الأحد، 1 فبراير 2015

السيرة النبوية لراغب السرجانى ( الطريق الى احد)

الأسباب الداعية إلى حصار النبي ليهود بني قينقاع وإجلائهم عن المدينة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس العاشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدروس السابقة تحدثنا عن غزوة بدر وآثارها العظيمة في الجزيرة العربية، وذكرنا موقف قريش وموقف المدينة المنورة وموقف الأعراب، ووقفنا عند ردة فعل اليهود على هذا الانتصار المبهر في غزوة بدر الكبرى.
فأنتم تعلمون أن داخل المدينة المنورة ثلاث قبائل يهودية: قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني النضير، وقبيلة بني قريظة.
وفي شمال المدينة المنورة تجمع ضخم لليهود يقال لهم: يهود خيبر، وقد عمل الرسول عليه الصلاة والسلام معاهدة مع اليهود، وحاول اليهود مراراً وتكراراً حاولوا أن يخالفوا هذه المعاهدة وأن ينقضوا الميثاق، وتحدثوا كثيراً بالسوء عن الصحابة وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وعن رب العالمين سبحانه وتعالى، وتطاولوا كثيراً في هذه الكلمات، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يضبط النفس ويحاول التحكم قدر المستطاع في أعصاب الصحابة، لكي يمنعهم من الصدام مع اليهود؛ لأن الوضع ما زال مضطرباً داخل المدينة المنورة.
وبعد انتصار الرسول عليه الصلاة والسلام على قريش في بدر عاد إلى المدينة المنورة وهو يرفع رأسه بعزة وقوة وبأس، وأرهب ذلك معظم الجزيرة العربية، لكن كان رد فعل اليهود غريباً، فقد جمع الرسول عليه الصلاة والسلام بداية دخوله المدينة المنورة جمع اليهود -يهود بني قينقاع، وحذرهم من مغبة الطغيان والمخالفة المستمرة التي كانوا عليها، وقال لهم: (يا معشر يهود! أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشاً)، وبالطبع هو لا يكرههم على الإسلام أو على الإيمان، ولكن يقول لهم: إن قريشاً لما ظهرت على أمر الله عز وجل أذلها الله عز وجل، وهذا له بوادر وظواهر عند اليهود، فهم يخالفون بصورة مستمرة ويسيئون الأدب مع الأنبياء ومع رب العالمين سبحانه وتعالى، لكن رد فعل بني قينقاع كان عنيفاً جداً، قالوا: يا محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لن تلقى مثلنا.
إذاً: فهذا إعلان صريح من اليهود وتهديد واضح من اليهود بالحرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، وقد عرفنا المعاهدة التي بها كف الحرب بين الطائفتين، بل وتجعل واجباً على اليهود أن يناصروا المسلمين في حربهم ضد من يغزو المدينة المنورة سواء من قريش أو من غيرها، لكن الآن بدأ انشقاق كبير داخل المدينة المنورة، وأعلنوا استعدادهم لحرب الرسول عليه الصلاة والسلام وهددوه وتوعدوه؛ ضعوا كل هذا بجانب؛ الذكريات القديمة لليهود في خلال السنتين الماضيتين من التكذيب المستمر والادعاء بالباطل على المسلمين وعلى آيات الله عز وجل وعلى الحبيب صلى الله عليه وسلم.
عندما قابل كان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام، أنزل الله عز وجل آيات بينات توضح العلاقة بين اليهود والمسلمين في مرحلة قادمة، وهي آيات أنزلت في يهود بني قينقاع، قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران:12]، ويخبر الله بني قينقاع أن يتعظوا بما حدث في لقريش: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران:13]، لكن كانت بصائر اليهود مطموسة تماماً، فلم يفقهوا هذه الآيات ولم يهتموا بها.
إذاً: هذا هو الموقف الذي كان بين اليهود وبين المسلمين، ولم يقف الموقف إلى هنا، بل إنه تصاعد أكثره، فقد حدث أن امرأة من المسلمين قدمت إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشتري منه، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، أي: يحاولون أن يقنعوها بأن تكشف وجهها، فرفضت المرأة ذلك، فأتى أحد اليهود من ورائها وربط طرف ثوبها في رأسها دون أن تنتبه، فعندما وقفت انكشفت سوءتها فصرخت، فجاء مسلم وقتل اليهودي الذي فعل ذلك، فاجتمع يهود بني قينقاع على المسلم وقتلوه، فكانت بوادر أزمة ضخمة جداً في داخل المدينة المنورة؛ حيث إن قبيلة بني قينقاع اجتمعت على قتل المسلم بعد أن قامت بجريمة كشف عورة المرأة المسلمة، ووصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبمجرد أن وصل إليه الأمر جمع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وجهز الجيش وانطلق مباشرة إلى حصون بني قينقاع، وحاصر يهود بني قينقاع فيها، وأصر صلى الله عليه وسلم على 

بعض ملامح غزوة بني قينقاع
أخذ القرار بإجلاء اليهود بعد الاطمئنان إلى قوة الدولة الإسلامية
ظهر لنا في قصة بني قينقاع بعض الملامح.
أولاً: الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يقف هذه الوقفة الجادة القوية مع اليهود إلا بعد أن اطمأن على قوة الجيش والاقتصاد والدولة الإسلامية، بحيث إن السوق الإسلامي أصبح قوياً وموجوداً وله حضور في المدينة المنورة، وتعلمون أن كل التجارة كانت في سوق بني قينقاع، فإذا كانت التجارة معتمدة اعتماداً كاملاً على بني قينقاع، وبعد ذلك خرجوا إلى الشام، فكيف سيكون الحال داخل المدينة المنورة؟ لذلك فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أمن نفسه من هذا الأمر من أول يوم نزل فيه المدينة المنورة، وعمل السوق الإسلامي، وصار الماء ملكاً للمسلمين بعد أن كان ملكاً لليهود، وقد تكلمنا على بئر رومة قبل ذلك في الدروس الماضية من العهد المدني.
إن الجيش المسلم جيش معتمد على أفراده تماماً لا يعتمد على معونات خارجة عن المدينة المنورة، بل يعتمد على المهاجرين والأنصار، ليس مثل عبد الله بن أبي الذي يعتمد على اليهود في حمايته، وهذا الوضع شجع الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يأخذ قرار الحرب بسهولة.

الرد السريع على بني قينقاع وعدم التساهل فيما فعلوه مع المرأة المسلمة
الملمح الثاني مهم لنقف عليه في غزوة بني قينقاع: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم ير التساهل مطلقاً مع اليهود بعد هذا الموقف الذي فعلوه مع المرأة المسلمة ومع الرجل المسلم الذي قتل؛ لأن فعلهم كان مخالفة صريحة للمعاهدة التي بينه وبينهم، ولو سكت صلى الله عليه وسلم على مخالفة اليهود للمعاهدة مرة ثانية وثالثة وأكثر من ذلك -لزاد اليهود من تطاولهم، وبالتالي يبدءون الدخول في مرحلة ثانية من الاستهزاء بالدولة الإسلامية وبكرامتها، وعندما يكون هناك تساهل بالأمر الجديد سيعملون أشياء أخرى أكثر وأكثر، وحدود اليهود ليست لها نهاية.
ورأينا هذا الفعل من اليهود سواء في السابق أو في اللاحق، وسنظل نراه من اليهود إلى يوم القيامة؛ لأن هذه طبيعة من طبائع اليهود.
ففي العصر الحديث خالف اليهود القوانين الإسلامية، وبدءوا بالهجرة إلى فلسطين وكانت الهجرة إلى فلسطين ممنوعة عليهم، وسكت المسلمون، وبعد ذلك تملك اليهود الاقتصاد الفلسطيني في داخل فلسطين بكاملها، كذلك المسلمون لم يحركوا ساكناً، واستقدم اليهود السلاح الخفيف في داخل فلسطين، كذلك سكت المسلمون عن ذلك، واستقدم اليهود السلاح الثقيل في داخل فلسطين، وكذلك سكت المسلمون عن ذلك، ثم جاء قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين اليهود والمسلمين، وكذلك السكوت هو السائد، فقامت إسرائيل سنة (1948) ثم قامت حرب سنة (1956)، ثم قامت الحرب سنة (1967)، ثم أشعلت حرب سنة (1982) ضد لبنان وهكذا كلما نسكت يأخذ اليهود منطقة أكبر، كنا نطالب بالعودة إلى حدود التقسيم، وبعد ذلك نطالب بالعودة إلى حدود (1967)، وبعد ذلك نطالب بالعودة إلى حدود الانتفاضة، والآن اليهود يعملون الجدار، وسنطالب بالعودة إلى حدود الجدار، وهكذا تساهل وراء تساهل وراء تساهل، حتى أدي للذي نراه الآن.
لذلك تجنب الرسول عليه الصلاة والسلام كل هذه المأساة، وأخذ قراراً حاسماً وسريعاً بحصار بني قينقاع، وعقابهم بالطريقة التي شرعت في المعاهدة التي بينه وبينهم قبل ذلك بسنتين.
إذاً: هذا هو الوضع الحاسم الذي علمنا إياه الرسول صلى الله عليه وسلم.

قوة العلاقة بين اليهود والمنافقين
الملمح الثالث من ملامح غزوة بني قينقاع: قوة العلاقة بين اليهود وبين المنافقين من المسلمين، المنافقون أسماؤهم إسلامية وصفاتهم إسلامية وشكلهم إسلامي، لكن يتعاملون مع اليهود بمنتهى الحمية والقوة؛ لأنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، واستغل اليهود هذه العلاقة في أيام الرسول صلى عليه الصلاة والسلام، واستغلوها بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى زماننا الآن وإلى يوم القيامة، فالعلاقة وطيدة وأكيدة بين اليهود والمنافقين، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه بتعبير غريب وواضح جداً، قال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} [الحشر:11] إلى آخر الآيات، فجعل الله عز وجل المنافقين إخواناً للذين كفروا من أهل الكتاب، فهذا الأمر واضح جداً في كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى، وواضح من خطوات السيرة النبوية كما ترون.
إذاً: هذا هو موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من بني قينقاع.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف
شبيه بهذا الموقف في هذه الفترة أيضاً ما فعله صلى الله عليه وسلم مع رجل من يهود بني النضير، كان هذا الرجل يقود حرباً ضروساً ضد المسلمين، ليس كل القبيلة يقودون هذه الحرب، وإنما هو واحد منها كان اسمه كعب بن الأشرف، وهو من قادة بني النضير وزعمائها، هذا الرجل كان يصرح بسب الله عز وجل وبسب رسوله الكريم وكان شاعراً مجيداً ينشد الأشعار في هجاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولم يكتف بذلك الأمر، ولكنه ذهب ليؤلب القبائل على الدولة الإسلامية، ولم يكتف بهذا الأمر، بل ذهب إلى مكة المكرمة، وألب قريشاً على المسلمين، وبدأ يتذاكر معهم قتلى المشركين في بدر، بل إنه فعل ما هو أشد من ذلك وأنكى، وتعلمون أنه من اليهود وهو يعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام رسول من عند رب العالمين؛ سأله القرشيون وهم يعبدون الأصنام، قالوا: أديننا أحب إليك، أم دين محمد وأصحابه، وأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ فقال الكافر: أنتم أهدى منهم سبيلاً، وفي ذلك أنزل الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء:51].
طبعاً هذا الكلام شجع قريشاً على الحرب، ولم يكتف كعب بذلك، بل زاد على ذلك أموراً تخرج عن فطرة العرب وأدبهم بصفة عامة، سواء كانوا في الإسلام أو في الجاهلية، بدأ يتحدث بالفاحشة في أشعاره عن نساء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
إذاً: كعب بن الأشرف ارتكب عدة جرائم ضخمة، سب الله عز وجل، وسب رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهجى الصحابة، وهجى الصحابيات بأفحش الكلام، وحرض قريشاً على الانتقام لقتلاها في بدر، وكل هذا مخالفة صريحة للمعاهدة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان في المعاهدة: ألا تجار قريش ولا تنصر على المسلمين، فكل هذه الأشياء جعلت الرسول يأخذ قراراً في منتهى الحسم بقتل كعب بن الأشرف، فقال صلى الله عليه وسلم: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه آذى الله ورسوله)، فقام محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة والحارث بن أوس ومجموعة من الأوس رضي الله عنهم أجمعين، وقرروا القيام بهذا الأمر، وبالفعل خرجت هذه السرية وذهبت إلى كعب بن الأشرف وبطريقة فيها تفصيل لا يسمح المجال بذكره هنا، استطاعوا أن يستخرجوا كعب بن الأشرف بحيلة من داخل حصنه، وقاموا بقتله كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك تخلصت الدولة الإسلامية من أحد ألد أعدائها كعب بن الأشرف.
تعليقات على موقف النبي صلى الله عليه وسلم من يهود بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف وحده دون قبيلته
هناك تعليقان على هذا الموقف: التعليق الأول: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قتل كعب بن الأشرف وحده دون قبيلته، بينما أخرج قبيلة بني قينقاع بكاملها عندما خالفت، فالفرق بين الموقفين: أن قبيلة بني قينقاع أولاً كانت تجاهر بالعداء كقبيلة، والموقف بعد بدر كان واضحاً، وصراعها مع الرسول صلى الله عليه وسلم كان معلناً، بينما قبيلة بني النضير لم تجاهر بهذا العداء إلى هذه اللحظة، بل بعد قتل كعب بن الأشرف جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تقر العهد وتطيل المدة.
إذاً: الفرق بين القبيلتين: أن قبيلة بني قينقاع كانت معادية كقبيلة كاملة، والأخرى أحد أفراد القبيلة هو الذي كان يعادي، والسيئة عند الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعم.
هذا هو التعليق الأول.
التعليق الثاني على موقف بني قينقاع وموقف كعب بن الأشرف: هو وضوح مدى الانحراف الجنسي عند اليهود، ومدى إثارة الغرائز واستخدام ذلك للإفساد في الأرض، ففي قصة المرأة المسلمة حاولوا أولاً كشف وجهها، ثم بعد ذلك كشفوا عورتها، وفي قصة كعب بن الأشرف أخذ يتحدث عن نساء الصحابة رضي الله عنهن أجمعين بالفاحشة، وبكلام لا يستقيم أبداً لإنسان صاحب فطرة سليمة.
إذاً: هذه كانت طريقة من طرق اليهود، كانوا يستخدموها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل عهده وبعد موته، فقد فشا فيهم الزنا حتى قال صلى الله عليه وسلم: (أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) وهذا ينشأ عامة في تاريخهم، وإلى الآن معظم وسائل الإعلام والسينما والمواقع الإباحية والبرامج والأفلام الجنسية تمت بصلة كبيرة إلى اليهود، فأكثر من 50% من وسائل الإعلام يملكها اليهود، وأكثر من 80 أو 90% من الإعلانات التي تقدم خلال هذه الوسائل من برامج وأفلام وغيرها تقوم في الأساس على إثارة الغرائز الجنسية وعلى النساء، ولابد أن ينتبه المسلمون لهذه النقطة.
إذاً: بعد موقف النبي صلى الله عليه وسلم من بني قينقاع ومن كعب بن الأشرف استقر الوضع داخل المدينة المنورة نسبياً، وأصبح الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه قوةً كبيرة جداً داخل المدينة المنورة، وأعلن معظم الناس الإسلام في المدينة، نعم.
منهم منافقون، لكن الذي يحكم المدينة المنورة حكماً تاماً كاملاً هو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذلك خاف اليهود من المسلمين بعد الموقف الحاسم الذي حصل مع بني قينقاع، وبدأ بنو النضير وبنو قريظة يتربصون بالمسلمين.
المقدمات الإعدادية لفريق الحق وفريق الباطل في غزوة أحد
إن موقف قريش كان موقفاً سيئاً جداً، فهي تعاني من أزمة اقتصادية ضخمة، وذلك بقطع طرق التجارة عن الشام، كذلك تعاني من أزمة سياسية ضخمة، وذلك بإهانة كرامتها وضياع هيبتها في الجزيرة العربية بعد الهزيمة المرة على يد المسلمين، خاصة أن الكفار كانوا أضعاف الجيش الإسلامي، كذلك تعاني من أزمة اجتماعية، وذلك بقتل سبعين من أشرافها، وكل واحد من عائلات هؤلاء الأشراف يريد أن يأخذ الثأر لأبيه أو لعمه أو لخاله أو كذا من أقاربه، كذلك تعاني من أزمة دينية؛ لأن الله عز وجل أخبر أن الحرب مستمرة بين الكفار والمسلمين، ما دام المسلمون على دينهم.
قال الله عز وجل في كتابه الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال:36]، إذاً: هذا هدف واضح عندهم، والرسول عليه الصلاة والسلام ينشر الإسلام في المدينة وما حولها، وبالتالي يرفع من درجة الفوران والغيلان في داخل مكة المكرمة، فيا ترى ماذا سيعملون؟ لنرى الآن ماذا سيفعل القرشيون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المؤمنين في المدينة المنورة.
المقدمات الإعدادية لفريق الباطل
قلنا قبل ذلك: إن الكفار أوقفوا التصرف في قافلة أبي سفيان التي نجت من بدر؛ وذلك لتجهيز جيش ليحارب المسلمين، هذه القافلة كانت تقدر قيمتها بخمسين ألف دينار ذهبي، فهي كمية هائلة من الأموال، ومع ذلك كل هذه الأموال أنفقت للصد عن سبيل الله، وبدأت قريش تجهز الجيش من داخل مكة، بل بدأت تستنفر القبائل المحيطة المساعدة والمعاونة لها، وكونت بالفعل جيشاً كبيراً قوامه (3000) مقاتل، وأخرجت كل زعماء مكة على رأس الجيش المكي، وعلى رأس كل هؤلاء أبو سفيان، وأكبر المساعدين له في هذه الموقعة هو صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد، هذه هي القوة البشرية التي جهزوها.
أما قوة السلاح فجهزوا (3000) بعير و (200) فرس، و (700) درع، وخرج مع الجيش (15) امرأة من نساء قريش، تتقدمهم سيدة مكة الأولى في ذلك الوقت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، وكذلك زوجات القادة العظام الكبار في جيش مكة، زوجة صفوان بن أمية، وزوجة عكرمة بن أبي جهل، وزوجة الحارث بن هشام.
وفوق كل هذا حرب إعلامية ضخمة في الجزيرة العربية بكاملها تحفز الناس على حرب المسلمين، وقاد هذه الحملة أبو عزة الجمحي، الأسير الذي أسره صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وأطلقه مناً بغير فداء، وأخذ عليه عهداً ألا يشارك ولا يحفز المشركين على حرب المسلمين، فهاهو الآن يخالف العهد ويحفز العرب بكاملهم على حرب المسلمين، وهذا سيكون له مردود في غزوة أحد كما سنرى إن شاء الله.
القيادة العامة للجيش لـ أبي سفيان، وقائدا سلاح الفرسان خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وكان اللواء مع بني عبد الدار.
إذاً: هذا هو إعداد جيش مكة، ومع أن هذا الإعداد إعداد كبير جداً، إلا أن هذه الموقعة أسهل على المسلمين من موقعة بدر للأسباب التالية: أولاً: فقدت قريش معظم قادتها، فهذا الجيش يخلو من أسماء ضخمة في تاريخ مكة، فليس هناك الوليد بن المغيرة ولا أبو جهل ولا عقبة بن أبي معيط ولا النضر بن الحارث ولا أمية بن خلف، وقتلى بدر من المشركين كثير جداً.
ثانياً: المسلمون يعلمون بأمر الحرب ويستعدون لها، حيث إن الخبر وصل من مكة إلى المدينة المنورة مباشرة، وعند الرسول عليه الصلاة والسلام وقت للإعداد، فسيخرج بعدة المقاتل لا بعدة المسافر.
ثالثاً: الحرب ستكون في المدينة أو بجانب المدينة المنورة، فعلى على المشركين أن يسيروا مسافة خمسمائة كيلو متر إلى المدينة المنورة حتى يدخلوا في المعركة، فهو مشوار طويل جداً في الصحراء، والجيش قوامه (3000) مقاتل، فقد تكون هناك مشقة على الجيش، بينما سيخرج المسلمون من المدينة المنورة إلى أحد أو إلى ما حولها حسب اختيار المكان، والمسافة التي سيقطعونها (5) كيلو أو (10) كيلو أو (20) كيلو من المدينة المنورة، فالوضع بالنسبة للمسلمين أقل مشقة.
رابعاً: الحالة المعنوية؛ فمعنويات المسلمين مرتفعة، بينما معنويات الكفار في الحضيض، فقد كانوا مغلوبين في بدر، ومروا بأكثر من أزمة خلال السنة الماضية، وآخر الأزمات كانت أزمة سرية زيد بن حارثة، ففي هذه السرية أخذت القافلة من صفوان بن أمية، وكان فيها بضاعة تقدر بمائة ألف دينار، فكانت ضربة قاسية جداً لقريش، خاصة أن القافلة كانت تسير على مسافة بعيدة جداً من المدينة المنورة، مما يثبت لنا الكفاءة العسكرية والمخابراتية للقوة الإسلامية في المدينة المنورة، فكل هذا يضعف جداً من نفسية الجيش المكي، وكل هذا يبين أن جيش المسلمين له علو وقوة وبأس، مع أن عدد الجيش الإسلامي أقل من عدد الجيش المكي، لكن عوامل نصره كانت كثيرة.
المقدمات الإعدادية لفريق الحق
علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن جيش مكة يستعد للخروج، فاجمع الصحابة للشورى، ولو راجعنا صفات الجيش المنتصر لوجدنا أن كل الصفات العشر تتكرر ثانياً في الجيش الذي خرج من المدينة إلى أحد، لكن سيحصل اختلاف في نقطة أو نقطتين، لكن إلى الآن الجيش الإسلامي يسير تماماً كما كان جيش بدر يسير.
فمن العوامل التي تحققت في الجيش المسلم: أولاً: الشورى.
جمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليتشاوروا جميعاً، فأول شيء قرروه قبل التفكير في أي طريقة للقتال أن يؤمنوا المدينة المنورة، فقاموا بتشكيل فرقة لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مستهدف، وقد يحصل أي جريمة لاغتياله صلى الله عليه وسلم، وهذا سيؤثر على المدينة المنورة، وكان على رأس هذه الفرقة كبار الأوس والخزرج: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير، وهي من أقوى الفرق الإسلامية، وبدأت تحوط بيت الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد النبوي، وتسير معه في كل مكان.
ثانياً: وضعوا فرقاً لحماية مداخل المدينة المنورة، حتى لا يباغت المسلمون ليلاً أو نهاراً.
ثالثاًً: وضعوا دوريات مراقبة حول المدينة المنورة لاستطلاع مكان الجيش المشرك وخطواته وتحركاته.
رابعاً: جميع المسلمين في المدينة المنورة من الأوس والخزرج والمهاجرين كانوا لا يتحركون إلا بالسلاح حتى في أثناء الصلاة، فقد كان السلاح ملازماً لهم باستمرار، وهذا يوضح لنا صفة مهمة جداً من صفات الجيش المنتصر، وهي صفة الإعداد الجيد: مخابرات قوية أتت بالأخبار، حصار، حماية قوية للرسول عليه الصلاة والسلام، وحماية قوية للمدينة، واستعداد كامل للقتال.
ثم فكروا في الموقف الذي يقومون به: هل يخرجون خارج المدينة أو يمكثون بداخلها؟ أين يحاربون؟ يختارون أرض القتال هم أم يختارها العدو؟ وقبل أن يختاروا القرار قص عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام رؤيا.
قال لهم: (إني قد رأيت والله خيراً، ثم قال: رأيت بقراً تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً -خدشاً أو كسراً- ثم قال: ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة).
إذاً: رأى الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أشياء.
أولاً: رأى أن بقراً تذبح، وأول ذلك صلى الله عليه وسلم بأن نفراً من أصحابه يقتلون، وأول الخدش أو الكسر الذي في سيفه بأن رجلاً من أهل بيته يقتل، وأول إدخال يده في درع حصينة بالمدينة المنورة، أي: أنه يقاتل في المدينة المنورة، لكنه ذكر هذه الرؤيا ليس على أنها قرار يملى على المسلمين، ولكن في صورة رأي يستأنس به؛ لأنه لو كان وحياً ما جاز له أن يستشير الصحابة في هذا الأمر، لكنه يرى أن الأمر متروك للشورى ورأي المسلمين، فكان رأيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل في المدينة، بل صرح بعد ذلك بهذا الرأي وقال: (يقاتل المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيت)، يعني: لو بقي صلى الله عليه وسلم وجيشه في المدينة المنورة فإن جيش مكة سيضطر إلى دخول المدينة المنورة، وستكون الحرب حرب شوارع، والحرب التي تكون من هذا النوع تكون صعبة جداً على الجيش المهاجم للبلد، لكن معظم المسلمين كان لهم رأي آخر، خاصة الذين لم يشتركوا في موقعة بدر، كانوا يودون الخروج إلى قتال المشركين خارج المدينة المنورة، حتى قال قائلهم: (يا رسول الله! كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم)، وكان من أشد المتحمسين للخروج حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه، حتى إنه قال كلمة عجيبة للرسول عليه الصلاة والسلام، قال: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاماً حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، فانظروا إلى هذه العزيمة، وانظروا إلى القناعة برأي الخروج.
كان معظم الصحابة على هذا الرأي، ولم يكن على رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القليل، وكان من هؤلاء: عبد الله بن أبي ابن سلول، وكما تعملون أن عبد الله هو زعيم المنافقون، ولم يكن موافقاً على رأي الرسول صلى الله عليه وسلم ومقتنعاً به، وإنما ليسهل عليه الفرار إلى داخل المدينة المنورة، فكل منهم سيقاتل على رأس شارع أو من داخل بيت، وسيكون هناك سهولة للفرار من الموقعة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام نزل على رأي الشورى حتى وإن كان مخالفاً لرأيه، حتى وإن كان يتأول في رؤياه أن نفراً من أصحابه سيقتل، وأن واحداً من أهل بيته سيصاب، وأنه من الأفضل أن يقاتل في داخل المدينة، لكنه عندما رأى أن ذلك ليس وحياً من رب العالمين سبحانه وتعالى نزل عن رأيه لصالح رأي الأغلبية، وقرر الخروج من المدينة المنورة لقتال المشركين.
صلى الرسول عليه الصلاة والسلام بالصحابة يوم الجمعة، ووعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وبشرهم بالنصر إن هم صبروا وإن هم ساروا على نهج الله عز وجل وعلى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، وبالفعل فرح الناس بالخروج وتجهزوا بنشاط
خروج النبي بجيشه إلى أحد ودور ابن سلول في التثبيط والحط من عزائم المسلمين
خرج الجيش الإسلامي وأخذ الطريق في اتجاه أحد؛ لأنه علم أن الجيش المشرك عسكر عنده، وحاول الرسول صلى الله عليه وسلم بقدر المستطاع أثناء السير أن يسير من وسط المزارع التي حول المدينة المنورة؛ حتى لا يكتشف من قبل الجيش المشرك، ووصل بالفعل إلى منطقة أحد، ومن بعد رأى الجيش المشرك، وعندما أصبحوا على مسافة قريبة من أرض المعركة حدث تمرد هائل في الجيش المسلم، فقد خرج عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، وقال: إنني لا أوافق على القتال في أرض أحد، إنني أرى أنه لن يحصل قتال، فسأعود إلى المدينة المنورة وليس بمفردي، وسآخذ معي كل من أتيت بهم، وكان تعداد الذين أتى بهم (300) مائة شخص، أي: 30% من الجيش! ومعلوم أن جيش الكفار (3000) يعني: جيش المسلمين أقل من جيش الكفار بكثير، ومع هذا كله ينسحب (300) شخص من أرض المعركة.
وقف عبد الله بن حرام رضي الله عنه وأرضاه أمام المنافقين وهم ينسحبون من أرض المعركة يقول لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، فقالوا: لا نعلم أن هناك قتالاً، فحاول معهم مرة أخرى وأخرى، لكنهم رفضوا، فقال لهم: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم نبيه، ونزل قول الله عز وجل: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167].
قد يظن الإنسان أن هذه خسارة كبيرة جداً للجيش الإسلامي، لكن بالعكس.
قال الله عز وجل يصف حال المنافقين: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة:47]، فوجود المنافقين في داخل الصف المسلم خطر كبير جداً، فإنه من الممكن جداً أن يكونوا عيناً على المسلمين، أو قد يدلون بآراء فاسدة في الجيش المسلم، بل قد يثيرون بعض الشبهات في داخل الجيش المسلم تجعل بعض المؤمنين الصادقين يترددون في أمر القتال، وهذا عين ما حدث في غزوة أحد، فإن الكلمات التي قالها عبد الله بن أبي قبيل الدخول في أرض المعركة بقليل أثرت في طائفتين من المسلمين الصادقين المؤمنين: بني حارثة من الأوس، وبني سلمة من الخزرج، قالوا: الأولى أن نعود ونقاتل في المدينة، فإن جيشنا قليل وجيشهم كثير، وفكروا جدياً في الرجوع، لولا أن الله عز وجل ثبتهم بصدق إيمانهم، فقد وقف الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة، وأقنعوهم بالبقاء في أرض المعركة في أحد؛ حتى يكملوا اللقاء، وفي حقهم نزل قول الله عز وجل: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران:122]، قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران:122]؛ لأنهم ثبتوا فعلاً في أرض القتال ولم يفروا.
وصول النبي وجيشه إلى أحد وتوجيهاته صلى الله عليه وسلم لأفراد الجيش
ودخل الرسول عليه الصلاة والسلام أرض أحد، وبدأ ينظر إلى الأرض بنظرة عسكرية ثاقبة، وبدأ يحط معسكره في المكان المناسب، واختار مكاناً في منتهى العبقرية؛ اختار مكاناً يكون عن ظهره وعن يمينه جبل أحد، فتكون له حماية طبيعية من جبل أحد، وفي نفس الوقت كان جيش مكة في مكان منخفض نسبياً وهو في مكان مرتفع، وهذا يعطيه قدرة أكبر على القتال، واكتشف صلى الله عليه وسلم في أرض القتال أن بجانبه جبل صغير عرف بعد ذلك في التاريخ بجبل الرماة، وهذا الجبل كان على شمال الجيش الإسلامي، ويعتبر ثغرة ضد مصلحة الجيش المسلم؛ لأنه لو استطاع الجيش الكافر أن يلف حول هذا الجبل لدخل على المسلمين من ورائهم، وسيكون الجيش الإسلامي محصوراً بين المشركين من الأمام ومن الخلف؛ ولكي يأمن الرسول عليه الصلاة والسلام هذه النقطة الحساسة في أرض التقال، انتخب من أصحابه خمسين رامياً ماهراً وضعهم على جبل الرماة، وأمرهم أن يصدوا عنهم هجمات الفرسان المشركين، هؤلاء الخمسون كان على رأسهم الصحابي الجليل عبد الله بن جبير الأوسي البدري رضي الله عنه وأرضاه، كان من أعظم الصحابة وأمهر الرماة فيهم، وذكر الرسول عليه الصلاة والسلام بعض الأوامر والنصائح له وللفرقة التي معه، نريد أن نقف وقفة طويلة جداً مع أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام للفرقة التي كلفت بحماية هذا الجبل.
قال الرسول عليه الصلاة والسلام لهم الأمر بطريقة فريدة، طريقة تجعل فهم هذا الأمر بصورة خاطئة يعتبر أمراً مستحيلاً، فتعالوا واسمعوا الكلام الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التوجيه الأول: خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم القائد عبد الله بن جبير أمام الرماة جميعاً.
قال له: (انضح عنا الخيل بالنبل)، هذه الجملة لوحدها تكفي المهمة في منتهى الوضوح، أي: مهمتك ومهمة الرماة أن تمنعوا خيول المشركين من الالتفاف حول الجيش الإسلامي، وليس المنع عن طريق القتال، ولكن عن طريق الرمي من أعلى الجبل، والنضح يعني: الرمي؛ لأن خيل المشركين لن تقابل بخيل من المسلمين، فالمسلمون ليس لهم خيول في موقعة أحد، ولن يستطيع الرماة بسيوفهم أن يقاتلوا هؤلاء المشركين الفرسان، فلابد أن يكون الصد عن طريق الرماية.
إذاً: هذا أمر في منتهى الوضوح وكان كافياً، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكتف به.
التوجيه الثاني: (لا يأتون من خلفنا) الواضح من الأمر الأول أن الغرض عدم الالتفاف حول الجيش الإسلامي، لكن كذلك يريد أن يوضح لهم الأمر على أتم وجه، فقال: (لا يأتون من خلفنا).
التوجيه الثالث: (إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك)، وكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يرى تماماً كل الذي سيحصل بعد ذلك في أحد، وينبه الصحابة مرة ومرتين وثلاثاً وما زال في التنبيه: (إن كانت لنا -لو كسبنا- أو علينا -لو خسرنا- لا تتركوا الجبل).
الأمر الرابع: (لا نؤتين من قبلك)، يحرك فيه المشاعر، لا يخسر كل هؤلاء المسلمين الحرب بسبب مجموعة الخمسين هذه، وكل هذا الكلام للقائد عبد الله بن جبير وكل الرماة يسمعون هذا الكلام.
ليس هذا فحسب، فالرسول عليه الصلاة والسلام ترك عبد الله بن جبير وانتقل إلى مجموعة الرماة، وبدأ يخاطبهم بنفسه، وقال لهم كلاماً في منتهى العجب، فالتوجيهات الأربعة الأولى كانت موجهة لـ عبد الله بن جبير.
أما التوجيه الخامس: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم) يعني: حتى في حال الهزيمة المرة القاتلة التي سيقتل فيها جيش المسلمين بكامله وتنزل الطيور تنهش أجساد المسلمين لا تتحركوا مع كل ذلك، فانظر إلى عظم هذا الأمر سبحان الله! الأمر السادس: (وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم)، يعني: في حالة النصر الساحق وفرار المشركين، واحتلال المسلمين لمعسكر الكافرين أيضاً لا تبرحوا مكانكم، أظن بعد ذلك إذا حصلت مخالفة فستكون مخالفة متعمدة، ولو حصلت مخالفة متعمدة لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام لا تتوقع نصراً أبداً، وهذا الذي سوف نراه في موقعة أحد.
إذاً: الرسول عليه الصلاة والسلام وجه هذه التوجيهات المباشرة الواضحة الجلية هذه إلى فرقة الرماة الخمسين، ونزل صلى الله عليه وسلم مرة أخرى إلى جيشه، وبدأ يحفز الناس على الجهاد في سبيل الله، ويذكرهم بالجنة، ثم يحفزهم على التنافس في أعمال الخير وأعمال الجهاد وأعمال القتال، فجعل بينهم نوعاً من التنافس على شيء مهم جداً، أخذ صلى الله عليه وسلم سيفاً بتاراً قوياً ورفعه بين الصحابة، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، قال هذا الكلام في وسط مجموعة من المقاتلين الأشداء من المهاجرين والأنصار، فقام إليه أكثر من واحد، منهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعمر بن الخطاب وغيرهم وغيرهم، حتى قام إليه
المحاولات المبذولة لإثارة حماس الجيش الكافر وتفكيك الصف المسلم في أحد
على الجانب الآخر كذلك كان هناك تحميس وتحفيز في الجيش الكافر، فقد بدأ أبو سفيان ترتيب جيشه، فوضع خالد بن الوليد على الميمنة، ووضع عكرمة على الميسرة، ووضع صفوان على المشاة، وهؤلاء يعتبرون من عمالقة الفرسان في الجيش المشرك، ووضع عبد الله بن ربيعة على رماة النبل، وأعطى اللواء لبني عبد الدار.
ويذكر التاريخ أن بني عبد الدار كانوا دائماً يحملون اللواء قبل الإسلام وكذلك بعد الإسلام ففي بدر كانوا يحملون اللواء، وفي أحد كذلك كانوا يحملون اللواء، ففي غزوة أحد أراد أبو سفيان أن يستثير حماسة بني عبد الدار، فقال لهم كلاماً في منتهى القسوة حتى يخرج كل ما في نفوسهم.
قال لهم: يا بني عبد الدار! قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، يعني: أنتم كنتم مشاركين في الهزيمة، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه، يعني: إن لم تكونوا بقدر حمل هذا اللواء سلموه لي وأنا سوف أتصرف، وهكذا أثار حمية وغضب بني عبد الدار، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع، وسبحان الله! صدقوا في كلماتهم؛ فقد أبيدوا عن بكرة أبيهم حول اللواء في موقعة أحد كما سنبين إن شاء الله.
إذاً: هذه كانت محاولة من أبي سفيان لاستثارة الهمة عند الجيش المشرك لحرب المسلمين، وليس هذا فحسب، بل إن النساء بدأن يحمسن جيش المشركين للحرب ضد المسلمين، وقفت هند بنت عتبة ومن معها من النساء يشجعن الجيش المشرك على القتال وينشدن الأشعار في ذلك، وهي أشعار كثيرة جداً ليس المجال أن نفصل فيها، لكن الشاهد أن كل هذه الأشعار كانت عبارة عن علاقات دنيوية أرضية مادية ليس إلا، بينما كان التحفيز على الجانب الآخر في جيش المسلمين بالجنة.
وشتان! وحاول أبو سفيان تفكيك الصف المسلم، راسل الأنصار قال لهم: خلوا بيننا وبين بني عمنا وننصرف عنكم، لا حاجة لنا إلى قتالكم، وكأنه يقول: نحن نريد محاربة القرشيين فقط، علاقتنا بكم أيها الأوس والخزرج! جيدة منذ القدم، لا نريد أن نقاتلكم، لكن هيهات! كيف لهذه الكلمات أن تقع في قلوب الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم وهم من أعظم الناس إيماناً، وقد رد الأنصار عليه رداً في منتهى العنف وأسمعوه ما يكره فعلاً.
واقتربت ساعة الصفر ودنا الجيشان من بعضهما البعض، قامت قريش بمحاولة أخرى لتفكيك الصف المسلم؛ خرج أبو عامر الفاسق الذي كفر برسول صلى الله عليه وسلم، وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق، وقد هرب إلى مكة، والآن خرج مع جيش مكة لمحاربة المسلمين في موقعة أحد، فـ أبو عامر الراهب قرر أن يحاول تفتيت الصف المسلم، فخرج ونادى على قومه الأوس، قال: يا معشر الأوس! أنا أبو عامر -يريد تذكيرهم بنفسه، وكان ابنه حنظلة بن أبي عامر في صف المسلمين، لكن شتان بين الاثنين- فقال الأوس: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق! سبحان الله! قالوا ذلك مباشرة؛ لأنهم يعرفون قصته ويعرفون تاريخه، فقالوا له كلمات بمنتهى القوة والبأس، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شراً، يقصد أنهم تغيروا، وسنرى بعد ذلك عندما يبدأ القتال أن أبا عامر الفاسق سيقاتل قتالاً شديداً في صف الكفار ضد المسلمين، وسيرمي الحجارة الكثيرة على الجيش المسلم.
إذاً: هذه كانت المحاولة الثانية من قريش لتفكيك الصف المسلم، ولكن فشلت أيضاً، والتقى الجيشان، وستبدأ بعد قليل موقعة من أشرف المواقع في تاريخ المسلمين، وهذه الموقعة في أولها كانت شديدة الشبه بموقعة بدر الكبرى التي مرت بنا في الدروس الماضية، لكن بعض التغييرات البسيطة في الصف المسلم أدت إلى نتائج عكسية هائلة كما تعلمون.
هذه التفصيلات وهذه المناورات التي دارت في أرض أحد لها موضوع خضم جداً يحتاج منا إلى تفصيل.
يوم أحد
لا يهزم جيش مؤمن متصف بصفات الجيش المنتصر، لكن إذا فقد هذا الجيش صفة من صفاته تغير الحال وانقلبت الموازين من نصر إلى هزيمة، وغزوة أحد هي مصيبة على المسلمين وليست هزيمة، وقد صرح الله سبحانه بذلك في كتابه، ومع ذلك كله لم تكن غزوة أحد شراً محضاً على المسلمين، بل إنها تحمل في طياتها الخير الكثير للمسلمين، وبقدر الذنب تكون المصيبة، فهي بمثابة الدرس، وبمثابة البلسم الشافي للمؤمنين من مرض المخالفة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
معركة أحد وما رافقها من أحداث
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الحادي عشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
وقد تحدثنا في الدرس السابق عن مقدمات غزوة أحد، تحدثنا عن الإعداد الجيد لجيش الكفار، والذي بلغ تعداده ثلاثة آلاف مقاتل بعدة جيدة للحرب.
وكذلك تحدثنا عن الإعداد الجيد للجيش المسلم، وكما ذكرنا في الدرس السابق أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج بألف من رجال المسلمين، ولكن انسحب منهم قبل أن يدخل أرض المعركة (300) من المنافقين؛ فأصبح الجيش حوالي (700) من المسلمين.
وذكرنا أيضاً أنه إلى جانب الإعداد الجيد توافرت صفات الجيش المنصور في الجيش المسلم الخارج إلى أحد، من إيمان بالله عز وجل، وإيمان برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن إيمان باليوم الآخر، وطلب الجنة والرغبة في الموت في سبيل الله، ومن أخوة وشورى، ومشاركة القائد لجنده وغير ذلك من صفات الجيش المنصور التي تحدثنا عنها بالتفصيل عند حديثنا عن غزوة بدر.
دخل الرسول عليه الصلاة والسلام أرض أحد، واحتل مواقع متميزة فيها، ووضع فرقة من الرماة على الثغرة الوحيدة الموجودة في أرض المعركة، وأكد عليهم مرة وثانية وثالثة عدم التخلي عن مواقعهم مهما كانت الظروف، قال صلى الله عليه وسلم لـ عبد الله بن جبير قائد المجموعة: (انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتون من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتين من قبلك، ثم قال للرماة: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم) فكانت الأوامر في منتهى الوضوح، لا تفتح أي باب للاجتهاد عند الرماة، بل كلها تحمل معنى واحداً وهو الثبات فوق جبل الرماة.
التحام الجيشين
بدأ القتال يوم السبت السابع من شوال سنة ثلاث للهجرة بعد حوالي سنة من غزوة بدر، بدأ اللقاء في منتهى الشراسة، وأول لقاء دار كان حول راية الكفار، وكان يحملها فارس من بني عبد الدار اسمه طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أكبر وأعظم وأشرس فرسان قريش، كانوا يلقبونه بكبش الكتيبة، فكان طلحة بن أبي طلحة أول من طلب القتال من قريش.
وخرج بهيئته المرعبة وكان راكباً جملاً، فأحجم المسلمون عن مبارزته؛ لأن شكله كان مرعباً، فتقدم الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه وانطلق إليه، وقفز فوق جمل طلحة بن أبي طلحة وجذبه من فوق الجمل إلى الأرض، وبرك فوقه وقتله رضي الله عنه وأرضاه.
فلما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام الزبير بن العوام رضي الله عنه يقتل كبش الكتيبة طلحة بن أبي طلحة قال: (إن لكل نبي حواري وحواريي الزبير) رضي الله عنه وأرضاه، واحتدم اللقاء بسرعة، واشتعلت أرض المعركة.
وتقدم عثمان بن أبي طلحة أخو طلحة بن أبي طلحة وحمل الراية وطلب القتال، فخرج له حمزة رضي الله عنه وأرضاه وقتله.
ثم خرج أخوهم الثالث أبو سعد وقتله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
وهكذا خرج مسافع بن طلحة.
ثم خرج كلاب بن طلحة.
ثم الجلاس بن طلحة، مجموعة كبيرة من بني عبد الدار، هؤلاء الستة من بيت واحد من بيت أبي طلحة.
كانت مأساة بالنسبة لبني عبد الدار، ومع ذلك خرج منهم واحد اسمه أرطأة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب.
ثم خرج شريح بن خالد فقتله غلام أنصاري اسمه قزمان.
ثم خرج واحد اسمه عمرو بن عبد مناف فقتله قزمان أيضاً.
ثم خرج ولد لـ شرحبيل بن هاشم فقتله قزمان أيضاً، فقد قاتل قزمان قتالاً شديداً في يوم أحد.
فهؤلاء عشرة قد قتلوا كلهم من بني عبد الدار، وكان كل واحد منهم يسلم الراية للآخر؛ لأنهم كانوا قد عاهدوا أبا سفيان ألا يتخلوا أبداً عن الراية، وصدقوا في ذلك.
ثم خرج مولى لبني عبد الدار كان اسمه صواب من الحبشة قاتل قتالاً أشد من السابقين جميعاً حتى قطعت يده الأولى ثم الثانية، ثم قطع رأسه وهو يحمل الراية حتى سقط، وبسقوط هذا الغلام الحادي عشر سقطت الراية المشركة، ولم يتسلمها أحد بعد ذلك.
كان اللقاء بأعلى مستوى، فالأرض كلها هجوم كاسح شامل، وكان شعار المسلمين في هذا اليوم: أمت أمت، وكانت البداية في صالح المسلمين، فقد قتلوا أحد عشر قتيلاً من غير أن يقتل واحد من المسلمين، فقد كان انتصاراً ضخماً ضعفت به معنويات الكفار، وارتفعت معنويات المسلمين إلى أعلى درجة، وبدأ المسلمون يقتلون في الكفار ويسيطرون على الموقف تماماً، وقاتل جميع المسلمين بمنتهى الضراوة والقوة.
بلاء وقتال أبي دجانة وحمزة وغيرهما
كان من أبرز المقاتلين المسلمين في هذه اللحظات أبو دجانة وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، فهذان قد فعلا الأفاعيل بجيش قريش.
أخذ أبو دجانة السيف الذي أعطاه صلى الله عليه وسلم، وربط على رأسه عصابة حمراء، وقال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، فجال في الأرض وقتل الكثير من المشركين.
وهناك موقف للزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان في نفسه غاضباً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أعطى السيف لـ أبي دجانة ولم يعطه هو، فقال الزبير في نفسه: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع -أي: سأرى أبا دجانة ماذا سيفعل في هذه الموقعة حتى يعطى هذا السيف- فاتبعته فرأيته وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول.
والكيول: مؤخرة الصفوف، يعني: أقاتل في مقدمة الصفوف.
أضرب بسيف الله والرسول قال الزبير بن العوام: فجعل لا يلقى أحداً من المشركين إلا قتله، وكان في المشركين رجل شديد جداً يقتل كل جريح مسلم فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة فاجتمعا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته -بدرعه- فعضت بسيفه فضربه أبو دجانة فقتله.
وأخذ أبو دجانة يخترق صفوف الكفار حتى وصل إلى آخره، وكان في آخر الجيش النساء، فرفع سيفه ليضرب إنساناً.
يقول أبو دجانة: رأيت إنساناً يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا هو امرأة -وهي هند بنت عتبة - فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة.
هذا هو أبو دجانة رضي الله عنه وأرضاه.
وقاتل حمزة بن عبد المطلب أيضاً كقتال أبي دجانة رضي الله عنهما، قاتل قتالاً شديداً في كل الميادين، ولم يقف أبداً في وجهه أحد من المشركين، لكن وقف في ظهره أحدهم، وهو وحشي بن حرب أحد الغلمان في جيش المشركين، وله قصة، يقول وحشي بن حرب: كنت غلاماً لـ جبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق، المسألة مسألة ثأر تماماً، قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلما أخطئ بها شيئاً، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهد الناس هداً ما يقوم له شيء، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته -يعني: في أحشائه- حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب -يعني: بعد أن ضرب حمزة بالحربة ذهب ليقتل وحشياً - وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيها ولم يكن لي بعده حاجة وإنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت.
لقد كان قتل حمزة رضي الله عنه وأرضاه أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم خسارة فادحة خسرها المسلمون، ومع قتل هذا الأسد العظيم رضي الله عنه إلا أن المسلمين ظلوا مسيطرين تماماً على الموقف في أرض أحد، فقد قاتل عامة المسلمين يومئذ قتالاً شرساً شديداً عظيماً، قاتل أبو بكر وقاتل عمر وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جحش وسعد بن معاذ كل المسلمين أبلوا بلاءً حسناً في ذلك اليوم.
وكان لـ خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه -وكان يومئذ مشركاً- نظرة عسكرية ثاقبة، رأى الثغرة التي من الممكن أن يلتف على المسلمين عن طريقها، فجاء خالد بن الوليد بفرقة من الفرسان والتف حول جبل الرماة، لكن فوجئ بسيل من السهام من كتيبة الرماة من فوق الجبل، فردت خالد بن الوليد ولم يستطع مع كل ذكائه وعبقريته وحنكته العسكرية أن يتجاوز هذه الكتيبة ويأتي الجيش المسلم من الخلف، وقرر خالد المحاولة مرة ثانية وثالثة، وفي كل مرة يفشل في تجاوز كتيبة الرماة التي قامت حتى هذه اللحظة بمهمتها على أكمل واجب.
انتصار المسلمين في غزوة أحد في أول الأمر
بدأت الهزيمة تدب في الجيش المشرك ثلاثة آلاف مشرك، كأنهم يقابلون ثلاثين ألف مسلم، مع أن المسلمين كلهم سبعمائة، وبدأ المشركون يفكرون في الهروب، وبدءوا فعلاً في الهروب، وعادوا يتراجعون إلى الوراء شيئاً فشيئاً، ثم بدءوا يولون وجوههم قبل مكة، حتى إنهم تركوا النساء وراءهم.
يقول الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير.
يعني: انتهت الموقعة ومن الممكن أخذ النساء سبياً.
فكان نصراً عظيماً للجيش المسلم، لا يقل هذا النصر روعة عن نصر بدر، فالله سبحانه وتعالى قال: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران:152] تحسونهم أي: تستأصلونهم، فالله سبحانه وتعالى وعد المسلمين إن كانوا صابرين ومتبعين لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم النصر في أحد وفي غيرها، وقد بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قبل الخروج إلى أحد، والمسلمون إلى هذه اللحظة ملتزمون تماماً بما قال لهم صلى الله عليه وسلم، وبما كانوا عليه يوم بدر؛ لذلك تحقق النصر حتى هذه اللحظة.
إذا وقفنا وحللنا فإننا سنجد أن هذا الجيش إلى الآن مؤمن بالله عز وجل، ومؤمن باليوم الآخر يطلب الجنة، والشورى طبقها، والإعداد الجيد طبقه، والقائد في هذا الجيش يعيش مع شعبه ويشترك معهم في كل صغيرة وكبيرة، وأخوة في الله واضحة في أثناء القتال، والأمل في قلوبهم، واليقين في نصر الله عز وجل يملأ نفوسهم، والأمر موسد إلى أهله، والصفات العشر التي تكلمنا عنها في غزوة بدر كلها متحققة إلى هذا الوقت في جيش أحد، فكان النصر للمسلمين.
انقلاب الموازين في آخر معركة أحد لصالح المشركين
بعد هذا الانتصار العظيم للمسلمين، وبعد هذا الهروب الكبير لجيش المشركين، تخلى بعض المسلمين عن صفة واحدة من هذه الصفات العشر، فتغير الموقف تماماً، ففي أثناء هروب المشركين من أرض المعركة متجهين إلى مكة ألقوا كل ما معهم من الأمتعة والممتلكات والأثقال والأحمال، ألقى المشركون الدنيا خلفهم؛ ليتخففوا، وليستطيعوا الهرب، ورأى الرماة المسلمون من فوق الجبل الدنيا التي ألقاها المشركون خلفهم، فأخذ الرماة قراراً عجيباً، أخذوا القرار بالنزول لجمع دنيا المشركين.
تخيل! المخالفة الواضحة الصريحة لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، النزول من أجل جمع دنيا المشركين، قالوا: الغنيمة الغنيمة! الغنيمة الغنيمة! فهذه الغنيمة وهذه الدنيا وهذه الأموال أعمت أبصارهم تماماً عن تذكر ما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم، لكن القائد عبد الله بن جبير وقف لهم وذكرهم وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: الغنيمة الغنيمة! فكانت مخالفة متعمدة لكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكلام القائد المباشر عبد الله بن جبير.
وهكذا نزل ثمانون في المائة من الرماة، حيث نزل أربعون من الرماة من أصل خمسين؛ ليجمعوا الغنيمة مع المسلمين، ورأى خالد بن الوليد الثغرة، وكان قائداً عسكرياً محنكاً، وأتى بفرقته بسرعة والتف من حول جبل الرماة، وحاول عبد الله بن جبير رضي الله عنه ومن تبقى معه من الرماة أن يمنعوا خالد بن الوليد من الدخول على الجيش الإسلامي من الخلف، لكنهم فشلوا، فحاول عبد الله بن جبير قتالهم إلا أن مجموعة من فرسان المشركين قتلوه ثم أبادوا بقية الرماة.
والتف خالد بن الوليد من وراء الجيش الإسلامي وصاح صيحة عالية جداً سمعها المشركون الذين يفرون، أدركوا منها أن خالداً التف حول الجيش الإسلامي فعادوا للقتال من جديد، وحصر المسلمون بين خالد بن الوليد من الخلف والمشركين من الأمام، وهكذا وضع المسلمون بين فكي كماشة، وأسرعت امرأة من المشركين كان اسمها عمرة بنت علقمة، ورفعت اللواء الساقط على الأرض، واهتاج المشركون، وتحمسوا حماساً كبيراً في الهجوم على المسلمين، وقوتهم ذكريات بدر وذكريات الهزيمة الأولى في أحد، وبدءوا يضغطون على المسلمين من الناحيتين.
التفاف المشركين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسجيل الصحابة أروع البطولات في الدفاع عنه
كان الرسول عليه الصلاة والسلام في آخر الجيش المسلم ينظم الصفوف، ولما التف خالد بن الوليد حول الجيش الإسلامي، كان أول فرقة من المسلمين قابلها هي الفرقة التي فيها الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ير خالد بن الوليد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن ما هي إلا دقائق وسيظهر؛ لأنه آخر الصفوف، فلابد أن يختار صلى الله عليه وسلم أحد اختيارين: إما أنه يهرب بالتسعة إلى أي مكان في أرض المعركة حتى يستطيع أن يقاوم من جديد، وإما أن ينادي الجيش حتى يجتمع من جديد، ويبدأ في محاولة لاستعادة الموقف على أرض أحد.
لكن لو نادى صلى الله عليه وسلم الناس فمن المحتمل أن المشركين الذين باغتوا المسلمين من الخلف يسمعون صوته، ولو سمعوا صوته لأحاطوا به عليه الصلاة والسلام وقتلوه، ومع ذلك في شجاعة نادرة اختار الرسول عليه الصلاة والسلام الحال الثاني، ونادى بأعلى صوته لاستعادة الموقف من جديد قال: (إلي عباد الله! إلي عباد الله! أنا رسول الله) وهكذا بدأ يعلي صوته؛ ليسمع المسلمون.
صار المسلمون في حالة اضطراب شديدة جداً، فذاك ينظر قدامه، وذاك ينظر وراءه، والمشركون في حالة نشاط عجيب، وصار الموقف مأساوياً، سمع خالد بن الوليد الرسول صلى الله عليه وسلم ينادي، فانطلق إلى المنطقة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرها، وبدأت الفرقة التي حول الرسول عليه الصلاة والسلام تقاتل قتالاً شديداً، تسعة ضد فرقة كاملة من الفرسان، والرسول صلى الله عليه وسلم يشجعهم ويقول: (من يردهم عنا وله الجنة -أو يقول-: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة).
فتقدم أنصاري وقاتل قتالاً شديداً حتى استشهد رضي الله عنه وأرضاه، ثم تقدم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم السادس، ثم تقدم سابعهم عمارة بن يزيد بن السكن رضي الله عنه وأرضاه، وكل هؤلاء السبعة من الأنصار، فقاتل عمارة قتالاً شديداً حتى أصيب رضي الله عنه وأرضاه، فسقط على الأرض، واقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضع رأسه على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد وخده ملتصق بقدم الحبيب صلى الله عليه وسلم.
وتأثر الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف، قال: (ما أنصفنا أصحابنا)، تقدم الأنصار الواحد تلو الآخر، ولم يتقدم طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، فأثار هذا الموقف حمية طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فقاما يقاتلان قتالاً شديداً، لكن ماذا يعمل اثنان وسط هذه المجموعة الضخمة من المشركين؟ وتقدم من الكفار عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص.
تخيل! سعد بن أبي وقاص يدافع عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وأخوه عتبة يقذف بالحجارة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفجرت الدماء من رأسه صلى الله عليه وسلم، وجاء عبد الله بن شهاب الزهري أحد المشركين فشجه شجة منكرة في رأسه صلى الله عليه وسلم، ثم جاء إليه رجل اسمه عبد الله بن قمئة وضربه بالسيف ضربة شديدة على كتفه صلى الله عليه وسلم، وظل صلى الله عليه وسلم يشتكي منها شهراً كاملاً بعد ذلك، ثم ضرب وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، فدخلت حلقتان من حلقات المغفر الذي كان فوق رأس الحبيب صلى الله عليه وسلم في وجنته، وابن قمئة يقول: (خذها وأنا ابن قمئة، فقال صلى الله عليه وسلم: أقمأك الله) أي: أهلكك الله، واستجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم، فبعد غزوة أحد بقليل وقع من فوق جبل في بلده وقتل.
وهكذا تفجرت الدماء من رأسه ومن جسده صلى الله عليه وسلم، وهو يمسح الدم من على وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟ فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128]).
وفي هذا الموقف قام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه وطلحة بن عبيد الله بعمل لا يستطيع أن يقوم به إلا جيش كامل، فقد كان سعد بن أبي وقاص يرمي بسهامه المشركين، مجموعة ضخمة من المشركين حول المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يرد سعد بن أبي وقاص بسهامه هذه المجموعة الضخمة، وأعجب الرسول صلى الله عليه وسلم بأداء سعد بن أبي وقاص حتى قال له: (ارم سعد فداك أبي وأمي)، وهكذا جمع له صلى الله عليه وسلم أبويه يفديه بهما، فكان ذلك فخراً له رضي الله عنه وأرضاه.
وحارب طلحة بن عبيد الله حرباً ضروساً في ذلك اليوم، وقاتل من كل مكان حول المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى وصلت الجروح التي أصابت جسده
أثر إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين
كان الجميع يقاتل حول المصطفى صلى الله عليه وسلم، فجاء مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو يحمل راية المهاجرين، وقاتل قتالاً شديداً حول المصطفى صلى الله عليه وسلم فقطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فقطعت شماله، فبرك على الراية رضي الله عنه وأرضاه وهو قابض عليها بعضديه، وجاء المشركون من خلفه وقتلوه، فسقط على الأرض وهو يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران:144].
وكان مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه شديد الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فظن المشركون أنهم قتلوا المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقال ابن قمئة وكان هو الذي قتل مصعب بن عمير: قتلت محمداً، قتلت محمداً، وانتشر الخبر في أرض المعركة بكاملها، فكان هذا الخبر مأساة على المسلمين.
وهكذا أشيع أن الحبيب صلى الله عليه وسلم قد قتل، فالأمر لا يمكن أن يتخيلوه أبداً، فإنهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون الرسول صلى الله عليه وسلم، كيف ينقطع الوحي؟ كيف لا تتم الرسالة؟ كيف؟ كيف؟ ظهرت أسئلة كثيرة في أذهان الناس، وأحبط كثير من المسلمين في أرض القتال.
ووصل الإحباط بالبعض إلى أن جلس على أرض المعركة دون قتال، القتال دائر من حوله وهو لا يرفع سيفه ليدافع حتى عن نفسه، هذا فهم خاطئ، فالقتال ليس من أجل المسلمين وليس من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما القتال في سبيل الله عز وجل، والله حي لا يموت، فلماذا القعود والإحباط؟! إن قضية القتال في سبيل الله لا يجب أن تغيب أبداً عن ذهن المؤمن، بل عليه أن يكون كالصحابي الجليل ثابت بن الدحداح رضي الله عنه وأرضاه من المشاركين في غزوة أحد، لما رأى الناس قعدوا على الأرض ذهب إليهم وقال في إيمان عميق وفهم دقيق: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فإن الله حي لا يموت، ثم قاتل رضي الله عنه وأرضاه حتى استشهد.
قال ذلك أيضاً أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه، مر على بعض المسلمين وهم جلوس على أرض القتال، قد فقدوا روح القتال والمقاومة، فقال لهم: ماذا تنتظرون؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال في منتهى الشجاعة والقوة: قوموا فموتوا على ما مات عليه صلى الله عليه وسلم، إن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت.
ثم قال وهو ينظر إلى المسلمين الذين أحبطوا وقعدوا على أرض القتال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المسلمين-، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين-، ثم تقدم رضي الله عنه وأرضاه ليلقى المشركين، فلقيه سعد بن معاذ فقال له سعد: أين يا أبا عمر! رآه يدخل في وسط المشركين، فقال أنس: واهاً لريح الجنة يا سعد! إني أجده دون أحد -أي: أشم رائحة الجنة عند أحد- ثم مضى رضي الله عنه وأرضاه وقاتل المشركين قتالاً شديداً ضارياً حتى استشهد رضي الله عنه وأرضاه، وطعن أكثر من ثمانين طعنة في جسمه، ولم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه.
واستمرت إشاعة موت الرسول عليه الصلاة والسلام في الجيش إلى أن اكتشف كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه ممن شارك في غزوة أحد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حي لم يقتل، فنادى في المسلمين: أبشروا أبشروا! رسول الله صلى الله عليه وسلم حي، فأشار له صلى الله عليه وسلم أن يصمت؛ لئلا يلفت أنظار المشركين، ومع ذلك سمع ثلاثون شخصاً من المسلمين كلمة كعب بن مالك؛ ففاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدءوا يحوطونه، وبدأ الرسول عليه الصلاة والسلام يقود هذه المجموعة للانسحاب المنظم في اتجاه الجبل.
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام ينادي مجموعة أخرى من المسلمين من بعيد (إلي عباد الله! إلي عباد الله!) لكن هناك مجموعة لم تكتف بالإحباط والقعود في أرض القتال، بل فعلت ما هو أشد وأنكى، لقد قررت هذه المجموعة الفرار من أرض القتال، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، فمنهم من فر وهو يصعد إلى الجبل، ومنهم من فر في طريقه إلى المدينة حتى وصل إلى المدينة المنورة فاراً، والرسول صلى الله عليه وسلم يناديهم وهم يسمعون ولا يلبون، وذكر الله ذلك في كتابه: {إِذْ تُصْعِدُونَ} [آل عمران:153] أي: إلى الجبل {وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} [آل عمران:153] أي: في آخر الجيش ينادي المسلمين، وهم يسمعون هذا النداء ولا يلبون.
ومع هذه الكارثة استطاع الرسول عليه الصلاة والسلام أن ينسحب إلى الجبل بالثلاثين الذين معه من المسلمين، وبينما هو يصعد إلى الجبل إذ رآه عدو الله أبي بن خلف أحد كبار المشركين، فجاء يجري من بعيد ويقول: لا نجوت إن نجا لا نجوت إن نجا، وأراد الدخول على الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال القوم للرسول عليه الصلاة والسلام:
تمثيل المشركين بجثث قتلى المسلمين آخر المعركة
قام المشركون بعد صعود النبي صلى الله عليه وسلم بعمل شنيع، التفتوا إلى جثث المسلمين الملقاة على أرض الموقعة -سبعون شهيداً في أرض أحد- وبدءوا يمثلون بالجثث، فقامت النساء بتقطيع آذان الرجال المسلمين وأنوفهم، ويصنعن منها خلاخيل وقلائد ويلبسنها، فكن في منتهى الإجرام، وذهبت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وكانت من أشد الكفار ضراوة على المسلمين إلى حمزة رضي الله عنه وأرضاه عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وشقت بطنه وأخرجت قطعة من كبده رضي الله عنه وأرضاه وحاولت أن تأكلها، ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها، يعني: أخرجتها من فمها.
وهذا يعبر عن مدى الغل والحقد الذي كان في قلوب المشركين، فإن هند بنت عتبة كانت موتورة؛ فقد قتل أبوها عتبة بن ربيعة في غزوة بدر، وعمها شيبة بن ربيعة أيضاً في غزوة بدر، وأخوها الوليد بن عتبة في غزوة بدر، وابنها حنظلة بن أبي سفيان في غزوة بدر، فهؤلاء أربعة قتلوا في غزوة بدر من أقاربها، وهذا بالنسبة لها كانت كارثة، وكان حمزة رضي الله عنه ممن اشترك في قتل أقاربها، فقد شارك في قتل الوليد بن عتبة وقتل شيبة بن ربيعة.
كان هذا الموقف في أرض القتال بعد صعوده صلى الله عليه وسلم إلى الجبل، صعد الرسول صلى الله عليه وسلم الجبل وما زالت الدماء تنزل من رأسه، وحاول الصحابة من حوله أن يوقفوا الدماء، فكانوا يصبون الماء فوق رأس الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الماء كان يزيد الجرح نزيفاً، وكانت فاطمة رضي الله عنها مع الجيش الإسلامي في ذلك الوقت، فلما رأت هذا الموقف أتت بحصير وأحرقته، وبدأت تدفع الحصير في داخل الجرح في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توقف النزيف.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف يقاتل من أول الصباح إلى الظهيرة، فجاء وقت صلاة الظهر وجمع المسلمين لأدائها، لكنه لم يستطع أن يقف صلى الله عليه وسلم من شدة الإصابات التي أصابته، فصلى قاعداً وصلى المسلمون قعوداً بقعوده صلى الله عليه وسلم.
موقف المشركين من إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم وتمثيلهم بالشهداء
ما زال المشركون يعتقدون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، وبعض المسلمين مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعض المسلمين شهداء في أرض الموقعة، وبعض المسلمين فر إلى أماكن مختلفة من الجبل، وبعض المسلمين فر إلى المدينة المنورة.
فالوضع كما ترون كان مأساوياً حقيقياً.
وجاء أبو سفيان ليشمت بالمسلمين، فعرف أن هناك مجموعة من المسلمين قد فرت إلى الجبل، فجاء هو ومن معه من المشركين؛ ليخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان حياً، أو ليتأكد على أنه قتل، فنادى أبو سفيان: أفيكم محمد؟ فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه: لا تجيبوه.
أشار إشارة فهم منها الصحابة ألا يجيبوا أبا سفيان؛ حتى لا يكشفوا المكان الذي هم فيه، فلم يجب الصحابة، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجيبوه فلم يجبه أحد، فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ وأخذ يرتب في سؤاله عن الأشخاص، فمن أهم شخصية إلى الوزير الأول ثم الوزير الثاني فلم يجيبوه.
ففرح أبو سفيان وقال: أما هؤلاء الثلاثة فقد كفيتموهم، أي: قد قتلوا، فلم يتمالك عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه.
قال: أي عدو الله! إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله ما يسوءك، مع أنه صلى الله عليه وسلم قال له: لا تتكلم، لكنه لم يستطع أن يمسك نفسه، فأحب أبو سفيان أن يرد الغيظ إلى المسلمين مرة أخرى، فقال كلمة شنيعة، قال: قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
فانظر إلى الشر الذي كان في داخلهم في تلك الساعة، فإن من طبيعة العرب ألا يمثلوا بالجثث، لكن خرجوا عن منهجهم تماماً في هذه الموقعة، وأراد بذلك أن يغيظ عمر بن الخطاب ومن معه من المسلمين، ثم قال: أعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه؟ فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقال الصحابة: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال.
فأجاب عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) وفي رواية: أن الذي قال هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عند ذلك قال أبو سفيان: هلم إلي يا عمر! فقد كان أبو سفيان يسمع صوت سيدنا عمر رضي الله عنه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ائته فانظر ما شأنه -أي: انظر ماذا يريد- فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر! أقتلنا محمداً؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليستمع كلامك الآن، فقال أبو سفيان -وانظر إلى احترام المشركين للمسلمين- أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر).
إن احترام المسلمين موجود عند كل المشركين، وعند كل أعداء الأمة، فهم يحاربونك ويقاتلونك ويضيقون عليك الخناق، وفي داخلهم يكنون الاحترام الكامل لشخصيتك ولدفاعك عن مبادئك، ولتضحيتك في سبيل دينك وفكرتك، هذا هو الواقع؛ لذلك صدّق أبو سفيان عمر وهو عدو له، ولم يصدق ابن قمئة أحد جنود الجيش المشرك معه.
وانسحب أبو سفيان، ولم يفكر أن يصعد الجبل مرة ثانية واكتفى بما فعل، وعاد مع المشركين في اتجاه مكة، وانتهت موقعة أحد بذلك.
موقف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من شهداء أحد
نزل الرسول عليه الصلاة والسلام من فوق الجبل ليتفقد الشهداء، وكان موقفاً مريعاً، سبعون من أفاضل المسلمين كلهم ملقى على أرض أحد، كان منهم: حمزة بن عبد المطلب وعمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، وحنظلة، وخيثمة، كثير من شهداء المسلمين سقطوا في يوم أحد، فوقف صلى الله عليه وسلم ونظر إلى الشهداء وقال: (اللهم إني شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
وكان هناك أناس من الصحابة أخذوا بعض الشهداء ليدفنوهم في المدينة، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يردوا جميعاً إلى أرض أحد ويدفنوا فيها، وألا يغسلوا ولا يكفنوا، بل يدفنوا في ثيابهم بعد أن تنزع الدروع والجلود من فوقهم.
وكان صلى الله عليه وسلم يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ويجمع بين الرجلين أحياناً في ثوب واحد، ويقول: (أيهم أكثر أخذاً للقرآن) فمن كان يحفظ القرآن أكثر وضعه الأول في اللحد.
وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) مرة ثانية، وكررها كثيراً في ذلك اليوم، وكان إذا علم أن بين اثنين من الصحابة محبة كبيرة دفنهما معاً، فدفن عبد الله بن عمرو بن حرام مع عمرو بن الجموح رضي الله عنهم أجمعين.
ولما رأى صلى الله عليه وسلم ما حدث بـ حمزة رضي الله عنه اشتد حزنه وتقطع كبده صلى الله عليه وسلم وبكى بكاءً شديداً، وانتحب حتى نشغ -كما يقول الراوي- من البكاء، يعني: صار له شهيق عال من البكاء.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب) بل وضعه صلى الله عليه وسلم في القبلة وصلى عليه مع كل شهيد رضي الله عنهم أجمعين وأرضاهم.
كذلك مصعب بن عمير رضي الله عنه ممن قتل شهيداً في يوم أحد، وكفن في ثياب بالية رثة، يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه.
وذكروا ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام فقال: (غطوا بها رأسه بهذه البردة، واجعلوا على رجله الإذخر) والإذخر نبات.
إن وضع الشهداء كان مؤلماً جداً للمسلمين، ومع كل هذه الأحداث جمع الرسول صلى الله عليه وسلم كل الموجودين في أرض القتال، وقال لهم: (استووا حتى أثني على ربي عز وجل) يا الله! موقف عجيب في كل مواقفه صلى الله عليه وسلم، فصاروا خلفه صفوفاً، فوقف صلى الله عليه وسلم يدعو والجميع يؤمن على دعائه، استمعوا إلى دعائه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق).
هذا دعاء جميل، دعاء فيه الشكر الدائم لرب العالمين سبحانه وتعالى في كل الظروف، حتى لو كان ذلك بعد مصيبة أحد، دعاء فيه إعلان أن كل شيء بإذن الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى قادر على منع الهزيمة، لكنه أوقع المصيبة بالمسلمين لِحكَمٍ كثيرة يعلمها، قال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران:166].
إذاً: هذا دعاء فيه تعظيم الآخرة في عيون الصحابة، خاصة في هذا الموقف، لما قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول) حتى لو ضاقت الدنيا كلها وأعطيتنا الآخرة فنحن الرابحون، دعاء فيه وضوح الرؤية في حرب كل من صد عن سبيل الله، سواء كانوا من المشركين أو من الكفرة من أهل الكتاب الذين قاتلوا المسلمين، دعاء جامع شامل يعبر عن فهم دقيق للحبيب صلى الله عليه وسلم.
رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، واستقبل في حزن شديد، فكل بيت تقريباً فيه شهيد، وقابلته في الطريق حمنة بنت جحش رضي الله عنها ونعى إليها صلى الله علية وسلم

حقيقة غزوة أحد وأسباب مصيبة المسلمين فيها(التدوينة القادمة )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق