن الله سبحانه وتعالى صرح برضاه عن أولئك الذين قاموا بالبيعة، مع أنهم ما زالوا على قيد الحياة، ومن الممكن أن يرتكبوا بعد ذلك ذنوباً أو أخطاءً أو كذا أو كذا من الأمور، ومع ذلك ربنا سبحانه وتعالى صرح أنه قد رضي عنهم، والله سبحانه وتعالى يعلم الغيب، ويعلم أن هؤلاء سيفعلون كذا وكذا، وأنه من المؤكد أن يكون لهم أخطاء؛ لأنهم من البشر، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، لكن يوجد معنى في غاية الأهمية ينبغي أن نفهمه من هذا الكلام: وهو أن موقفاً واحداً في حياتك لصالح المسلمين ولصالح الأمة يكون من الثقل بحيث أنه لا
إرسال قريش سهيل بن عمرو للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم بخصوص بنود الصلح
نعود إلى الحديبية، قررت قريش الصلح، وقررت أن ترسل رجلاً لإتمام الصلح مع رسول صلى الله عليه وسلم، وهنا لا ينفع أن تبعث قريش وسيطاً من خزاعة أو من ثقيف أو من أي قبيلة غير قريش؛ لأنه سيتفق وسيفاوض في بنود ستتأثر بها قريش تأثراً مباشراً، فلا بد أن يكون واحداً من قريش، إذاً: من تبعث؟ هل تبعث عكرمة بن أبي جهل أم تبعث خالد بن الوليد أم تبعث أبا سفيان أم تبعث صفوان بن أمية؟ لم تبعث أحداً من هؤلاء؛ لأن كل هؤلاء كما يطلقون عليهم في هذه الأيام من: الصقور، كل هؤلاء يريدون أن يحاربوا المسلمين، وقريش لا تريد أن تحارب، هي تريد أن تلطف الأمر بقدر المستطاع، فأرسلت رجلاً من الحمائم رجلاً طيباً كما يقولون، أرسلت: سهيل بن عمرو، وسهيل بن عمرو حياته كلها في مكة هادئة وهو إنسان لطيف وليست له مشاكل ضخمة مباشرة مع المسلمين، ويستطيع أن يتفاوض بلطف مع المسلمين، وهذا ما تريده قريش، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى سهيل بن عمرو قال: (قد سهل لكم أمركم) يعني: أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.
فالرسول صلى الله عليه وسلم استبشر وبشر المؤمنين، وأخذ من كلمة سهيل معنى فقال: (سهيل قد سهل أمركم)، والفأل الحسن في الإسلام مطلوب، لكن في نفس الوقت كانت قريش حذرة؛ لأن سهيل بن عمرو رجل مصاب من المسلمين في بيته، أتدرون كم شخص أسلم من عائلته؟ أربعة من أولاده أسلموا، وهذه كارثة بالنسبة له، فهذا الرجل سيذهب ليدافع عن قضية شخصية، أسلم أربعة من أولاده وثلاثة من إخوته، أولاده: أم كلثوم وسهل وعبد الله هؤلاء الثلاثة أسلموا منذ زمن بعيد، ويعيشون في المدينة المنورة، والرابع: أبو جندل مسلم أيضاً ومقيد قيده أبوه سهيل بن عمرو قبل أن يخرج؛ لئلا يلتحق بالمسلمين.
وإخوته: السكران بن عمرو وأبو حاطب بن عمرو وسليط بن عمرو، يعني: عائلته تقريباً كلها أسلمت ولم يبق إلا هو، فهو مصاب في عزته في وسط قريش، فذهب يفاوض بكل حمية، ذهب لكي يأخذ من المسلمين كل مصلحة ممكن تكون لقريش.
وهنا لا بد أن نقف وقفة ونقول: إذا قام فريقان بالصلح فمعنى ذلك: أن القوتين متكافئتان، وإذا حرص القوي في الظاهر على الصلح مع الضعيف فاعلم أنه يرى الضعيف أقوى منه، وأنه من داخله يخشى هؤلاء الضعفاء، ويعمل لهم ألف حساب، ومستعد أن يتنازل، فعلى المسلمين أن يثبتوا وإن كانوا ضعفاء، فإنهم على الحق، والله معهم، وإذا ثبتوا فإن هذا يزلزل كيان الكافرين.
قعد القرشيون بكل ما لهم من تاريخ وقوة وجنود وأحلاف، قعدوا مع الجماعة الضعيفة المستضعفة التي كانت تعيش عندهم وخرجت من ديارهم وذهبت إلى المدينة المنورة، وجاءت الآن للعمرة بسلاح المسافر، قعدوا من أجل الصلح في مصلحة الطرفين، ويلتقون في منتصف الطريق كما ذكروا، هذا الصلح يحمل إيجابية واضحة، ولكنه في نفس الوقت يحمل سلبية لا بد أن يفقهها المسلمون، فالإيجابية الهامة: أن كل طرف أصبح معترفاً بالآخر، فإذا كنت أنت جماعة لا دولة وتم معك الصلح فهذه إيجابية كبرى جداً؛ لأنها بداية الاعتراف بأنك أصبحت قوياً متكافئاً، فقريش لا تحتاج لاعتراف الرسول بها؛ لأن قريشاً صار لها ستمائة سنة وأكثر قبيلة معترف بها وسط الجزيرة العربية بكاملها، بل ووسط العالم، ولها علاقات مع بعض الدول في العالم، أما جماعة المسلمين فلا يعترف بهم أحد لا قريش ولا غيرها؛ لأنها جماعة ناشئة ضعيفة مستضعفة، فإذا اعترفت بها قريش فهذه من أعظم إيجابيات صلح الحديبية، ونحن الآن في أيامنا رأينا عندما نجحت حماس في انتخابات فلسطين ماذا حصل؟ دعتها بعض الدول العالمية للحديث والتحاور والتفاوض، منها: روسيا مثلاً، وروسيا تعتبر من أقطاب العالم ومن أقوى دول العالم، ومع ذلك دعت حركة حماس لسماع الرأي ولتبادل المشورة في بعض الأمور، وهذا في حد ذاته اعتراف بحماس، وهذا الكلام أغضب اليهود جداً؛ لأن هذه المفاوضات فيها اعتراف ضمني بشرعية حماس وبقوة حماس، فهذا الذي كان يعيشه الرسول صلى الله عليه وسلم أيام صلح الحديبية، فكون قريش تجلس على طاولة المفاوضات معه فهذا اعتراف أمام الجميع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أصبح زعيماً لدولة معترف بها في الجزيرة العربية، وهذا انتصار كبير وفتح مبين فعلاً.
أما السلبية التي تكون في هذا الصلح: أنه إذا جلست قوتان للتفاوض وللصلح فلا بد أن يتنازل كل طرف عن شيء، وهذا يحتاج إلى وقت من أجل أن نفهمه، فحين تحصل مفاوضات بين مجموعة من المسلمين وبين دولة قوية في العالم لا بد أن نعرف بالضبط حدود التفاوض، ونعرف بالضبط ما هو الذي يمكن أن نسمعه ويغضبنا ونمرره، والذي يمكن أن نسمعه ويغضبنا ولا يمكن أن نمرره؟ فالرسول صلى الله علية وسلم
بنود صلح الحديبية
صلح الحديبية: معاهدة من أربعة بنود، تعالوا لنرى كل بند هل هو في صالح المسلمين أم في صالح المشركين؟
رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية في عامهم ذلك دون دخول مكة
أولاً: البند الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرجعون من عامهم هذا فلا يدخلون مكة، وإذا جاء العام المقبل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثة أيام، ليس معهم إلا سلاح الراكب، ولا تتعرض لهم قريش، هذه البند الأول.
هل هذا البند في صالح المسلمين؟ رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم هذا العام في صالح قريش؛ لأنه يحفظ لها نسبياً ماء وجهها، لكن قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم في العام المقبل، ودخول مكة دون مقاومة، بل وخروج أهلها منها وعدم التعرض مطلقاً لجيش المسلمين، هذا والله انتصار مهول للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، ونحن عندما نتذكر ما حدث للمسلمين في مكة صدق مدة ثلاث عشرة سنة من التعذيب والإبادة، ثم بعد ذلك الهجرة وفرار المسلمين بدينهم، وقد تركوا كل شيء في مكة، ثم نتذكر بدراً وأحداً وتجميع قريش للأحزاب وحصار المدينة منذ أقل من سنة واحدة، كل هذه المقاومة القرشية انهارات، وقبل المشركون بفتح باب دولتهم للمسلمين دون مقاومة، أي نصر للمسلمين؟! وأي رفع رأس للمسلمين في الجزيرة العربية بكاملها؟! وأي إراقة لماء وجه قريش وسط الجزيرة العربية؟! أين صقور قريش؟ أين السلاح والعتاد؟ أين العلاقات والأحلاف؟ أين الأموال والاقتصاديات الهائلة لقريش؟ أين كل ذلك؟ كل هذا ينهار أمام دولة المسلمين الناشئة.
إذاً: هذا البند بكل تأكيد في صالح المسلمين، ليس هذا فقط اعترافاً من قريش بدولة المسلمين، ولكن هذا اعتراف أن دولة المسلمين دولة قوية تفتح لها أبواب مكة، ويخرج أهلها منها، وهذا لم يحصل مع أي قبيلة في تاريخ مكة بكاملها، فقريش لم تخرج وتترك مكة المكرمة مفتوحة الأبواب ولا مرة لأي قبيلة من قبائل العرب مهما كانت قوية، وحصل هذا مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أنه أقوى من أي قبيلة في الجزيرة العربية في نظر قريش.
إذاً: هذا البند في صالح المسلمين.
وضع الحرب بين الطرفين مدة عشر سنين
البند الثاني: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، فهذا البند في صالح من؟ من الذين يحتاج إلى وضع الحرب ويرغب في الأمان؟ أليس هم المسلمون؟ هذه بغية المسلمين، كان الأمان طلباً نبوياً قبل المعاهدة أصلاً قبل صلح الحديبية، لعلكم تذكرون الكلام الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لـ بديل بن ورقاء الخزاعي وذكرناه في الدرس السابق، قال: (فإن شاءوا ماددهم) يعني: كان هذا طلباً إسلامياً أن تحدث مدة بين المسلمين وبين المشركين.
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يحتاج أن يقيم دولته ويؤسسها، أما دولة قريش فمقامة منذ مئات السنين، بينما دولة المسلمين الناشئة عمرها ست سنين فقط، وتحتاج إلى كثير وكثير من الإعداد والتأسيس، فهل ستكون الدعوة في الجزيرة العربية أسهل في جو الحروب والدماء والعداوات المتكررة أم ستكون أسهل في حالة الأمان؟ لا شك أنها في حالة الأمان أسهل، وهذا ما يريده المسلمون، فإنهم سيتحركون في كل مكان بسهولة آمنين من الحرب مع القبائل المختلفة أيضاً، وحركة المسلمين لدعوة القبائل البعيدة عن المدينة المنورة والقبائل القريبة من مكة المكرمة ستكون أسهل وأيسر، بخلاف ما إذا كانت الحرب معلنة بين المسلمين وبين قريش.
إذاً: الدعوة والحركة ستكون أسهل وأقرب إذا كانت الحرب موضوعة ولمدة عشر سنوات كاملة؛ لأن المسلمين سيتحركون ويدعون الناس إلى الإسلام، وتزداد قوتهم، والناس محتاجة إلى تعريفها بالإسلام، وبمجرد معرفة الإسلام معرفة صحيحة فإن الفطرة السليمة ستقبل الإسلام بلا تردد، وكانت القبائل خائفة من سماع شيء عن الإسلام؛ لأن كلمة الإسلام تعني حرب قريش، وقريش أعز قبيلة في العرب، فإن أمنت الناس حرب قريش سيدخل في الإسلام رجال ونساء وأطفال كثيرون، وهذا ما رأيناه فعلاً بعد صلح الحديبية بعد ذلك، كما سنتكلم عنه إن شاء الله.
إذاً: هذا البند بوضوح في صالح المسلمين، ولكن توجد هنا ملاحظة مهمة جداً، وهي أن المسلمين عندما عقدوا هدنة مع المشركين في ذلك الوقت لم يأخذوا كل حقوقهم، ولم ترد إليهم كامل حقوقهم، لا زالت هناك ديار منهوبة، لا زالت هناك أموال مسلوبة، لا زالت هناك أرض محتلة من القرشيين، ومع ذلك قبل المسلمون بالهدنة قبل أن ترد إليهم حقوقهم المسلوبة، لكن المسلمون في هذه المعاهدة لم يقروا قريشاً على أي حق مسلوب لهم عندهم، لم يقولوا: ديارنا وأموالنا وأرضنا كلها حق لكم، أبداً لم يقولوا هذا الكلام، وإنما وضعوا الحرب عشرة سنوات، وبعد هذه العشر السنوات سنطالب بحقوقنا وسنسعى لاسترداد كل ما سلب مني.
إذاً: إذا جلس المسلمون في صلح مع أعدائهم، وقبلوا بالهدنة دون إقرار العدو على حقوق مسلوبة هذا أمر شرعي، لكن إذا أقر المسلمون لعدوهم بحق المسلمين المسلوب هذا غير جائر وغير شرعي، ولا يمكن أبداً أن تقيس هذه المعاهدة التي قام بها صلى الله عليه وسلم بمعاهدات أخرى أقر فيها المسلمون لعدوهم بحقوق المسلمين، هذا شيء وما فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم شيء آخر، وهناك فارق كبير بين معاهدة صلح الحديبية وبين المعاهدات التي قام بها المسلمون في عصرنا هذا مع اليهود، التي أقروا فيها لليهود بممتلكات إسلامية خالصة، فحذار أن يشبه أحد هذه المعاهدات الحديثة بمعاهدة صلح الحديبية، شتان بين المعاهدتين.
إذاً: البند الثاني من بنود صلح الحديبية في صالح المسلمين تماماً.
دخول القبائل في حلف الرسول صلى الله عليه وسلم وفي حلف قريش
البند الثالث: من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزء من ذلك الفريق.
فأي عدوان تتعرض له أي قبيلة من القبائل المحالفة يعتبر عدواناً على ذلك الفريق، ويعتبر في نفس الوقت مخالفة واضحة للاتفاقية، فهذا البند في صالح من؟ قريش أعظم قبائل العرب، والذي يحتاج ويريد أن يدخل في عهدها لا ينتظر معاهدة بهذه الصورة، إن أردت فادخل في عهد قريش من الآن، أين المشكلة؟ سيدخل في عهدها مباشرة لقوتها وتاريخها، لكن القبائل التي تريد أن تدخل في عقد وحلف محمد صلى الله عليه وسلم ستتردد ألف مرة؛ خوفاً من بطش قريش وحلفائها، لكن بعد صلح الحديبية من كان في قلبه تردد سيأمن من وضع الحرب، وسينضم إلى فريق المسلمين وهو مطمئن.
إذاً: هذا البند لم تستفد منه قريش مطلقاً؛ لأن قريشاً أي أحد يريد أن يحالفها سيحالفها، بينما استفاد المسلمون من هذا البند استفادة قصوى، فالقبائل ستنضم لهم بعد أن أمنت قريشاً، من أجل هذا كان هذا البند في صالح المسلمين، ودليل هذا أن قبيلة خزاعة لم تنضم في حلف المسلمين إلا بعد صلح الحديبية، مع أن قبيلة خزاعة من أكثر القبائل قرباً إلى رسول صلى الله عليه وسلم حتى إن كتّاب السير يقولون: كانت خزاعة عيبة نصح لرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: موضع سر وثقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرنا من قبل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرسل عيوناً من خزاعة، ويتحالف مع خزاعة، وكان بينها وبين بني هاشم حلف قديم جداً ومع بني عبد المطلب، ولها تاريخ طويل في هذه القضية، فقبيلة خزاعة التي تحب الرسول صلى الله عليه وسلم لم تدخل في حلفه إلا بعد صلح الحديبية، فما بالك ببقية القبائل؟ إذاً: هذا البند فعلاً كان في صالح المسلمين، وهذا البند بالذات هو الذي سيكون سبباً بعد هذا في فتح مكة المكرمة، فأي خير جاء من ورائه.
إرجاع من أسلم من أهل مكة بعد صلح الحديبية لقريش وعدم إرجاع من ارتد إلى المسلمين
البند الرابع، وهذا البند يحتاج منا وقفة مهمة، البند الرابع: من جاء قريشاً ممن مع محمد صلى الله عليه وسلم هارباً منه لم يرد إليه، ومن أتى محمداً صلى الله عليه وسلم من غير إذن وليه هارباً منه رده عليهم، يعني: من يأتي المسلمين من أهل قريش بعد صلح الحديبية مسلماً يرجعونه إلى أقاربه، إن كان أقاربه يرفضون إسلامه، ومعلوم أن كل المشركين سيرفضون إسلام أهل مكة.
إذًا: هذا البند يقضي أن كل مسلم جديد بعد صلح الحديبية سيرجع مرة أخرى إلى مكة المكرمة، وعلى الناحية الأخرى إذا ارتد أحد المسلمين وذهب إلى مكة لا تعيده مكة إلى المسلمين.
هذا البند في ظاهره في صالح القرشيين، لكن تعالوا نحلل هذا البند، هذا البند يتكون من جزأين: الجزء الأول: من يهرب من الصف المسلم إلى الصف الكافر، هل يريده المسلمون؟ لو أن شخصاً من المسلمين ارتد وقرر أن يكون في صف قريش هل نتمسك به؟ هل نجبره على البقاء في المدينة المنورة وهو كاره للإسلام والمسلمين؟ واضح جداً أننا لسنا بحاجة إليه، بل لو كان هذا البند غير مكتوب في المعاهدة كل من يريد أن يرتد من المسلمين سيبطن هذه الردة ولن يظهرها؛ لأنه خائف من أن ترجعه قريش إلى المسلمين؛ لذلك هذا البند يسمح لكل من في قلبه مرض أن يظهر هذا المرض، ويتخلص منه المسلمون، وقد ذكرنا الآية قبل هذا أكثر من مرة، قال الله عز وجل في كتابه: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة:47]، يعني: المنافقين، فأنا لماذا أدع المنافق داخل المدينة المنورة يدل على عوراتي، وينقل أخباري إلى المشركين، ففي بقاء أهل النفاق خطورة شديدة على المسلمين، والمسلمون ليسوا في حاجة إلى من يبقي معهم بجسده وهو ليس معهم بقلبه، من أجل هذا فالتخلص منه أفضل.
إذاً: هذا الجزء من البند الرابع في صالح المسلمين.
الجزء الثاني هو الذي فيه سلبية واضحة: أي واحد من أهل مكة بعد صلح الحديبية جاء إلى المسلمين مسلماً، سواء كان إسلامه قبل صلح الحديبية أو بعده، فإن على المسلمين أن يردوه إلى مكة المكرمة، يردونه إلى أهله من الكافرين، ومعلوم إذا رد مسلم إلى الكفار فإنه قد يفتن في دينه، فقد يعذبه المشركون حتى يكفر بالله عز وجل، بالإضافة إلى أن المسلمين سيخسرون قوته، كان المفروض أن يضيف قوته إلى قوة المسلمين، فالمسلمون في هذه الحال لن يستفيدوا من قوته ومن طاقته.
إذاً: نستطيع أن نقول: هذه الفائدة الوحيدة التي حصلت قريش عليها في هذه المعاهدة الطويلة، فهذا البند يعتبر في صالح قريش، ولا بد أن يكون في صالحها شيء، وإلا لما تمت المعاهدة، ومع ذلك هذه الجزئية من البند لا تخلو من فائدة للمسلمين، لكن كيف؟ نقول: المسلم الذي سيعود إلى مكة قد يصبح مصدراً للاضطراب في داخل دولة مكة، قد يدعو إلى الإسلام في داخل مكة، قد يؤثر على عقليات المشركين في داخل مكة، قد يجمع نفسه مع غيره ويصيب المشركين بأذى في داخل مكة أو في خارجها، بل قد يخفي إسلامه ويدل على عورات المشركين، ويحدث فتناً في داخل المشركين، فهو لا يقبل دينهم ولا يقبل عبادتهم، فيكون خطراً حقيقياً على المشركين، وهذا عين ما رأيناه بعد ذلك، يعني: حتى هذه الجزئية من هذا البند التي هي في صالح المشركين فيها خسارة للمشركين أيضاً.
هذه هي بنود صلح الحديبية الأربعة، تعالوا نراجع هذه البنود الأربعة سنجد أنها في الغالب في صالح المسلمين على حساب قريش، وفيها فوائد جمة ومزايا عميقة جداً، سبعة أثمان المعاهدة في صالح المسلمين، والجزئية الوحيدة التي تمثل ثمن المعاهدة التي في صالح المشركين في صالح المسلمين أيضاً، ولكن بخسارة، فأي فائدة لا تخلو من خسارة، هذا هو صلح الحديبية، وهذه هي قيمة هذا الصلح الكبير، وهذا هو الصلح الذي سيكون له نتائج غيرت ليس فقط وجه الجزيرة العربية، ولكن وجه العالم.
كتابة صيغة صلح الحديبية وتوثيقها
بعد أن اتفق الرسول صلى الله عليه وسلم على بنود الصلح مع قريش لا بد أن توثق وتسجل في صحيفة تكون بين الدولتين يوقع عليها الطرفان، ويعترف بها في الجزيرة العربية بكاملها، وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم الجلوس مع سهيل بن عمرو لكتابة الصحيفة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أمّي لا يكتب ولا يقرأ، فالذي كان يكتب المعاهدة هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، والذي يملي عليه الكلمات هو رسول صلى الله عليه وسلم، وهذه إشارة قوية جداً إلى أن اليد العليا في المعاهدة للمسلمين، فهم الذين يملون المعاهدة ويكتبونها، فالرسول صلى الله عليه وسلم يملي وعلي بن أبي طالب يكتب، وسهيل بن عمرو مجرد مستمع.
فقال صلى الله عليه وسلم: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)، بداية كل عمل للمسلمين: بسم الله الرحمن الرحيم، فوقف سهيل واعترض، وكل اعتراضات سهيل بن عمرو شكلية، لم يعترض على كل البنود السابقة مع كل الخسائر التي خسرتها قريش لضعف قريش، وإنما هو الآن يعترض اعتراضات شكلية، ونريد أن نشاهد مرونة الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال سهيل: (ما الرحمن؟) يعني: لسنا موافقين على هذه الكلمة، (ما الرحمن؟ فو الله ما ندري ما هو، اكتب: باسمك اللهم، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لسيدنا علي: اكتب: باسمك اللهم)، يعني: (باسمك اللهم) هذه ليست فيها معارضة لأمر شرعي، وإذا لم يكتب الرحمن الرحيم ليس معنى ذلك أنه غير معترف بأن الله عز وجل هو الرحمن الرحيم، لا، وإنما لم يكتب ذلك في المعاهدة، فهذه نقطة شكلية مررها الرسول صلى الله عليه وسلم دون وقوف، (فمحا علي بن أبي طالب البسملة وكتب: باسمك اللهم، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله)، ولم يكمل الكلمة بعد حتى وقف سهيل مرة أخرى، لكن هذه الوقفة مهمة جداً من سهيل قال: (لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله)، يعني: هم لم يعترفوا بعد بنبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكيف تكتب في الصحيفة ويوقع عليها سهيل، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إني رسول الله وإن كذبتموني، ثم أمر علياً أن يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فسيدنا علي قال: لا أستطيع أن أمسح كلمة رسول الله، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال له: أرني مكانها، فأشار له علي رضي الله عنه وأرضاه على مكان الكلمة، فمحاها صلى الله عليه وسلم بنفسه)، هذا موقف في منتهى العمق، فـ سهيل بن عمرو يريد أن يأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في قضايا جانبية بعيدة عن الصلح، فهو يسحبه في تفريعات بعيدة عن الموضوع الأساس الذي نتكلم فيه، وكانت رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام واضحة جداً، فهو يريد أن تتم المعاهدة؛ لأن هذه البنود كلها في صالح المسلمين، ويرى أن فيها نصراً للمسلمين، لم يكونوا يحلمون قبل صلح الحديبية، فالمسلمون يقولون: كان كل طموحنا أننا نؤدي العمرة ونرجع مرة أخرى إلى المدينة المنورة، والآن عندنا كل المكاسب، فلا نعطل الصلح من أجل كلمة كذا أو كذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم يريد للصلح أن يتم، وهذه الكلمات لن تؤثر على الصلح.
إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم يمحو كلمة: محمد رسول الله، ويكتب: محمد بن عبد الله، وهذا الكلام ليس فيه خطأ هو فعلاً محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا نكتب هذا الأمر وتمر المعاهدة بسلام، ويخرج المسلمون بكل هذه الفوائد التي فيها؟! من المرونة أن أتنازل عن أشياء لا تقدم ولا تؤخر، وليس فيها مخالفة شرعية، وهذا واضح من إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لمحو هذه الكلمات، فهو صلى الله عليه وسلم لا يقر باطلاً أبداً، ونحن نحتاج إلى أن نفهم هذا الكلام جيداً، نحتاج إلى أن نفهم متى نتشدد ومتى نتساهل، متى نقول: لا يمكن أبداً أن نتنازل عن هذا الأمر، ومتى نقول: يمكن نتنازل عن هذا الأمر أو نقبل بهذا الأمر.
الضوابط والشروط المستفادة من صلح الحديبية
السيرة النبوية كلها كنوز، وكلها واقع، نحن نقرأ هذا الكلام الذي وقع قبل (1400) سنة، لكن هذا الكلام له تطبيق في كل يوم من حياتنا وتعالوا ننظر إلى صلح الحديبية وكيف أنه بين لنا وعرفنا شروط الصلح في الإسلام: أولاً: هذا الصلح ليس فيه إقرار للمشركين على باطل، وليس فيه تنازل عن شيء من الدين، وليس فيها إعطاء أرض لقريش ليست أرضهم، أو الاعتراف لهم بها، هذه الأمور لم تكتب في الصلح، وهذا الصلح لا يمنع المسلمين من التسلح، ولا يمنع المسلمين من عقد الأحلاف، ولا يمنع المسلمين من إعداد العدة، ولا يأمر المسلمين بتغيير المناهج أو تبديل الثوابت.
إذاً: هذا والصلح في الإسلام، صلح ليس فيه تنازل عن شيء من الشرع.
ثانياً: هذا العهد وهذا الصلح بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين قريش لم يقر الصداقة بينهما، وإنما فقط أقر وضع الحرب لمدة عشر سنوات مع بقاء الحالة كما هي عليها، حالة العداوة بين المسلمين وبين المشركين باقية، لم يقر الصداقة بين المسلمين وبين المشركين.
ثالثاً: هذا العقد إلى أجل، عشر سنوات، وبعد العشر سنوات يمكن أن نقعد ونتكلم، إذا أردنا أن نمد العهد بعد عشر سنوات نفعل، وإن رأينا أن هذه المدة تكفي لم نفعل، لكن لا يوجد شيء اسمه سلام دائم، كما في عصرنا مع عدم عودة الحقوق سلام دائم لا ينفع، السلام مقرون بعودة الحقوق.
رابعاً: هذا العقد واضح البنود ليس فيه بند مبهم، بحيث يفهم على أكثر من محمل، لا، بل واضح جداً؛ من أجل أن يضمن المسلمون حقهم تماماً دون خداع من الطرف الآخر.
خامساً: هذا العقد عُقد وللمسلمين قوة تستطيع أن تردع العدو إذا خالف المعاهدة، أما إن لم تكن لك هذه القوة فلا معنى للمعاهدة، فمثلاً: لو أننا وضعنا بنوداً وحصلت منا تنازلات ومنهم تنازلات، وجاء بعد سنة أو سنتين فخالفوا هذه المعاهدة، ماذا ستعمل هل ستذهب لتشتكي وتشجب وتندب وتدعو هذا وذاك ليدافع عنك، أم عندك القوة الكافية لردع العدو ومعاقبة العدو إذا خالف المعاهدة؟! فالرسول عليه الصلاة والسلام كانت عنده هذه القوة، وسنرى بعد سنتين كيف أنه صلى الله عليه وسلم ردع قريشاً وحلفاءهم بني بكر عندما خالفوا هذه المعاهدة مع المسلمين، لكن لو كان المسلمون ضعافاً وحصلت مخالفة ولم يستطيعوا أن يردعوا المخالف فماذا سيكون الموقف؟ سيكثر الاستهزاء والاستخفاف بهم، وهذه شيء طبيعي جداً، وحتى لو دخل طرف ثالث في المعاهدة ليضمن الطرفين، فهل الطرف الثالث سيكون على الحياد وقوي بحيث يستطيع أن ينصر الطرف الأول على الطرف الثاني، أو الطرف الثاني على الطرف الأول إذا خالف أحدهما، أم هو مع طرف من الطرفين سواء كان ظالماً أو مظلوماً؟! إذاً: إذا لم يملك المسلمون القوة الكافية للردع عند المخالفة فلا معنى للمعاهدة.
المقارنة بين معاهدة صلح الحديبية وبين معاهدات زعماء المسلمين في عصرنا مع اليهود
إن معاهدة صلح الحديبية بالمقارنة بمعاهدات المسلمين مع اليهود في زماننا هذا، وأشهر هذه المعاهدات معاهدة (أوسلو) ومعاهدة (خارطة الطريق) وغيرهما من المعاهدات بين المسلمين واليهود، وفي هذه المعاهدات أُقِرَ اليهود على باطل، وهو امتلاكهم لأرض فلسطين، أو لجزء من أرض فلسطين، والمسلمون جميعاً كانوا مقتنعين تماماً الاقتناع أن فلسطين أرض إسلامية، أو أرض عربية كما كانوا يقولون، لكن بعد هذه المعاهدات أقر بعض المسلمين أن جزءاً من أرض فلسطين لم يعد مملوكاً للمسلمين.
وفي هذه المعاهدات قلب العداء بين المسلمين واليهود إلى صداقة، ويتبع ذلك رفع عداوة اليهود من مناهج التعليم والإعلام؛ من أجل أن يصعد جيل من المسلمين لا يعرف عدوه من صديقه، وهذا شيء خطير جداً.
وفي هذه المعاهدات لم يحدد المسلمون فترة معينة للمعاهدة ثابتة أو مفتوحة، وإنما السلام الدائم مهما حدث، وهذا شيء خطير.
وفي هذه المعاهدات لم يعترف اليهود بالأحلاف التي بين المعاهد وبين الدول الأخرى، يعني: في كامب ديفيد لم يعترف اليهود بمعاهدات مصر مع الدول الأخرى، فلو دخلت إسرائيل مع دولة أخرى من دول العالم الإسلامي في حرب ليس لمصر أن تعترض؛ لأن بنود المعاهدة تقر بأنه ليس هناك حرب بين إسرائيل وبين مصر، فماذا حصل بعد هذا؟ الذي حصل بعد هذا أن إسرائيل غزت لبنان بعد كامب ديفيد بسنوات قليلة جداً، ففي عام (1982) م غزت إسرائيل لبنان ولم تستطع مصر أن تدافع عن لبنان بجيشها، مع أن هناك معاهدة دفاع مشترك بين مصر ولبنان، كما يقر بذلك ميثاق جامعة الدول العربية، لكن ما دام هناك معاهدة مع إسرائيل فإن مصر لا تدافع عن دولة أخرى إذا حاربتها إسرائيل، وكان كل دور مصر أن تخرج ياسر عرفات من لبنان مع وجود الجيش اليهودي في داخل لبنان، وهذا شيء خطير جداً.
هذا العقد بين إسرائيل ومصر عُقد وليس للمسلمين القوة الكافية للردع لو حصلت مخالفة؛ لأن سيناء التي هي محل النزاع أصلاً لم يترك فيها جيش مصري، أقصى مسافة يمكن أن يكون فيها الجيش المصري على بعد (5) كيلو متر من قناة السويس، بينما يوجد جيش اليهود على بعد ثلاثة كيلو مترات من رفح، يعني: بقيت منطقة سينا بكاملها خالية من السلاح ومن الجيش، مع أنها صارت مصرية، فهذا بالتالي يجعل الجنود المصريين أو المسلمين عند الإسماعيلية وبور سعيد والسويس، بينما جنود اليهود عند رفح في أي لحظة من لحظات التعدي جنود اليهود سيكونون داخل سينا، ورأينا عندما حصلت مخالفة في داخل رفح لم يستطع المصريون المقاومة المسلحة لهذا الأمر؛ لأن الجيش المصري في الإسماعيلية وبور سعيد والسويس ليس في رفح، وكان من المفروض أن يكون جيشنا على بعد (3) كيلو متر من رفح، كما أن جيشهم على بعد (3) كيلو متر من رفح، أليست رفح هي الحد الفاصل؟ المسافة العدالة الفاصلة أن يكون بيننا وبين رفح (50) كيلو، ويكون بينهم وبين رفح (50) كيلو، بيننا وبين رفح (1000) كيلو، وبينهم وبين رفح (1000) كيلو، هذا هو العدل، لكن ألا يكون عندك أي نوع من الحماية لأرض لك، وجيوش عدوك على بعد مسافة ثلاثة كيلو مترات فقط من الحدود، هذا أمر غير مقبول.
ثم من الذي يراقب هذا العهد؟ أمريكا الموالية لإسرائيل، والأمم المتحدة المؤسسة لإسرائيل، أليس هذا هو الحاصل؟ وإذا حدث خلاف بين الطرفين من الذي سيحكم، ستحكم أمريكا أو الأمم المتحدة، وكلنا نرى ذلك.
ثم الأخطر من كل ما سبق في هذه المعاهدة أنه تم الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة مستقلة في فلسطين، فكونها تعقد الأحلاف والمعاهدات وتعترف بها دولة من أكبر دول المنطقة كمصر هذا من أفضل نجاحات اليهود في الخمسين السنة الأخيرة، وقبل ذلك كان المسلمون جميعاً يطلقون على اليهود: الكيان الصهيوني، أو يطلقون عليهم: المحتلين اليهود، لكن بعد معاهدة كامب ديفيد صارت دولة إسرائيل ولها سفارات في معظم العالم الإسلامي.
أما نتائج صلح الحديبية فمختلفة تماماً عن نتائج هذه المعاهدات المعاصرة.
وبعد الاعتراف بإسرائيل تم فصل مصر عن العالم العربي، أليس كذلك؟ ونتج عن هذا الاعتراف خلاف دائم بين مصر والعالم العربي، وحصل شقاق كبير جداً جداً في الصف المسلم، لكن بعد صلح الحديبية حصل العكس تماماً، دخل مسلمو اليمن في الدولة الإسلامية، وعاد مسلمو الحبشة إلى الدولة الإسلامية، وتوافدت القبائل المسلمة إلى الدولة الإسلامية، وحصلت وحدة بعد صلح الحديبية وليس فرقة.
أقول لكم كلمة موجعة جداً: صلح الحديبية فعلاً شبه كامب ديفيد لكن بطريقة عكسية، يعني: حقق اليهود الفوائد التي حققها المسلمون من صلح الحديبية، والمسلمون في زماننا الآن خسروا الخسائر التي خسرتها قريش في صلح الحديبية، وراجعوا الصلحين وضعوهما مع بعض وقارنوا بينهما ستجدون أن هذا الكلام صحيح مائة بالمائة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن صلح الحديبية تم والحمد لله، وكتب بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين سهيل بن عمرو، لكن هل أعجب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم 
الهدف من صلح الحديبية
ليس الهدف من صلح الحديبية استئصال قريش، وليس الهدف عمرة عابرة في حياة المسلمين، وليس الهدف إذلال قريش بالدخول إلى مكة رغماً عن أنفها، وليس الهدف إيمان مكة وحدها.
إذاً: ما هو الهدف؟ لقد كان هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمق من ذلك بكثير، الهدف هو نشر دين الله عز وجل في الأرض قاطبة، حتى لو تأخر إسلام مكة عدة سنوات، مع أن مكة أحب بلاد الله إلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه كان ينظر نظرة شمولية، وينظر في ذات الوقت نظرة واقعية للأحداث، فبعض الصحابة في ذلك الوقت لم ينظروا هذه النظرة، كان كل همهم أن يدخلوا تلك السنة إلى مكة المكرمة، كان كل همهم أن يعودوا بالمسلمين الموجودين بمكة إلى داخل المدينة المنورة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم نظرته أعمق وأوسع من هذا بكثير، كان يرى كل الفوائد التي تكلمنا عليها وأكثر من هذا في داخل صلح الحديبية؛ من أجل هذا قبل صلى الله عليه وسلم بالصلح.
هنا سؤال مهم جداً ومحتاج إلى وقفه مهمة وهو: لماذا لم يستجب الرسول عليه الصلاة والسلام لرأي الصحابة مع أن الأغلبية منهم لا يريدون أن يتم الصلح بهذه الصورة؟ لماذا الرسول عليه الصلاة والسلام خالف هؤلاء الصحابة؟ أين الشورى في ذلك الموقف؟ هذا شيء في منتهى الأهمية، والشورى لا تكون إلا في الأمور التي ليس فيها وحي، التي ليس فيها أمر مباشر من رب العالمين سبحانه وتعالى، أو من رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، والرسول قبل ذلك أشار في أكثر من مرة أن هذا الأمر وحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، فالرؤيا التي رآها في المدينة المنورة كانت وحياً من الله عز وجل، والناقة التي حبست من دخول مكة المكرمة وذكر صلى الله عليه وسلم أنها مأمورة، وأنه حبسها حابس الفيل، فهذه إشارة واضحة من رب العالمين سبحانه وتعالى أنه لا يريد له أن يدخل مكة المكرمة، لذلك أخبر أصحابه أنه سيقبل بأي خطة تعظم فيها حرمات الله عز وجل، وفيها منع للقتال، ثم بعد ذلك ذكر ذلك عندما جادله صلى الله عليه وسلم كلمة توضح أن كل المعاهدة كانت بوحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، ذكر ذلك عندما جادله بعض الصحابة كما سيتبين إن شاء الله في الدرس القادم، قال لهم موضحاً لهم أهمية هذه المعاهدة وأنها أمر من رب العالمين سبحانه وتعالى، قال: (إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري ولن يضيعني أبداً).
إذاً: اتضح أن هناك وحي في هذه القضية، وهناك أمراً مباشراً من رب العالمين سبحانه وتعالى أن يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البنود، فهنا لا يوجد شورى.
الفرق بين الشورى والديمقراطية
هناك فارق ضخم جداً وهائل بين الشورى وبين الديمقراطية، فالشورى في الإسلام تكون في الأمور التي ليس فيها أمر مباشر من رب العالمين سبحانه وتعالى، أو من رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، إذا كان هناك أمر من الله فلا خيرة للمؤمنين، لكن في الديمقراطية أي شيء موضوع للتشاور، أي شيء موضوع لاجتماع الشعب، أي شيء موضوع للأغلبية، حتى وإن أحلت الأغلبية حراماً أو حرمت حلالاً، هذا في عرف الديمقراطية مقبول، أما في عرف الإسلام فغير مقبول، هذا فارق ضخم جداً، نعم، هناك نقط تماس بين الشورى والديمقراطية يرجح رأي الشعب ورأي الأغلبية في القضايا التي ليس فيها أمر مباشر من رب العالمين سبحانه وتعالى، أو من الرسول صلى الله عليه وسلم.
إذاً: الفرق الضخم الهائل أن مرجعيتنا في الشورى إلى الإسلام وإلى الكتاب والسنة، وهذا من أعظم الفوارق بين المنهجين: الشورى، والديمقراطية.
فهذا هو صلح الحديبية وهذه هي البيعة التي قال الله عز وجل في حقها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح:18]، وهذه البنود التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم مع سهيل بن عمرو، وكان من أثرها أن عم الإسلام وانتشر ليس في الجزيرة العربية فقط، بل في عموم بلاد العالم، كما سنرى هذه الأمور بالتفصيل إن شاء الله رب العالمين في الدروس القادمة.
في الدرس القادم إن شاء الله سنتحدث عن موقف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من صلح الحديبية، وسنتحدث أيضاً عن بعض المواقف الحساسة جداً التي حدثت مباشرة بعد صلح الحديبية، وكيف تعامل معها الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنتحدث عن آثار صلح الحديبية في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة وفي الجزيرة العربية وفي غيرها، وهناك أمور كثيرة أخرى تعلقت بهذا الأمر ونتجت عنه.
ونسأل الله عز وجل أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر:44].
ما بعد الحديبية
تجلت الحكمة والحنكة العظيمة في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في صلح الحديبية، فقد بين لهم بسعة صدر ورحمة أن ما يقوم به هو وحي من الله عز وجل، وأن هذا الصلح وإن كان في ظاهره إجحاف بالمسلمين؛ إلا أن مضمونه في صالحهم، فقد كان نصراً وفتحاً مبيناً، كما سماه الله تعالى في سورة الفتح، وظهرت آثار ذلك الصلح بعد في مصلحة المسلمين، فقد انتشرت الدعوة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسمع العالم بدولة الإسلام.
مواقف في صلح الحديبية
موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من رد أبي جندل وتسليمه لأبيه
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الرابع من دروس العهد المدني في السيرة النبوية، فترة الفتح والتمكين.
تحدثنا في الدرس السابق عن صلح الحديبية الذي سماه ربنا سبحانه وتعالى بالفتح المبين، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، وكثير من المفسرين وكثير من الصحابة يطلقون هذا الفتح المبين على صلح الحديبية، وآثار الحديبية كثيرة جداً وعظيمة جداً.
وتكلمنا في الدرس السابق عن بنود صلح الحديبية وعن مدى استفادة المسلمين من هذا الصلح العظيم، ومع كل هذا إلا أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يروا الخير الذي في ذلك الصلح أول الأمر، بل رأوا أنهم قد أعطوا الدنية في دينهم، ورأوا أنهم لم يدخلوا المسجد الحرام أو البيت الحرام، وكانوا قد وعدوا بدخوله والطواف حول البيت وما إلى ذلك، فهذا ترك أثراً سلبياً عند الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
ووقفنا في الدرس السابق عند كتابة هذا الصلح، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أظهر مرونة واضحة في كتابه هذا الصلح حتى يتمه، وبعد أن كتب الصلح حدث أمر زاد من هم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو أن أحد المسلمين الذين أسلموا في مكة ولم يستطع أن يهاجر إلى المدينة المنورة مع المسلمين جاء إلى المسلمين بعد كتابه الصالح، فهو عندما علم أن المسلمين قد جاءوا إلى الحديبية جاء إليهم وهو يرسف في أغلاله، كان أبوه قد قيده في داخل البيت من أجل ألا يهاجر إلى المسلمين، وعندما علم أن المسلمين على أبواب مكة جاء إليهم يرسف في أغلاله، فمن هو هذا الرجل؟ هذا الرجل هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو، هو ابن سفير قريش في معاهدتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبوه هو الذي كتب المعاهدة بينه وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجاء أبو جندل بن سهيل لينضم إلى صف المسلمين، ولقد فجع سهيل حين رأى ولده أبا جندل مع أنه كان قد قيده قبل ذلك في البيت، فأصبحت الأزمة أزمة كبيرة جداً، فهذا ابن سهيل يريد أن ينضم إلى المسلمين، هنا انتفض سهيل بن عمرو وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده، فالمعاهدة تقول: من جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مسلماً يرده صلى الله عليه وسلم إلى أوليائه، وهذا سهيل بن عمرو ولي أمر أبي جندل يطلب أن يرده الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول عليه الصلاة والسلام حاول قدر المستطاع أن يأخذ أبا جندل، فقال: (إنا لم نقض الكتاب بعد) يعني: نحن ما زلنا نكتب الكتاب، فقال سهيل: إذاً -والله- لا أقاضيك على شيء أبداً يعني: إما أن آخذ أبا جندل وإما ألا يكون هناك صلح، فأصبح الموقف صعباً، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يشعر بقيمة هذه المعاهدة ويريد لها أن تتم قدر المستطاع، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذاً فأجزه لي) يعني: أعطه لي كرماً منك، قال: ما أنا بمجيزه لك.
يعني: لن أعطيه لك، فقال صلى الله عليه وسلم يحاول أن يسترضي سهيل بن عمرو قال: (بلى تفعل، قال: ما أنا بفاعل) إنه موقف صعب، وقد ذكرنا في الدرس الذي سبق أن ثلاثة من أولاده أسلموا قبل ذلك وانضموا إلى جيش المسلمين وإلى دولة المدينة المنورة، وهؤلاء الثلاثة هاجروا هجرة الحبشة ثم هاجروا بعد ذلك هجرة المدينة المنورة، فهذا هو الذي بقي له أبو جندل، فهو متمسك به إلى النهاية، قال: ما أنا بمجيزه لك، ما أنا بفاعل.
ثم لم يكتف بذلك سهيل بن عمرو، بل قام وأخذ يضرب أبا جندل أمام المسلمين، والمسلمون يتأثرون ويبكون على حال أبي جندل، لقد كان موقفاً مؤثراً جداً، وأبو جندل رضي الله عنه وأرضاه لم يكتف بهذا المشهد المؤثر جداً في المسلمين، بل ذهب إلى المسلمين وقال لهم: (يا معشر المسلمين! أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! الحقيقة أن هذا موقف صعب شديد الصعوبة، فماذا يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف، وهو يريد لهذه المعاهدة أن تتم ويرى ما فيها من آثار، وموقف أبي جندل لا شك أنه محرج، لكن ماذا يفعل؟ إذاً: الموازنة هنا وتحكيم العقل تقول: إنه يرد أبا جندل مع كل التداعيات التي قد تحدث لـ أبي جندل بعد ذلك؛ لأن ثمن إتمام صلح الحديبية هو أن يرد أبا جندل إلى المشركين مرة ثانية؛ لأننا قد كتبنا العهد، والمسلمون

موقف الصحابة رضوان الله عليهم من صلح الحديبية
بعد تمام صلح الحديبية رجع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معسكره في الحديبية ليعد العدة للعودة إلى المدينة المنورة مرة ثانية، ثم بعد ذلك بعام يأتي إلى مكة المكرمة من جديد للعمرة، فالرسول عليه الصلاة والسلام في كل هذه الرحلة وكل هذه المحاورات كان محرماً، فقد أحرم من ذي الحليفة كما ذكرنا قبل ذلك، وجاء ملبياً حتى وصل إلى الحديبية، فمنع هناك، فهو في هذا المكان عند الحديبية أحصر صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة المكرمة، فانطبق عليه حكم المحصر عن العمرة، يعني: أنه نوى عمرة ولم يستطع أن يصل إلى مكة المكرمة لأي سبب من الأسباب، لذلك قرر صلى الله عليه وسلم أن يقوم بالنحر والحلق في هذا المكان؛ ليتحلل من إحرامه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا أن هذا الهدي الذي كان معه صلى الله عليه وسلم هو مستحب وليس فرضاً على المسلمين، لكن عند الإحصار لابد له أن ينحر هذا الهدي الذي وهبه لله عز وجل.
فالرسول عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة جميعاً بالنحر، قال لهم: (قوموا فانحروا)، وهذا أمر واضح جداً، لكن رد الفعل كان غريباً جداً، يقول الراوي: (فوالله ما قام منهم أحد) والرسول عليه الصلاة والسلام كرر الأمر مرة ثانية وقال: (قوموا فانحروا.
فلم يقم أحد، فكرر الثالثة: قوموا فانحروا، فلم يقم منهم أحد)، ومع ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف كان يقدر الحالة النفسية التي عليها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فهم مع طاعتهم له التي وصفها عروة بن مسعود قبل هذه المعاهدة بساعات قليلة جداً، فقد وصف حالة الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم في تفانيهم في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنهم في هذا الموقف لا يستطيعون أن يقوموا بالنحر والحلق، لأن معنى النحر والحلق أنهم تحللوا من العمرة، ومعنى تحللهم من العمرة أنهم راجعون إلى المدينة المنورة، وهم إلى هذه اللحظة ما زال لديهم أمل في أن يدخلوا مكة المكرمة ويعتمروا كما كانوا يرغبون، فهم غير قادرين على أن ينفذوا هذا الأمر بالذات، أمر النحر والحلق، وموقف أبي جندل زاد المأساة عند الصحابة، والقضية عندهم قضية خطيرة، والرسول عليه الصلاة والسلام يشعر بما يشعر به الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وليس معنى هذا أن يعذر الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم معذورون وليسوا مخطئين، بل هذا خطأ وسنتحدث عنه -إن شاء الله- بالتفصيل عند الحديث عن أخطاء المؤمنين، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام تعامل مع الموقف بمنتهى الحكمة، فقد دخل صلى الله عليه وسلم إلى خيمته وهو حزين جداً ولم يعنف الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم؛ لأنه يرى ما بهم من أزمة.
فالصحابة إذا كانوا غير راضين بإقرار هذه المعاهدة فالبديل عن هذه المعاهدة هو الحرب، وهم كانوا مستعدين أن يحاربوا ويقاتلوا إلى الموت كما ذكرنا في الدرس السابق، فهم قد بايعوا على عدم الفرار، فلو لم يتم هذا الصلح فستكون النتيجة القتال، قد تذهب فيه أرواحهم جميعاً، فحزن الصحابة يدل على مدى تجردهم وحبهم للموت في سبيل الله عز وجل، والرسول عليه الصلاة والسلام يدرك كل هذه المشاعر، فلذلك قدر موقف الصحابة رضي الله عنهم جميعاً.
فالرسول صلى الله عليه وسلم دخل إلى خيمته وكانت معه في هذه الرحلة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها (فلما دخل عليها ورأت ما به من الحزن سألته، فذكر لها ما لاقى من الناس، فقالت: يا رسول الله! أتحب ذلك -يعني: أن ينحروا ويحلقوا-؟ فقال: نعم، قالت: اخرج) انتبه إلى هذه النصيحة الجميلة جداً من أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وانتبه إلى تشاور المصطفى صلى الله عليه وسلم مع زوجته في قضية من أخطر قضايا المسلمين، لم يذهب للتشاور مع أبي بكر أو مع عمر أو مع غيرهما، لكنه ذهب إلى زوجته وتحدث معها في قضية تهز كيان الدولة الإسلامية بكاملها، واستمع إلى رأيها، وكان رأيها حكيماً جداً، أخرج المسلمين من الأزمة، ماذا قالت أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها؟ قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (اخرج ثم لا تكلم أحداً حتى تنحر بُدُنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام صلى الله عليه وسلم فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك)، نحر البدن ودعا الحالق فحلق له، فالرسول عليه الصلاة والسلام فعل أمراً جميلاً جداً بنصيحة السيدة أم سلمة، فلما رأى الصحابة ذلك الأمر قاموا جميعاً لم يتخلف منهم أحد، قاموا وبدءوا في النحر، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً.
يعني: كاد بعضهم أن يصيب الآخر من شدة الحزن والغم الذي كان يشعر به، لكن في النهاية استجاب الجميع، ونحروا وحلقوا.
ومما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أن قدم جملاً يعرفه الجميع لينحره مع الناس، هذا الجمل هو جمل أبي جهل، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذه من غنائم بدر، وأتى به إلى هذا المك

موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من صلح الحديبية
لقد ظل الحزن مسيطراً على عامة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد وصل الحزن ببعضهم إلى أمر لا نتخيله حقيقة، وصل إلى حوار عجيب دار بينهم وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا الحوار دار بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحوار يعبر عن مدى الأسى والحزن الذي كان في قلب عمر والصحابة رضي الله عنهم؛ من جراء هذا الصلح الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحوار العجيب جاء في صحيحي البخاري ومسلم.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (فقلت: ألست نبي الله؟) فالرسول عليه الصلاة والسلام بسعة صدر عجيبة، قال: (بلى، قلت: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟) هذا كلام غريب جداً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مستحيل أن يعطي الدنية أبداً في دينه، لكن هكذا صرح عمر بن الخطاب بهذه الكلمات التي كانت في قلوب كثير من الصحابة، ولكن لم يجرءوا على التصريح بها، فقال صلى الله عليه وسلم كلمات واضحة جداً، قال: (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) وفي رواية: (ولن يضيعني أبداً) يعني: هذا وحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو عز وجل أمرني ولن أعصيه في هذا الأمر، وهذا الأمر الذي تكرهونه سترون من ورائه خيراً إن شاء الله.
ومع كل هذه التوضيحات والتوجيهات من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن عمر رضي الله عنه قال: (أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟) يعني: أنت قلت لنا: سنأتي البيت الحرام ونطوف به.
وأنا لا أعرف كيف قال سيدنا عمر بن الخطاب هذه الكلمات لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لكن هذا يعبر عن مدى المأساة التي كان يعيشها عمر رضي الله عنه وأرضاه والصحابة أجمعون، ومع ذلك وسع الرسول عليه الصلاة والسلام صدره وصبر على كلمات عمر بن الخطاب، وقال له: (بلى) يعني: أنا أخبرتك بهذا الأمر فعلاً، لكن انتبه إلى ما قال بعد، قال: (أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال عمر: لا) يعني: أنا أخبرتكم أننا سندخل مكة المكرمة معتمرين إن شاء الله، لكن ما ذكرت لكم أن هذا يكون في هذا العام، فقال صلى الله عليه وسلم: (فإنك آتيه ومتطوف به).
قال هذا الكلام وهو في منتهى الثقة؛ لأن هذا وعد رب العالمين سبحانه وتعالى، وعمر بن الخطاب في ظننا بعد هذه الكلمات الواضحة جداً سيترك الموضوع ويسلم الأمر لله عز وجل، وينطلق إلى المدينة المنورة، لكن عمر بن الخطاب ذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه فقال له: (يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقاً؟)، فما زال يتكلم في الموضوع وبهذه الصيغة، (قال أبو بكر: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟) فـ أبو بكر الرجل الهادئ اللطيف لما سمع هذه الكلمات انتفض وقال: (يا عمر! إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه عز وجل، وهو ناصره) فكلمات الصديق رضي الله عنه وأرضاه دون أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم توافقت مع نفس كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم مناقب الصديق كما يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح صحيح البخاري، ثم إن الصديق يعطيه نصيحة هامة جداً وهي له ولعموم الأمة الإسلامية، قال: (فاستمسك بغرزه) يعني: أي خطوة يخطوها صلى الله عليه وسلم استمسك بها، تمسك بسنته، قال: (فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق) كل هذا الكلام وما زال عمر رضي الله عنه يعترض، فقال: (أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟)، رد عليه الصديق: (قال: بلى، ثم قال: أفأخبرك أنه يأتيه العام؟) سبحان الله! نفس الكلمات: (أفأخبرك أنه يأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومتطوف به).
هذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أعظم البشر بعد الأنبياء، وهذا لم يأت من فراغ، فقد كان لديه يقين مرتفع جداً، وإيمان كامل بالله عز وجل وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وظهر ذلك في مواطن كثيرة جداً من حياته، وهذه من أعظم مواطنه رضي الله عنه وأرضاه.
وبعد أن انتهى الرسول عليه الصلاة والسلام من هذا الموقف ركب الطريق إلى المدينة المنورة، وفي طريقه إلى المدينة المنورة نزلت عليه سورة الفتح،


الآثار الإيجابية المترتبة على معاهدة صلح الحديبية
تعالوا ننظر إلى معاهدة صلح الحديبية بعد أيام من حدوثها، تعالوا لننظر الخير الذي جاء من ورائها، فأصدق تصوير لها وأفضل تعبير لها هو ما اختاره لها رب العالمين سبحانه وتعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، فهذا الفتح المبين له دلالات كثيرة جداً أعددت منها عشرة: أولاً: وضوح إيمان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ويكفي أن الله عز وجل أنزل فيهم قرآناً، قال الله سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4] سبحان الله! فالله عز وجل شهد لهم بالإيمان وزيادة الإيمان بعد هذا الحدث العظيم: صلح الحديبية.
الأمر الثاني: من أعظم ثمرات صلح الحديبية: هو اعتراف قريش بالمسلمين كقوة ودولة، وهذا الاعتراف جاء من قريش وهي أعظم قبيلة عربية، فالميلاد الرسمي للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية هو صلح الحديبية؛ لأنه بعد هذا الاعتراف من قريش بدأت معظم القبائل الموجودة في المنطقة تعترف بالمسلمين، بل بدأت الدول في العالم تعترف بالمسلمين كدولة.
إذاً: هذا من أعظم ثمرات صلح الحديبية فعلاً، وكل الآثار التي ستأتي بعد هذا مترتبة على كون المسلمين أصبحوا دولة حقيقية معترفاً بها في المنطقة.
الأمر الثالث: هو الفتح المبين في انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، فالذين أسلموا في هاتين السنتين بعد صلح الحديبية وإلى فتح مكة من سنة (ست) أو أواخر سنة (ست) إلى أواخر سنة (ثمان) من الهجرة أكثر من الذين أسلموا خلال (تسع عشرة) سنة كاملة من الدعوة، فالدعوة الإسلامية أخذت (ثلاث عشرة) سنة في مكة المكرمة و (ست) سنوات بعد ذلك في المدينة المنورة إلى أن أتى صلح الحديبية، فالذين أسلموا في تسع عشرة سنة لا يتجاوزون (ثلاثة آلاف) شخص، بينما الذين أسلموا بعد هذا من أواخر سنة (ست) من الهجرة إلى فتح مكة خلال سنتين فقط قرابة (سبعة آلاف) شخص؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام دخل مكة المكرمة عام الفتح بجيش قوامه (عشرة آلاف) مقاتل، غير النساء والصبيان الذين كانوا معهم، وكان المسلمون في صلح الحديبية (ألفاً وأربعمائة) شخص، وسائر الـ (ثلاثة آلاف) كانوا بالمدينة.
إذاً: تصور مدى الفتح المبين في سنتين فقط، تضاعف العدد ووصل إلى (عشرة آلاف) مقاتل، فهذا فعلاً فتح مبين.
الأمر الرابع: بعد صلح الحديبية مباشرة اطمأن الرسول عليه الصلاة والسلام إلى استقرار الأوضاع في المدينة المنورة، فأرسل إلى المسلمين الموجودين في الحبشة؛ لأن بعض المسلمين كانوا قد هاجروا إلى الحبشة في العام السادس من البعثة النبوية، وقعدوا في الحبشة (سبع) سنوات كاملة حتى الهجرة و (ست) سنوات كاملة من أيام المدينة المنورة، يعني: (ثلاث عشرة) سنة كاملة في داخل الحبشة لم يرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن بعد صلح الحديبية مباشرة وجد الرسول عليه الصلاة والسلام أن الفرصة أصبحت مواتية ليستفيد من جهود وطاقات المسلمين الموجودين في الحبشة، فأرسل إليهم عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه وأرضاه ليستقدم هؤلاء، وبالفعل جاءوا مباشرة ووصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فتح خيبر كما سنذكر ذلك إن شاء الله في الدروس القادمة.
إذاً: الأمر الرابع: أضيفت إلى قوة المسلمين في المدينة المنورة قوة المسلمين الذين كانوا في الحبشة بعد غياب ثلاث عشرة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأمر الخامس: قدوم المسلمين من القبائل المختلفة الأخرى، فمسلمو اليمن بدءوا يقدمون إلى المدينة المنورة، مسلمو بني حنيفة، ومسلمو بني كلب، ومسلمو بني كذا كذا وكذا، كل مسلمي قبائل العرب بدءوا يتحركون منها إلى المدينة المنورة، وقبل ذلك كان صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين أن يمكثوا في قبائلهم ولا يقدموا إلى المدينة المنورة؛ لأنهم كانوا يقومون بالدعوة في قبائلهم، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن الوضع في داخل المدينة المنورة لم يكن مستقراً قبل ذلك، أما الآن بعد صلح الحديبية فقد فتحت الأرض للمسلمين فزادت قوتهم بعد هذا الصلح.
الأمر السادس: تعاهدت قبائل كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، وما كانت هذه القبائل تجرؤ على هذا الأمر قبل هذا الصلح، وأول هذه القبائل قبيلة خزاعة، وبعدها بدأت القبائل تتوافد على المدينة المنورة.
الأمر السابع: هو أمر خطير جداً وغريب جداً، وسنفرد له إن شاء الله درساً كاملاً، وسيكون موضوع الدرس الذي سيأتي إن شاء الله، وهذا الأمر هو بداية المراسلات النبوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عموم زعماء وقادة العالم في كل مكان، فقد راسل كسرى فارس، وراسل قيصر الروم، وراسل زعماء العرب في كل مكان يدعوهم إلى الدخول في هذا الدين الجديد وهو الإسلام.
وقبل صلح الحديبية ما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة واحدة إلى زعماء العالم، فهذا يدل على التغير الهائل في مسار الدعوة، والانطلاقة العظيمة للاسلام

وقفات هامة مع صلح الحديبية
صلح الحديبية يحتاج منا وقفات كثيرة جداً، لكن سأقف هنا ثلاث وقفات هامة:

ضرورة الرضى بشرع الله عز وجل واعتقاد الخيرية فيه
الوقفة الأولى: هل كان الصحابة يرون كل هذا الخير من الآثار التي ذكرناها، وقد توجد غيرها وغيرها؟

الجواب
لا، فالصحابة ما كانوا يرون هذا الخير كله، بدليل ما رأيناه منهم ومن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بالذات، لكن ما حدث في صلح الحديبية هو وحي، بدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إنه ربي ولن يضيعني أبداً)، فهذا وحي، ومع ذلك لم ير الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الخير في هذه النقطة الشرعية في ذلك الوقت، وهذا أمر غريب، وإذا كنا نلوم الصحابة أنهم وقعوا في هذا الأمر مرة في حياتهم فلا بد أن نعترف أننا نقع فيه مراراً.
فما أكثر ما سمعنا عن حكم الشرع في قضاياً كثيرة جداً، ويكون أحياناً الحكم مباشراً جداً وواضحاً جداً، لكننا نقدم رأينا، أحياناً نرى الأم والأب يتركان البنت بلا حجاب بغية الزواج، والعلة في أذهانهما أنهما يريدان أن تتزوج البنت، ولو حجبت في اعتقادهما فهذا سيؤخر زواجها فيتركانها من غير حجاب، وهذه مخالفة صريحة للشرع، فهما يريان الخير في غيره فيقدمان رأيهما ويلغيان من حياتهما حكم الشرع في هذه الجزئية.
ونرى استثمارياً كبيراً جداً يقترض بالربا؛ لكي يقيم مشروعاً كبيراً وعنده مليون علة في ذهنه لهذا الأمر، فهو يعلم حكم الشرع تماماً ثم يخالف بغية البحث عن خير، فهو يرى أن الخير في مخالفة الشرع في هذه الجزئية.
ونرى دولة تبيع خمراً؛ لكي تنشط السياحة لديها.
ونرى حاكماً يوالي دولة قوية وإن كانت معادية للإسلام؛ لأنه يرى أن هذا أصلح لحياة الناس، ولا يرى الخير في حكم الشرع، وهذه القضايا نراها كثيراً جداً في حياتنا، لكن الخطير جداً في حياتنا أننا نفعل ذلك طلباً للدنيا، وليس طلباً للآخرة، أما خطأ الصحابة في قضية صلح الحديبية فلم يكن طلباً للدنيا أبداً، إنما فعلوه طلباً للآخرة، ليس لدى الصحابة مصالح دنيوية يرجونها يوم الحديبية رضي الله عنهم أجمعين، وإنما كانوا يريدون أن يدخلوا مكة لأداء عبادة العمرة، لم يأتوا لتجارة ولا لحرب ولا لأي مصلحة دنيوية، بل جاءوا لأداء عبادة العمرة ثم يعودون بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وإن منعوا قاتلوا، والقتال كان خطيراً جداً؛ لأنهم لا يملكون سلاح المقاتل، وكانوا معرضين للقتل، ومع ذلك يقبلون بذلك، أي: أنهم عندما عرضوا رأياً مخالفاً لحكم الشرع، ما عرضوا ذلك إلا طلباً للآخرة، وليس طلباً للدنيا، ولو كانوا طلاب دنيا لآثروا الرجوع حفاظاً على حياتهم.
إذاً: نستفيد من صلح الحديبية بعد رؤية الخير العميم الذي نتج عنه: أن نرضى بشرع الله عز وجل، ولا أقول: نقبل بشرع الله عز وجل، ولكن نرضى بشرع الله عز وجل بحب واقتناع؛ لأنه وإن كانت عيوننا لا ترى الخير فإننا على يقين أن الخير موجود، سنراه اليوم أو غداً أو بعد سنة أو سنتين أو أكثر، أو ربما نموت قبل أن نراه، لكن من المؤكد أن فيه خيراً، قال الله عز وجل: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216] وقال سبحانه وتعالى: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19].
نحن نريد أن نصل إلى درجة التسليم الكامل لرب العالمين سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل في كتابه: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]، ودرجة التسليم معناها: الرضا الكامل بحكم الله عز وجل، وأن نوقن يقيناً جازماً أن الخير فيما اختاره لنا الله عز وجل، والصحابة رضوان الله عليهم تعلموا من درس الحديبية حين رأوا الخير الذي حصل بعد صلح الحديبية، مع أنهم في وقت الصلح لم يكونوا يرون هذا الخير، وخاصة وقت موقف أبي جندل ما كانوا يشاهدون إلا الشر، من أجل هذا عرف عمر بن الخطاب أنه كان مخطئاً وحاول قدر المستطاع بعد ذلك أن يكفر عن الخطأ الذي حدث منه في يوم الحديبية، يقول: (فعملت لذلك أعمالاً).
يعني: عمل أعمال خير كثيرة جداً؛ للتكفير عن هذا الأمر، ويقول: (فما زلت أتصدق وأصلي وأصوم وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً).
فما عرف أنه مخطئ فقط، بل استفاد من الدرس بعد ذلك في كل حياته، فكان يقول معلماً للمسلمين رضي الله عنه وأرضاه: (أيها الناس! اتهموا الرأي على الدين) يعني: قد يكون لك رأي في قضية من القضايا وتشعر أنه أفضل من الحكم الشرعي في هذه القضية، وهذا يأتي على أذهان الكثير، فاتهم رأيك مهما كان في تصورك مقنعاً وقدم حكم الشرع، يقول: (اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي، فوالله ما آلو على الحق)، يعني: أنا كنت فعلاً أبحث عن الحق، ومع ذلك كان الخطأ في رأيي والصواب في حكم الشرع، (وذلك يوم أبي جندل).

الثقة في القيادة وإعذارها
الوقفة الثانية المهمة جداً: الثقة في القيادة، فأحياناً تتخذ القيادة قرارات لا يدرك الجنود كامل أبعادها، فكثيراً ما تكون الرؤية عند القيادة أشمل وأكبر، ويكون تحليل الأمور بصورة أعمق؛ لأن القيادة تطلع على أمور لا يراها الجنود، وتفكر في مصالح لا ينظر إليها الجندي، وتحاول تجنب مفاسد لا يدركها الجندي.
والقيادة الحكيمة هي التي تجمع بين الأحلام المطلوبة والواقعية في الأداء، وتقارن بين وسائل تغيير المنطق، وتعرف معنى التدرج في التغيير، وتقدر حجم المكاسب والخسائر، كل هذه أبعاد قد لا يراها الجندي المتحمس أو المسلم المتلهف لأن يرى الإسلام ممكناً له في الأرض ما بين يوم وليلة، فالقيادة هي التي تدرك كل هذه الأمور وقد تأخذ قرارات يراها الجنود أحياناً مخيبة للآمال أو يرونها محبطة للنفسيات أو خاطئة سياسياً، وأحياناً قد يرى الجندي أن هذه مخالفة شرعية، مع أن كل هذا قد يكون وهماً لا حقيقة له.
فالرسول عليه الصلاة والسلام قبل برد المسلم الذي يأتيه من مكة إلى المدينة مع خطورة ذلك عليه، نعم هذه خطورة حقيقية، لكن لماذا قبل بذلك؟ لأنه ينظر إلى المصالح مجتمعة، وينظر إلى المفاسد مجتمعة، فوجد أن المصالح أعلى بكثير من المفاسد، مع الإقرار التام أن أمر إعادة المسلم إلى مكة أمر فيه مفسدة، لكن المصالح أعلى، وهو لا يستطيع أن يمنع المفسدة الآن، فقبل بها، وعليه أن يختار المصالح الكثيرة التي معها بعض المفاسد، ولا يختار دفع بعض المفاسد ويضيع المصالح الكثيرة، وهذا الأمر يحتاج إلى حكمة وإلى ورع وإلى علم، والموفق من وفقه الله عز وجل.
وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قَبِلَ قَبْلَ ذلك بأمور لا يحبها، بل يمقتها كل المقت، ولكن الواقع فرضها عليه، ولم يقبلها قبل ذلك المتحمسون من الشباب، ثم تبين أن الخير كان في قراره صلى الله عليه وسلم، فمثلاً: الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بعدم الرد على من آذى المسلمين وعذبهم -بل وقتلهم- في العهد المكي، وهذا كان حكماً شرعياً قبل به الرسول عليه الصلاة والسلام وعموم الصحابة في ذلك الوقت، لكن بعض المتحمسين من الصحابة لم يقبلوا بهذا الأمر، وقالوا: لم نعطي الدنية في ديننا؟ ولم لا نرد على المشركين؟ ولم كذا وكذا؟ ثم ظهر لهم بعد ذلك الخير في قرار الشرع.
فهذا ما نسميه: بفقه المرحلة، أو فقه الموازنات.
كذلك تطاول اليهود على المسلمين في أوائل عهد المسلمين بالمدينة، وقاموا بأمور كان من الممكن أن تفسر على أنها نقض للمعاهدة، ومع ذلك التزم الرسول عليه الصلاة والسلام بسياسة ضبط النفس قدر المستطاع، ليس هذا لضعف ولا لتفريط، ولكن فقه المرحلة وفقه الموازنات يقتضي ذلك.
وهكذا كان الوضع في صلح الحديبية، وهكذا كان الوضع أيضاً في مواضع كثيرة جداً في السيرة النبوية، بل لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنه يكاد يكون مستحيلاً أن تجد قراراً يخلو من أي سلبية، وإنما القضية قضية موازنات، حتى إننا في الأمثال الشعبية نقول: (ما هناك حلاوة من غير نار)، دائماً توجد مشكلة، ومع ذلك الموازنة بين المصالح والمفاسد هي التي تختار قراراً دون قرار.
وهذه كلمة جميلة جداً لـ عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه وهو مشهور بالحكمة، قال: ليست الحكمة أن تدرك الفرق بين الخير والشر، أو الفرق بين الحلال والحرام، ولكن الحكمة أن تدرك أي المنفعتين أعلى وأي الضررين أكبر.
هذه هي الحكمة.
المهم في هذا المقام أن تدرك أنه لكي تقوم وتسود وتمكن لا بد من أخذ قرارات تبدو في ظاهرها مؤلمة للمسلمين، وقد يبدو فيها للناظر مخالفات شرعية، لكن المدقق والمحلل والعالم ببواطن الأمور سيجد أنها أخف الضررين، وليس معنى هذا أنها ليست ضرراً، لا، بل هي ضرر، ولكن في هذا الموطن هي أخف الضررين، فتقبل شرعاً ولا تعد مخالفة.
ولا بد لكل جندي أن يدرك كل هذه الأبعاد، ومن ثم يعذر القيادة، ويقدم لها النصح والإرشاد بأدب، ويقبل منها الأمر والتوجيه، وكل ذلك لا يمكن أبداً أن يكون إلا بثقة تامة في القيادة، وإدراك كامل للعبء الثقيل الملقى على أكتاف القادة، وبغير هذه العلاقة الوثيقة بين القيادة وجنودها لا يمكن لجماعة أو لأمة أن تقوم.
إذاً: هذه النقطة الثانية مهمة جداً، أنه يجب أن تتوافر الثقة في القيادة، وأن يدرك الجنود أن القائد قد يختار من الأمور ما قد يحزن الجنود، ولماذا اختار هذا؟ لأنه أخف الضررين، ولم يختر هذا الأمر لأنه يرغب في الضرر ذاته أو لأنه متنازل أو مفرط، أبداً، إذاً: لابد أن نفهم هذه القاعدة جيداً.

إعذار القيادة لجنودها وأفرادها
النقطة الثالثة والأخيرة في التعليق على هذا الحدث: أنه إذا كنا قد طلبنا من الجنود أن يعذروا القيادة في قراراتها، وأن تتصف ردود أفعال الجنود بالثقة في اختيار القائد، فإننا في نفس الوقت نطلب من القيادة أن تعذر جنودها عند ظهور بعض علامات الغضب، أو عدم الرضا من بعض القرارات غير المفهومة لعموم الناس، وأن يتسع صدر القيادة لتستوعب الجنود وهم في حالة نفسية سيئة، وأن تقبل منهم بعض الأخطاء، وأحياناً تكون هذه الأخطاء كبيرة جداً، ليس هناك مانع، لكن ننظر إلى ملابسات هذا الخطأ وفي أي ظرف حصل وممن حصل، وخير مثال على هذا الأمر في صلح الحديبية: ما رأيناه من رسولنا صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الصحابة، وخاصة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أصر على المجادلة مع الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من مرة، ومع ذلك لم يعنته رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثرة اعتراضاته، ما قال له: هذا الكلام وهذا الحوار بهذه الطريقة لا يصلح أن يكون معي وأنا رسول صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم عذره؛ لأنه يقدر موقفه ويعلم تاريخه ويعلم واقعه، وهذا الخطأ الذي حدث منه -وإن كان عظيماً- فقد قاسه على سيرته الجميلة رضي الله عنه وأرضاه، فسيرة عمر كلها تضحيات وكلها طاعة وجهاد في سبيل الله، وكلها بذل وعطاء، حتى إننا وجدناه صلى الله عليه وسلم يرسل لـ عمر خاصة بعد نزول سورة الفتح ليطمئن قلبه، فقرأ عليه سورة الفتح بكاملها من أجل أن يقول له: إن قرار الصلح هو القرار الأصوب، ولما سأله سيدنا عمر بن الخطاب: (أفتح هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم)، اكتفى بذلك ولم يذكره بخطئه السابق، وما قال له: ما كان ينبغي أن تقول كذا وكذا، وحتى بعدما ظهرت خيرات صلح الحديبية بعد ذلك لم نسمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام استدعى عمر بن الخطاب وقال له: ألم أقل لك إن ذلك خير؟ أرأيت كذا وكذا؟ ما قال له هذه الكلمات، بل إنه عليه الصلاة والسلام قبل منه الخطأ بسعة صدر؛ لأنه يقدر الظروف التي حدث فيها ذلك الخطأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بـ عمر وبسائر أصحابه صلى الله عليه وسلم تمام الرحمة، وكان مقدراً حبهم للإسلام تمام التقدير، هذه هي القيادة الرشيدة.
خلاصة الأمر: أن الأمة الناجحة حقاً هي الأمة التي يشعر فيها الجندي أنه قريب جداً من القائد، يحبه ويقدره ويطيعه ويثق به تماماً، ويشعر القائد كذلك أنه قريب جداً من جنوده، يحبهم ويقدرهم ويثق بهم، وهذه الثقة والتسامح والمحبة المتبادلة بين القائد وجنوده من أقوى الأسباب التي تقوم عليها الأمم.
نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر:44].

عالمية الإسلام
إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم للرسل والسفراء إلى زعماء العالم بعد نقلة نوعية في حياة الدولة الإسلامية الناشئة؛ إشارة واضحة إلى عالمية الإسلام، وأنه صالح لكل زمان ومكان، وفيه نجاة العالم أجمع في الدنيا والآخرة لو تمسكوا به وطبقوه في حياتهم.

وضع المسلمين بعد صلح الحديبية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الخامس من دروس السيرة النبوية: العهد المدني، فترة الفتح والتمكين.
في هذا الدرس نتحدث عن وضع المسلمين بعد صلح الحديبية.
على الرغم من القوة المتنامية للدولة الإسلامية والتي ظهرت بجلاء بعد غزوة الأحزاب، إلا أن الاستقرار الحقيقي للدولة الإسلامية لم يأت إلا بعد صلح الحديبية، وكما ذكرنا قبل ذلك: اعتراف قريش أكبر قبائل العرب وزعيمة الجزيرة سياسياً ودينياً واقتصادياً وتاريخياً بالمسلمين، كل هذا أعطى المسلمين شهادة ميلاد حقيقية، وأعلن للجميع سواء من العرب أو من العجم أن هناك دولة جديدة ولدت في المدينة المنورة، وهذه هي الدولة الإسلامية وزعيمها هو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

إرسال الرسل إلى زعماء العالم بعد صلح الحديبية
أول شيء فكر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما عاد إلى المدينة بعد صلح الحديبية هو إعلام العالم أجمع بهذا الدين الجديد الإسلام؛ ليثبت لنا وللجميع أن هذا الدين دين عالمي نزل لأهل الأرض كلهم، يقول الله سبحانه وتعالى في الكتاب: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي -وذكر منها-: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ونحن لابد أن نفهم هذا الموضوع جيداً، ونفهم أن علينا دور توصيل الإسلام إلى كل بقعة في العالم، وليس هذا تفضلاً منا، بل واجباً علينا.
كان الرسول عليه الصلاة والسلام من أول أيام الدعوة يدرك عالمية الدعوة، ويدرك أهمية وصول هذه الدعوة إلى كل بقاع الأرض، وكان صلى الله عليه وسلم يبشر المسلمين في مكة قبل سنوات من الهجرة، يبشرهم أن لهم دوراً تجاه العالم، وكان يقول لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا العرب والعجم).
كانت القضية في ذهنه واضحة جداً، لكنه لم يشرع فيها بخطة وبنظام إلا بعد صلح الحديبية، وقد يقول شخص: لماذا لم يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رسائل إلى عموم ملوك وأمراء الأرض من أول أيام الدعوة في مكة، أو من أول أيام المدينة المنورة، وقد كانت هناك بعض التعاملات مع بعض الممالك والدول الأخرى، ومع ذلك في هذه التعاملات لم يخطط رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دعوتهم في ذلك الوقت؟ تفسير ذلك في كلمة واحدة هي الواقعية، يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعية المنهج، فإرسال رسالة يدعو فيها الناس إلى تبديل دينهم والدخول في دين جديد لم يسمع به أحد ولو أن أحدهم سمع به، فماذا سيسمع؟ سيسمع عن التشريد والاضطهاد والتعذيب لأبناء هذا الدين الجديد، إرسال مثل هذه الرسالة قد لا يقدم ولا يؤخر كثيراً، فمن هذا الذي سيقدم على مثل هذه الخطوة الجبارة ويبدل عقيدة لأجل مجموعة من الضعفاء في قرية صغيرة من قرى العالم؟! ولقد رأينا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم عندما هاجروا إلى الحبشة لم يكن من مهمتهم دعوة النجاشي رحمه الله للإسلام، بل إنهم لم يعرفوا النجاشي بدينهم، ولولا الموقف الذي قام به عمرو بن العاص ومحاولته إثارة النجاشي على المسلمين لما شرح جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي الإسلام، وحتى بعد هذا الشرح لم يدع جعفر بن أبي طالب النجاشي إلى الدخول في هذا الدين الجديد، مع أنه كان يشعر أن هناك ميلاً في كلام النجاشي للإسلام، ومع ذلك لم يدعه صراحة إلى الإسلام، لماذا؟ لنفس الكلمة التي قلناها: إن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا واقعيين إلى أقصى حد، لا يصح ولا يجدي لقائد جماعة صغيرة ضعيفة أن تراسل كبار زعماء العالم لتدعوهم بتغيير معتقداتهم وتبديل أديانهم وإظهار التبعية لفكر جديد أو قانون جديد، بل لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن هذه الدعوة المبكرة قد يكون لها من الآثار السلبية أكثر من الآثار الإيجابية، والدليل الشرعي على هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعله، ولو كان خيراً لفعله صلى الله عليه وسلم، وما كان يعجزه صلى الله عليه وسلم أن يرسل رسولاً إلى كل دولة من دول العالم من أول أيام الإسلام، لكن لم يفعل؛ لأنه لا فائدة من هذا الإرسال.
أما الدليل العقلي على ذلك فإنه قد يلفت الأنظار بدعوته هذه إلى جماعته الصغيرة الناشئة فتستأصل في مهدها.
أما افتراض أنه من الممكن أن الله سبحانه وتعالى يفتح قلوب الزعماء ويضحون بملكهم وسلطانهم من أجل هذا الرجل البسيط الذي ظهر في قرية صغيرة في صحراء الجزيرة، فهذا افتراض بعيد جداً لا يرقى أبداً إلى درجة الواقعية، كل هذا الكلام كان قبل صلح الحديبية، لكن بعد صلح الحديبية تغير الوضع جداً، كان جميع العالم يسمع عن قريش، فقريش القبيلة العربية الكبيرة العزيزة، وإن لم تكن بقوة فارس والروم، ولم تكن تحلم بهذا الشيء، لكنها كانت معروفة لكل الناس حتى خارج الجزيرة العربية، بل إنه كانت لها علاقات اقتصادية وسياسية مع معظم القوى الموجودة في العالم آنذاك، من أجل ذلك اعتراف قريش بدولة الإسلام كدولة لها سيادة يعتبر أهم نقطة لإعطاء شرعية لهذه الدولة الجديدة؛ الدولة الإسلامية.
وكل دول العالم لن تتعامل مع هذا الكيان الجديد -الدولة الإسلامية- إلا بعد اعتراف قريش به، أما قبل ذلك فالمسلمون في نظر العالم عبارة عن جماعة غير شرعية خرجت عن منهج الدولة الأم قريش، وبالتالي لا يمكن التعاون معها إلا من قبل المعادين لقريش، ولم يكن أحد يعادي قريشاً لا في الجزيرة ولا في العالم في ذلك الوقت، من أجل ذلك الرسول عليه

نص رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم لهرقل والدروس المستفادة منها
وتعالوا نأخذ رسالة كمثال من أجل أن نرى هذا الوضوح، ولكي نفهم ماذا تعني رسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك أو زعيم من زعماء العالم.
؟ لندرس رسالة هرقل قيصر الروم، والرسالة جاءت في البخاري، وذكرت رواية البخاري لها؛ حتى لا يستغرب السامع مضمون هذه الرسالة، واعلم أن هذه الرسالة رسالة من رئيس دولة صغيرة جديدة هي دولة المدينة المنورة، وجيشها على أكبر تقدير (3000) جندي، وعمرها لا يتجاوز (6) سنوات، وأسلحتها بسيطة، وعلاقاتها في العالم محدودة جداً، ومع ذلك كله أعلم أن هذه الرسالة ترسل إلى هرقل قيصر الروم، الزعيم الأعظم للدولة الأولى في العالم الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الرومانية تسيطر تقريباً على نصف أوروبا الشرقية، غير تركيا والشام بكامله، وغير مصر وليبيا، وجيوشها تقدر بالملايين بلا أي مبالغة، وأسلحتهم متطورة جداً، وتاريخها في الأرض له أكثر من (1000) سنة، ضع كل هذه الأمور في ذهنك وأنت تقرأ أو تسمع كتاب وخطاب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى قيصر الروم.
يقول صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين) (الأريسيين) يعني: الفلاحين، يعني: الشعب، ثم كتب آية من آيات رب العالمين سبحانه وتعالى، قال: ({قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64]).
رسالة فيها الوضوح والقوة والعزة والحكمة في كل كلمة من كلمات الخطاب، وهذا الخطاب يحتاج إلى محاضرات لكي نحلله وندرسه ونستخرج منه الدروس التي في باطنه، لكن نحن هنا سنشير إلى بعض الدروس الهامة إشارة سريعة.
من هذه الدروس: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرص على ظهور عزته وعزة الدولة الإسلامية في كل كلمة من كلمات الخطاب.
فهو أولاً: بدأ باسمه قبل اسم هرقل، وهذا الكلام خطير جداً في زمانهم، قال: (من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم)، ثم دعاه مباشرة إلى الدخول في الإسلام، فقال: (أسلم تسلم)، حتى لم يعرض الطلب بصيغة فيها تردد أو صيغة فيها عرض يقبل أو لا يقبل وإنما قال: (أسلم تسلم).
وأيضاً من الدروس: أنه مع إظهار هذه العزة والقوة إلا أنه لم يقلل من قيمة الطرف الآخر، بل بالعكس رفع قدر الطرف الآخر وحفظ له المكانة، حيث قال: (إلى هرقل عظيم الروم).
وأيضاً من الدروس: أنه جمع في مهارة عجيبة بين الترغيب والترهيب، بقوله له: (أسلم يؤتك الله أجرك مرتين) يعني: فيها نوع من الترغيب، ثم يقول له وهو يهدد بوضوح: (فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين) والكلام كله عبارة عن عدة أسطر قليلة جداً.
وأيضاً من الدروس: حسن اختيار الآية المناسبة من القرآن الكريم، أتى بآية تقرب كل أهل الكتاب، وتوضح أن هناك قواسم مشتركة كثيرة بيننا وبينهم، من أجل ذلك يمكن أن يفتح عقله للتفكير، ويرفع حواجز كثيرة جداً بين الطائفتين المسلمة والنصرانية.
هكذا كان الخطاب لـ هرقل عظيم الروم، وهكذا كان الخطاب لكل زعماء العالم، فالخطابات تقريباً مشابهة لهذا مع اختلافات قليلة جداً في الألفاظ حسب البلد المرسل إليها والدين الذي يدينون به، ومع وحدة الخطاب تقريباً لكل مكان من السبعة الأماكن التي تكلمنا عليها إلا أن ردود الأفعال كانت متباينة جداً، فقد بلغ بعضها القمة في الأدب وحسن الرد، بينما بلغت بعضها أدنى مستوى لسوء الأدب والمعاداة، وبين هذا وذاك كانت هناك ردود أفعال أخرى كثيرة.

موقف النجاشي ملك الحبشة والمنذر بن ساوى ملك البحرين من رسائل النبي صلى الله عليه وسلم
لقد جاءت أفضل الردود من النجاشي ملك الحبشة، ومن المنذر بن ساوى ملك البحرين، وهؤلاء الاثنان أسلما دون تردد.
واحد أسلم وأخفى إسلامه وهو النجاشي ملك الحبشة؛ لأن وضع الدولة النصراني كان صعباً جداً، فهو لا يستطيع أن يعلن إسلامه، ولأنه لو أسلم فإن الشعب سيقتلعه اقتلاعًا من كرسيه، وقد حصل قبل ذلك عندما ساند المسلمين أن الشعب أقام عليه ثورة وكاد أن يقتلع النجاشي من كرسيه، من أجل ذلك أخفى إسلامه، وآثر أن يساعد الدولة الإسلامية الناشئة الجديدة هناك في المدينة المنورة، وهو يعلن النصرانية في الظاهر ويبطن الإسلام.
أما المنذر بن ساوى رحمه الله فقد أعلن إسلامه وأسلم شعبه، وكانوا يدينون بعبادة الأصنام، لكن يبدو أن المنذر بن ساوى رحمه الله كان قوياً ممكناً في قبيلته ومحبوباً بين شعبه، وكان الناس تبعاً لقائدهم كعادة العرب في ذلك الوقت، فزعيم القبيلة أخذ قرار الإسلام فأسلمت قبيلته وأسلم شعبه.
وهذا الوضع غير الوضع في بلاد الحبشة حيث كان بلدًا نظامياً كبيراً له تاريخ طويل، ومن الصعب على النجاشي أن يغير أفكار الناس كلها في لحظة واحدة.
إذاً: هذا هو الوضع بالنسبة لملك الحبشة وبالنسبة لملك البحرين وهذه أفضل ردود.

موقف المقوقس ملك مصر من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم له
أما المقوقس فقد أحسن استقبال الوفد الإسلامي وأكرمه بالهدايا، إلا أنه لم يسلم، وإني لأتعجب جداً من عدم إسلامه؛ لأن المقوقس ذكر في رده لـ حاطب بن أبي بلتعة الذي كان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر في رده له أنه كان يعلم أن نبياً سيظهر في هذا الزمان، ولكنه كان يحسب أن هذا النبي سيظهر في الشام، فهو كانت عنده تهيئة نفسية لظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يسلم، بل إنه لم يفكر أصلاً في التأكد من كونه نبياً أم لا، مع أنه كان يعرف أنه نبي فعلاً، وإلا لما أكرم سفارته وحملها بالهدايا كما نعلم جميعاً؛ لأنه ليس من الممكن أن يفعل هذا الأمر مع كذاب يدعي النبوة، وخاصة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت لم تكن له قوة كبيرة أو بأس، ولم يكن يحكم دولة ضخمة يخشاها المقوقس فيحتاج إلى مهادنته، بالعكس فإن قوة مصر المادية كانت أضعاف أضعاف قوة المدينة المنورة في ذلك الوقت، لكن على كل حال إكرام المقوقس لوفد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك أثراً إيجابياً للدولة الإسلامية في كل مكان، أكد على شرعيتها في النظام الدولي الجديد، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
إذاً: هذا كان رد المقوقس رد بأدب وحمل الهدايا لكن لم يسلم.

موقف هرقل ملك الروم من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم له
أما هرقل زعيم الدولة الرومانية التي كانت تسيطر تقريباً على نصف مساحة العالم في ذلك الوقت، فإن موقفه من الرسالة يحتاج إلى وقفة ويحتاج إلى تحليل، فهو يفسر لنا الكثير من أحداث التاريخ، سواء في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم أو في الأيام التي تلت الرسول عليه الصلاة والسلام، وحتى إنها تفسر لنا أحداثاً كثيرة جداً من الواقع الذي نعيشه؛ لأنكم تعرفون أن التاريخ يتكرر.
فعندما استلم هرقل رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ الموضوع بمنتهى الجدية، مع أنه زعيم أكبر دولة في العالم، ويستلم رسالة من زعيم دولة لم يسمع بها أحد إلى الآن، وهذه الدولة الجديدة خرجت في بلاد العرب، والرومان بصفة عامة كانوا ينظرون إلى بلاد العرب نظرة دونية، يرونهم دائماً أقل من أن يهتموا بشأنهم، لم يدرسوا أحوالهم أو عاشوا ظروفهم؛ لأن هؤلاء العرب قوم يعيشون حياة البداوة في أعماق الصحراء، بعيدون كل البعد عن كل مظاهر الحضارة والمدنية، متفرقون مشتتون متنازعون، أحلامهم بسيطة جداً، طموحاتهم قليلة جداً، عددهم محدود، أسلحتهم بدائية، والفارق بينهم وبين إمبراطورية الرومان الهائلة كالفارق بين السماء والأرض.
وكلنا نعرف كيف كان الصراع يدور بين دولة فارس والروم وكل ما عمله العرب هو الاكتفاء فقط بمراقبة الأحداث، وأنهم يتراهنون من الذي سيكسب من الدولتين العظيمتين فارس والروم، ولم يكن أحد فيهم عنده طموح في مشاركة القوى العالمية لا من قريب ولا من بعيد في الأحداث الجارية في العالم، ومع كل هذا فـ هرقل زعيم الروم عندما أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام إليه رسالة أخذ الأمر بمنتهى الجدية، ولم ينكر أن يكون ذلك الرجل نبياً حقاً، ولم يكن ينقصه إلا التأكد فقط، ويريد دليلاً، ونحن عندما نسمع عن هرقل أو نقرأ عنه نشعر أنه كان زعيماً نصرانياً متديناً ملتزماً إلى حد كبير بتعاليم دينه، وكان يقدر كثيراً أن الله عز وجل يساعده في معاركه، وكلنا نعرف أنه نذر أن يحج إلى بيت المقدس ماشياً على قدميه من حمص إلى القدس شكراً لله على نصره للرومان على الفرس، فمثله يتأكد أنه قرأ في التوراة والإنجيل أن هناك رسولاً سيأتي، وأن هذا الرسول بشر به موسى وعيسى عليهما السلام، وكان ينتظر هذا الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا الرجل الذي أرسل له رسالة وهو الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر له في هذه الرسالة أنه نبي آخر الزمان، وقبل هرقل الفكرة، بل لعله مشتاق إلى رؤية ذلك النبي، وقبل هذا هرقل كان قد سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن الله عز وجل يسر له لقاء غريباً عجيباً؛ فقبل استلام الرسالة هيئ هرقل نفسياً تماماً لاستلام مثل هذه الرسالة العجيبة، وذلك أنه سمع أن نبياً ظهر في بلاد العرب، فقال لجنوده: ائتوني ببعض العرب أسألهم عن هذا النبي الذي ظهر في بلادهم، فأتى الجنود ببعض التجار الذين كانوا يتاجرون في غزة في فلسطين، وكان هرقل في بيت المقدس في ذلك الوقت، وذهبوا بهم إلى هرقل من أجل أن يتأكد من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من بين هؤلاء التجار أبو سفيان بن حرب زعيم قريش، وحصلت هذه القصة بعد صلح الحديبية مباشرة، يعني: بعدما تم صلح الحديبية سافر أبو سفيان إلى غزة وأخذه الجنود إلى هرقل في بيت المقدس، وكان التوقيت توقيتاً عجيباً جداً من كل النواحي، وكأن الله سبحانه وتعالى بعث أبا سفيان الكافر في ذلك الوقت ليقيم الحجة على هرقل، وهذا اللقاء ورد في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما سمعه من أبي سفيان رضي الله عنه بعد إسلامه.
فلما مثل التجار عند هرقل سألهم: أيكم أقرب نسباً لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً إليه، فقال هرقل: أدنوه مني وقربوه وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا - يعني: أبا سفيان - عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه.
يعني: يريد هرقل أن يعرف بجدية كل شيء عن هذا النبي، فهو سيسأل أقرب الناس إليه نسباً؛ لكونه أعرف الناس به، وفي نفس الوقت سيجعل وراء أبي سفيان التجار الآخرين كحكام على صدقه.
فالتجار تحت تأثير إرهاب هرقل وبطشه كل واحد منهم يخاف أن يكذب، وكذلك أبو سفيان يخاف أن يكذب.
لكن العرب حتى في أيام الجاهلية كانت تستنكر صفة الكذب، وتعتبرها نوعاً من الضعف غير المقبول، من أجل ذلك كان أبو سفيان يقول تعليقاً على كلمة هرقل هذه: فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا علي كذباً لكذبت عليه.
فهو في تلك اللحظة مع أنه يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية شديدة،

موقف هرقل بعد قراءة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته فيها للإسلام
لقد كان هرقل على استعداد لاتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن في المقابل كانت هناك ثورة كبيرة جداً في داخل البلاط الملكي ترفض تماماً فكرة الإسلام، وأدرك هرقل أنه إذا أعلن رغبته في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فإن عليه أن يغامر بملكه، وعليه أن يخاطر بسيادته على شعبه، وقد ينزعه الأمراء نزعاً من رئاسة البلد، حتى إنه في رواية قال لـ دحية بن خليفة الكلبي الذي هو رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظر، ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته.
وفي رواية أخرى ذكرها ابن كثير رحمه الله: أن هرقل اتبع الأسقف الأكبر للرومان فدخل عليه، فعرض عليه هرقل الكتاب، فلما قرأ الأسقف الكتاب، قال: هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى، الذي كنا ننتظره.
قال هرقل: فما تأمرني؟ قال الأسقف: أما أنا فإني مصدقه ومتبعه.
الأسقف الأكبر آمن.
فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكني لا أستطيع أن أفعل.
يعني: أنا أعرف أنه نبي، لكن لا أستطيع أن أتبعه، وإن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم.
وفي رواية أخرى: أن هذا الأسقف كان اسمه صغاطر وأنه خرج إلى الرومان، ودعا جميع الرومان إلى الإيمان بالله تعالى، وإلى الإيمان برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وأعلن الشهادة أمام الجميع: أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
فماذا عمل الناس؟ قام الناس كلهم إليه فضربوه حتى قتلوه.
وهذا الأسقف كان أعظم شخصية في الدولة الرومانية، وهو أعلم من هرقل عند الناس، وعلم هرقل بقتل هذا الرجل الأسقف الكبير فلم يستطع أن يفعل أي شيء مع من قتله، وهذا دلالة على ضعفه الشديد أمام الكرسي الذي يجلس عليه.
إذاً: هرقل عقد مقارنة سريعة جداً بين الملك والإيمان، وبين الحياة ممكناً وبين الموت شهيداً، فأخذ القرار بمنتهى السهولة، واختار الملك والحياة، ورفض الإيمان والشهادة، لم يكن ذلك لعدم تيقنه من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه ضن بملكه وضحى بالإيمان.
فأمر الإيمان واضح جداً، وإعجاز القرآن ظاهر، وطريق الإسلام مستقيم، والدلائل على صدق هذا الدين بينة وقاهرة وظاهرة للجميع، والإنسان هو الذي يختار، وعلى قدر قيمة الشيء في نفس الإنسان يضحي، والناس كلها تضحي، ولا أحد يستطيع أن يجمع كل شيء، والواحد قد يضحي بالإيمان من أجل أن يأخذ الملك، وآخر قد يضحي بالملك من أجل أن يأخذ الإيمان، فـ هرقل وأمثاله ينطبق عليه قول الله عز وجل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14].
ويقول الله عز وجل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [يونس:108].
وهرقل لا يمكن أن يعذر في عدم إسلامه مهما كانت فتنته، ومهما كان راغباً في الملك راهباً من الموت؛ لأن الإيمان لا يوزن إلى جواره شيء.
ويعلق الإمام النووي رحمه الله على موقف هرقل فيقول: ولا عذر له في هذا؛ لا عذر له في ترك الإيمان مهما كان سيضيع منه أو سيقتل، لأنه قد عرف صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما شح بالملك وطلب الرئاسة.
ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله أيضاً تعليقاً على هذا الحديث: ولو تفطن هرقل لقوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب: (أسلم تسلم)، وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة وأسلم، لسلم له كل الدنيا وكل الآخرة، لسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله عز وجل.
وهرقل بعد كل هذا اليقين اكتفى بأنه يُحمِّل دحية الكلبي بعض الهدايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفكر في قضية الإيمان، مع أنه كان يعلم أنه في يوم من الأيام سيئول كل ملكه الذي يحكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوقن بذلك؛ لأن ذلك موجود في التوراة والإنجيل، وقد قال قبل ذلك بوضوح في حواره مع أبي سفيان: (إنه سيملك موضع قدمي هاتين) وعندما غادر بيت المقدس إلى القسطنطينية، قال وقد أشرف على الشام حين طلع فوق ربوة عالية وأطل على الشام بكاملها، ثم قال: السلام عليك يا أرض سوريا.
يسلم عليها تسليم الوداع، وأنه لن يرجع إليها مرة أخرى.
أدرك أن هذه البلاد لن تبقى بعد هذا الظهور لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تحت سيطرته، وبعد كل هذه القناعة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا اليقين بنبوته لم يقف هرقل عند حد عدم الإيمان، ولم يقبل بالحياد، ولكن سير الجيوش تلو الجيوش لحرب المسلمين، مع إحس

موقف كسرى ملك فارس من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم له
أما كسرى فارس وكان اسمه إبرويز بن هرمز، وقد ظهر عداؤه للإسلام من أول لحظة قرأ فيها الخطاب، وكان ينوي تدمير هذا الدين الجديد وحرب هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لكسرى هو نفس خطاب هرقل إلى حد كبير، بدأ فيه بالبسملة، ثم بعد ذلك قال: (من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى عظيم فارس)، ثم بعد ذلك دعا صلى الله عليه وسلم كسرى إلى الدخول في الإسلام، لكن مع تغيير يسير في بعض الألفاظ لتناسب كسرى فارس والديانة التي هم عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، واشهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني رسول الله إلى الناس كافة، {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس:70]، فأسلم تسلم، فإن أبيت، فإن إثم المجوس عليك) خطاب في منتهى القوة.
فغضب كسرى غضباً شديداً عندما سمع هذا الخطاب، وتعامل معه بسطحية بالغة، لم يلتفت إلى المعاني التي فيه، ولا إلى الرسالة التي يشير إليها الخطاب، لكن كل الذي نظر إليه الشكليات التي في الخطاب، فأمسك الخطاب ومزقه، وقال في غطرسة: عبد من رعيتي يكتب اسمه قبلي، وسب الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما وصلت هذه الكلمات إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال صلى الله عليه وسلم: (مزق الله ملكه)؛ لأنه مزق الكتاب.
وبالفعل ففي غضون سنوات قليلة جداً من هذه الأحداث مزق الله عز وجل ملك كسرى تماماً، وامتلك المسلمون كل الأراضي الفارسية، وسقطت الإمبراطورية الفارسية تماماً، وكانت تسيطر على مساحات هائلة من الأرض.
هذه هي النبوة في مواجهة الغطرسة المجوسية الكافرة، لكن كسرى فارس إبرويز لم يكتف بهذه الكلمات وبتقطيع الخطاب، لا، بل إنه حاول أن يعتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يعاقبه بنفسه، فأرسل رسالة إلى عامله الفارسي على بلاد اليمن، وكانت اليمن مستعمرة فارسية، وهي قريبة من المدينة المنورة، فأرسل رسالة إلى عامل اليمن واسمه باذان وكان فارسياً، وطلب منه أن يبعث رجلين من رجاله ليأتيا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدائن عاصمة فارس.
انظروا يبعث اثنين فقط من الرجال ليأتيا بزعيم المدينة المنورة، وانظروا كيف كانت نظرة كسرى فارس للعرب، بعث اثنين من الرجال ولم يبعث جيشاً ليأتيا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدائن عاصمة الدولة الفارسية، وقال لهما: أخبراه إن هو رفض فسيقتل، وسيهلك كسرى قومه ويخرب بلاده، فذهب الرسولان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالا له هذا الكلام، فطلب الرسول عليه الصلاة والسلام طلب منهما في أدب جم أن ينتظرا إلى اليوم التالي وسيرد عليهما، وجلسا في المدينة تلك الليلة، وفي هذه الليلة التي جاء فيها رسولا كسرى أتى الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بنبأ عجيب، أخبره أن هذا الزعيم الفارسي المتغطرس إبرويز قتل في نفس الليلة، ومن الذي قتله؟ قتله ابنه شيرويه بن إبرويز، وكانت هذه الوقعة في ليلة الثلاثاء (10) جمادى الآخرة سنة (7) هـ، وفي اليوم التالي أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الرسولين وجلس معهما وقال لهما: (إن ربي سبحانه وتعالى قتل ربكما الليلة، ففزع الرسولان وقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من ذلك، أنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذان الذي هو ملك فارس في اليمن؟ فقال صلى الله عليه وسلم في منتهى الثقة: نعم أخبراه ذاك عني)، ليس هذا فحسب، بل قال لهما في يقين: (وقولا له أيضاً: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى، وينتهي إلى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت -يخاطب باذان - أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك)، والرسول عليه الصلاة والسلام عاملهما معاملة الملك الكريم وحملهما بالهدايا، وأعادهما إلى باذان مرة أخرى، ووصل الرسولان إلى باذان ملك اليمن الفارسي، وقالا له ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان باذان رجلاً عاقلاً؛ فإنه عندما سمع هذه الكلمات، قال: (والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبياً كما يقول، وليكونن ما قال، فلئن كان هذا حقاً فهو نبي مرسل)، يعني: كيف عرف أن هناك شيئاً حصل في المدائن، وهي على بعد مئات الكيلو مترات في ذلك الزمن؟ ثم قال: (وإن لم يكن الذي قاله فسنرى فيه رأينا).
وذهبت الأيام وجاء خطاب من الزعيم الجديد في بلاد فارس شيرويه بن إبرويز جاء خطاب إلى باذان عامل اليمن يقول له فيه: إنه قد قتل أباه إبرويز؛ بسبب أنه قتل الكثير من أشراف فارس، وكاد أن يودي بفارس إلى الهلاك.

موقف هوذة بن علي صاحب اليمامة من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم له
أما هوذة بن علي صاحب اليمامة، فإنه عندما وصلت إليه الرسالة لم يفكر في الإسلام؛ لأنه أعجب بالإسلام، لكنه فكر فيه لأنه شعر بقوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتنبأ لدولة الرسول صلى الله عليه وسلم بمستقبل كبير، من أجل ذلك قرر أنه يفاوض الرسول عليه الصلاة والسلام وأرسل له رسالة، قال فيها: (ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك)، هذه مساومة.
والرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى هوذة بن علي وعده أن يعطيه ما تحت يديه من اليمامة إن أسلم، لكن هوذة بن علي رغب في مساومة الرسول عليه والصلاة والسلام حتى يأخذ ملكاً أكبر، وعلق إسلامه على هذا الشرط، والرسول صلى الله عليه وسلم يرفض أن يطلب أحد الإمارة، ويرفض أن يعطي الإمارة لمن يطلبها، كما جاء في البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال: (إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه)، لماذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمنع الإمارة لمن يطلبها؟ لأنه يعلم أن من سيتولى الإمارة وهو حريص عليها فلن يعود ضرره عليه فقط، ولكن سيعود الضرر على كل من يقود؛ لأنه مفتون بالإمارة، وسيضحي من أجلها لا من أجل الإسلام، ولأنه لو تعارض الإسلام مع استمراره في الإمارة سيترك الإسلام ويتمسك بالإمارة، وهنا قد يتبعه قومه، وستكون كارثة ومشكلة كبيرة؛ من أجل ذلك لم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام يعطي الإمارة لأحد طلبها، ومن أجل ذلك علق الرسول عليه الصلاة والسلام على موقف هوذة بن علي وقال: (لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت)، ثم تنبأ له بالهلكة، قال: (باد وباد ما في يديه)، وتحقق تنبؤ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أقل من سنتين، حيث مات هوذة بن علي وفقد ملكه ولم يسلم.

موقف الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم له
من الزعماء الذين أرسل إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام الرسائل الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق، وكان هذا الرجل نصرانياً تابعاً لـ هرقل قيصر الروم، وكان رده تقريباً نفس رد كسرى زعيم فارس، ألقى الخطاب وقال: من ينزع ملكي مني؟ وأنا سائر إليه، وبدأ في تجهيز الجيوش من أجل أن يغزو المدينة المنورة، لكن قبل أن يفعل هذا أحب أن يستأذن هرقل وبعث له برسالة، فتزامن وصول رسالة الحارث مع وصول رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، فـ هرقل قال له: لا، انتظر، لا ندري ماذا سيحدث بعد ذلك من الأحداث؟ فأمره ألا يرسل الجيوش، فانصاع الحارث إلى كلام هرقل ولم يرسل الجيوش، وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم رد فعل الحارث قال: (باد ملكه)، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ما لبث أن مات وباد ملكه تماماً، بل دخل ملكه بعد ذلك في ملك المسلمين.
إذاًَ: هذه كانت ردود الأفعال المختلفة لدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام للعالمين، وكما رأينا اختلف رد الفعل من إيمان سريع، إلى تفكير ثم إسلام، إلى حياد مؤدب، إلى رفض للإسلام، إلى حرب الإسلام، ردود مختلفة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ونخلص من كل هذه الرسائل إلى أنه ليس من واجب الداعية أن يفتح قلوب الناس إلى الإسلام أبداً، لكن من واجب الداعية أن يصل إليهم بدعوته بيضاء نقية، ثم بعد ذلك فإن الله سبحانه وتعالى سيفتح قلوب من يشاء إلى الهدى والإيمان، قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [المائدة:99] والرسول عليه الصلاة والسلام عمل هذا البلاغ على أتم ما يكون.

نظرة تحليلية حول رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زعماء ورؤساء وملوك العالم
بقي لنا في موضوع هذه المراسلات العظيمة أن ننظر نظرة تحليلية في السفراء الكرام الذين اختارهم الرسول عليه الصلاة والسلام لإيصال الرسائل إلى زعماء وأمراء العالم.
سنلاحظ عدة ملاحظات جميلة جداً: أولاً: هؤلاء الرسل جميعاً عندما تنظر إلى أسمائهم تجد أنهم من قبائل مختلفة، فـ عمرو بن أمية من بني ضمرة، وهو الذي أرسل إلى النجاشي.
والعلاء بن الحضرمي من حضرموت اليمن، وأرسل إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين.
وعبد الله بن حذافة من بني سهم، وأرسل إلى كسرى فارس.
ودحية بن خليفة من بني كلب، وأرسل إلى قيصر الروم.
وحاطب بن أبي بلتعة من بني لخم، وأرسل إلى المقوقس في مصر.
وسليط بن عمرو من بني عامر، وأرسل إلى هوذة بن علي باليمامة.
وشجاع بن وهب من بني أسد، وأرسل إلى الحارث بن أبي شمر في دمشق.
وهذا الاختلاف في القبائل لا شك أنه إشارة واضحة جداً من الرسول عليه الصلاة والسلام إلى كل المسلمين سواء في المدينة أو في خارج المدينة، وإلى كل العرب المراقبين للأحداث، وإلى كل دول العالم التي أرسل إليها السفراء، وإلى كل المحللين والدارسين للسيرة على مدار السنين إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، أن هذه الدعوة ليست قبلية أبداً، بل هي دعوة تضم بين طياتها أفراداً من كل قبائل العرب، وهؤلاء السفراء كانوا بمثابة الصورة الجديدة المرجوة لهذه الأمة، ووحدة العناصر المختلفة على رباط واحد فقط هو رباط العقيدة الإسلامية.
إذاً: هذه كانت ملحوظة في منتهى الأهمية.
الملحوظة الثانية: أن قريشاً لم يمثلها في هذه السفارات إلا صحابي واحد فقط، وهو عبد الله بن حذافة السهمي القرشي رضي الله عنه، وبقية السفراء جميعاً ليسوا من قريش.
وهذه إشارة من الرسول عليه الصلاة والسلام أن الأصلح هو الذي يعطى العمل ويكلف بالمهمة، بغض النظر عن النسب والمكانة العائلية والقبلية وما إلى ذلك، مع أن الجميع يعرف أن قريشاً هي أعلى العرب نسباً، وقد يقول البعض: لعله من الأصلح والأفضل أن نجعل كل السفراء من قريش؛ لأجل رفع قيمتهم عند زعماء العالم، لكن مثل هذا سيترك رسالة عكسية سلبية وهي أن السفارة لا تكون إلا في الأشراف، وهذا ليس صحيحاً، الأكفأ والأفضل هو الذي يحمل الرسالة.
الملحوظة الثالثة: أن التمثيل القرشي لم يكن فقط يسيراً في هؤلاء السفراء، وإنما كان التمثيل في بني هاشم منعدماً تماماً، وهذه إشارة واضحة جداً من الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يجب أبداً أن تعطى المناصب الهامة إلا للأكفاء بغض النظر عن قرابتهم أو علاقتهم بالقائد، فالقائد المتجرد حقاً هو الذي ينظر إلى مصلحة الأمة لا مصلحة القبيلة، ويهتم بقضايا الشعب لا قضايا العائلة.
إذاً: هذه كانت الملحوظة الثالثة.
الملحوظة الرابعة في هؤلاء السفراء الكرام: أنهم جميعاً من المهاجرين لا يوجد فيهم أنصاري واحد، وهذه الملحوظة ليست خاصة بهؤلاء السفراء، لا، سنجدها تقريباً في كل مواطن السيرة، قلما تقلد أنصاري منصباً هاماً أو قيادياً في الدولة الإسلامية؛ ولعل ذلك ليبقى الأنصاري رمزاً في المسلمين يعطي ولا يأخذ، وأنتم تعرفون أهم سمة تميز الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم: أنها صفة الإيثار، كما وصفهم الله تعالى وقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الحشر:9]، لابد أن يبقى مثلاً يؤثر على نفسه وهو راض مطمئن.
والأنصار رضي الله عنهم أجمعين ما نالوا من الدنيا شيئاً يذكر، لا في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، كانوا مثلاً رائعاً للعطاء بلا حدود؛ للإيثار دون تردد، فمن الأفضل أن يظلوا بهذه الصفة دائماً؛ من أجل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعطهم السفارة ولا القيادة، جاء في البخاري عن أنس رضي الله عنه وأرضاه عن أسيد بن حضير أخبره: (أن رجلاً من الأنصار جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله! ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ستلقون -يخاطب الأنصار عامة- بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض).
يعني: أمر الأنصار ألا يبحثوا أبداً على الإمارة؛ حتى يبقى دائماً مثل الإيثار واضحاً نقياً عندهم رضي الله عنهم.
وليس معنى هذا أن المهاجرين كانوا يتشوفون للإمارة أو يرغبون في السفارة أبداً، بل على العكس المهاجرون باعوا الدنيا تماماً، وهذه السفارات على شرفها خطيرة جداً، وقد يكون ثمنها حياة السفير، وسنرى هذا الكلام فعلاً بعد ذلك مع الحارث بن عمير رضي الله عنه وأرضاه عندما يقتل على يد شرحبيل بن عمرو الغساني، وسيكون قتله سبباً في غزوة مؤتة، وسنرى هذا في الدروس القادمة.


فتح خيبر( التدوينة القادمة )
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق