الثلاثاء، 17 فبراير 2015

جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد .. حقائق من أسطر التاريخ -1

الحالة السياسية المتذبذبة في مصر في العشرينيات

كانت مصر تمر بحالة خواء سياسي ملحوظ ، فبرغم تواجد العديد من الأحزاب السياسية غير الإسلامية إلا أنها جميعها كانت أحزابا ورقية لا تواجد فعلي لها على الساحة ، باستثناء حزب الوفد الذي كان له تواجد قوي ، و تأثير واضح في الشارع المصري من قبل العامة و الخاصة حتى أنه كان يعرف بحزب الأغلبية ، وأيضا بالحزب الجماهيري الكبير .
لكن يبقى العامل المشترك بين حزب الوفد و غيره من الأحزاب هو تلك الشعارات الزائفة ،و الكلمات الرنانة و الخطب الحماسية التي تلهب مشاعر الشعب ، أضف إلى ذلك التنازع فيما بينهم للوصول إلى الزعامة و كرسي الحكم .
يقول الإمام البنا عن هذا الغثاء الحزبي السياسي :
" إن نهضتنا لا تزال مبهمة لا وسائل لها ولا غايات ولا مناهج ولا برامج.
سل أي زعيم سياسي:رئيس الوفد أو رئيس الأحرار أو رئيس حزب الشعب أو رئيس حزب الاتحاد عن المنهج الذي أعده للنهوض بالأمة والسير بها إلى نوال أغراضها. لا شيء أبداً" .
وفي خضم كل هذا الغثاء الذي لا نفع فيه للإسلام و المسلمين .. ظهرت على الساحة جماعة الإخوان المسلمين بقيادة مرشدها الإمام البنا .
هذه الجماعة نأت بنفسها عن الدخول في صراعات الأحزاب السياسية .. فلم تكن أبدا حزبا سياسيا.. بل كانت جماعة لها برنامجها الواضح و الذي لم يتواجد لدى الأحزاب السياسية الأخرى بما فيها حزب الوفد . هذا البرنامج هو شمولية الإسلام للحياة ، وتحكيم شرع الله .
وانتشرت أطايب ثمار هذه الجماعة في كل حدب وصوب ، ووصلت إلى كل يد من أبناء الشعب الذين أدركوا صدق هذه الجماعة و إخلاصها ، فسارعوا بالانضمام تحت لوائها . وبدأ حزب الوفد يفقد المئات من أنصاره و مؤيديه ، خاصة بعد معاهدة 1936م فتراجعت على إثر ذلك شعبيته كثيرا .
يقول الأستاذ محمود محمد عبد الحليم واصفا الفراغ السياسي الذي كانت تمر به البلاد في ذلك الوقت برغم تواجد الأحزاب التي كان لها مآرب أخرى في الحكم و ليس في مصلحة البلاد :
" أما الأحزاب التقليدية وهى فى ذلك الوقت الوفد والأحرار والدستوريون والسعديون ، فهذه أحزاب أوجدتها ظروف معينه وانتهت هذه الظروف وكان يجب أن تنتهي هذه الأحزاب بانتهائها ولكنها تشبثت بالبقاء دون أن يكون لها برامج محددة أو أساليب إصلاحية معينة ، ولم يكن لها جميعا إلا هدف واحد تسعى إليه هو الوصول إلى كراسي الحكم لا يبالون عن أي طريق يصلون ، وفى غضون هذا التهالك على الحكم ضيعت مصالح البلاد ، وديست كرامتها ، وتمكن المستعمر من رقاب أهلها ، وفقد الشعب الرؤية الصحيحة بعد أن استطاعت هذه الأحزاب قلب المفاهيم لكلمات تتصل بالروح الوطنية ، فاختفت من قاموس هذه الأحزاب كلمة المستعمر وحل محلها الحليف ، واختفت كلمة الثورة وحل محلها المفاوضة ، وزفوا إلى الشعب معاهدة الإذلال والاحتلال فى ثوب معاهدة الشرف والاستقلال . هذه الأحزاب بعيدة كل البعد عن دعوة الإخوان المسلمين ولا يكاد يكون بيننا وبينهم وجه شبه فى حين أن بيننا وبينهم كل أوجه الخلاف فنحن فى واد وهم فى واد آخر ."
ويحلل الأستاذ جمعة أمين الوضع السياسي في ذلك الوقت فيقول :
" لكن سرعان ما انصرفت الجماهير عن حزب الوفد بعد معاهدة 1936م مع الاستعمار وبدأت تتطلع إلي قيادة جديدة وتنظيمات سياسية أخري .
ولم يكن لأحزاب الأقلية أي توجه شعبي علي عكس الإخوان التي حرص مؤسسها من أول يوم علي دعوة الجميع حتى أصحاب المقاهي من عامة الشعب إلي فكرته وتعريفها بحقها ، وإيقاظ الإيمان في قلوبها . فانتشرت الدعوة في أوساط فئات الشعب المختلفة ، وانجذب إليها العمال ، والطلاب والمثقفون الساخطون علي سياسة الوفد وأحزاب الأقلية معا ، مما أدي إلي توسيع قاعدتها الجماهيرية في وسط الشعب المصري .
وبتحليل الوضع السياسي لمصر إبان القرن العشرين يمكن أن نستخلص عدة حقائق منها :
1. ظهور الشيخ حسن البنا في وقت يسوده وضع سياسي متهرئ : محتل غاشم مستبد ، وملك متسلط لاه ، وأحزاب متناحرة نفعية ، وشعب ذليل جاهل ، وإن كان متدينًا بفطرته متطلعًا لرجل ف ذ يفهم ذلك الوضع ويقود الناس إلي طريق خلاصهم وسعادتهم .
2 . تأثر جماعة الإخوان بالقوى السياسية الفاعلة في مصر - مثل الإنجليز والأحزاب - وتفاعلها مع الأحداث مع الأحداثالسياسية المتجددة وقتذاك ، مما كان له أكبر الأثر في نشأتها وتطورها من حيث الأهداف والفكر والحجم .
3. دلالة ذلك الوضع السياسي علي أن نظام الحكم الإسلامي كان منعدما ، وإذا أضيف إلي ذلك إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيا عام 1924م والذي كان له وقع شديد الأثر في مصر ، حيث أوجدت حاجة ملحة لأن يعمل الناس من أجل إعادة الدولة الإسلامية ذات الاستقلال ، والحكومة الإسلامية ذات السيادة ، والخلافة الإسلامية الضائعة .
4. برزت عدة قضايا أساسية تحتاج من يقوم بالتوعية بها منها قضية التحرر من الاستعمار ، وقضية الحكم الإسلامي ، وقضية الحريات ، وقضية فقدان الأمل في الحكومات والأحزاب لكي تقوم بهذه المهمة ، فأنبرت جماعة الإخوان من بين الصفوف تعرف الناس بذلك ، وتثبت صحة اتجاهها ."

حزب الوفد في سطور

هو حزب سياسي ليبرالي ، تشكل في مصر عام 1918م، وكان يسمى بحزب الأغلبية أو الحزب الجماهيري الكبير قبل ثورة 23 يوليو المصرية التي أنهت عهد الملكية، وحولت البلاد إلى النظام الجمهوري.
ولم يعد الحزب إلى نشاطه السياسي إلا في عهد الرئيس أنور السادات بعد سماحه للتعددية الحزبية، وقد اتخذ لنفسه اسم حزب الوفد الجديد سنة 1978م .
وقد تولى الوزارة معظم الوقت في مصر منذ عام 1924م وحتى عام 1952م .


من شخصيات حزب الوفد البارزة

سعد زغلول :
مؤسس حزب الوفد عام 1918م ، وعلى إثر ذلك نفي و أصحابه إلى جزيرة مالطة بالبحر المتوسط بمعرفة الإنجليز وذلك لتلميعه في مصر على حساب محمد فريد، فكانت ثورة الشعب عام 1919م والتي كانت من أقوى عوامل زعامة سعد زغلول ، و التمكين لحزب الوفد . وظل زعيما للحزب حتى أجبره الإنجليز على الاستقالة بعد مقتل السير لي ستاك قائد عام الجيش المصري على يد أحد المجاهدين، توفي عام 1927م.
مصطفى النحاس :
تولى زعامة حزب الوفد من عام 1927م حتى عام 1952م .وكان مسئولا عن المعاهدة المصرية البريطانية عام 1936م معاهدة الاستقلال والشرف والتي لا حققت استقلالاً ولا حازت شرفاً وتضمنت هذه المعاهدة شروطاً سبعة تحولت بموجبها العلاقة بين مصر وإنجلترا من علاقة أعداء إلى علاقة أصدقاء ومن احتلال إلى تحالف وتناصر وهكذا تهدر كل الجهود والتضحيات التي قام بها المجاهدون خلال خمسين سنة سابقة إلا أنه ألغاها لاحقا تحت ضغط الشعب حين لم يفي المحتل بوعده بالجلاء عن مصر.
تولى رئاسة الوزراء سبع مرات ومن المعروف أنه جاء في 4 فبراير عام 1942م ووزارته بعد ضغط الإنجليز على الملك فاروق وتهديده بنفيه إلا يتولى النحاس باشا، حيث أتو به للوزارة بدباباتهم ، ولما أدى ما هو مطلوب منه من تأييد للإنجليز في حربهم ضد الألمان ، أذنوا لفاروق بإقالته، توفي عام 1965م .وهو أحد المنتمين للماسونية .
فؤاد سراج الدين :
أصبح عضوا في الوفد المصري عام 1935م ثم سكرتيرًا عامًا للوفد عام 1949.وعين وزير للزراعة في عام 1942، ووزيرا للشئون الاجتماعية ثم وزيرًا للداخلية في سنة 1942.
اعتقل مرات عديدة في أعوام ( 1952- 1953- 1954- 1961- 1965).
أعاد حزب الوفد للحياة السياسية 1978 وأصبح رئيسًا له حتى 9 أغسطس 2000 حيث توفاه الله.

من مبادئ الوفد المعلنة السياسية والاجتماعية

ـ تحقيق استقلال البلاد وحريتها وتحقيق الوحدة بين مصر والسودان.
ـ التمسك بميثاق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
ـ التمسك بعروبة فلسطين.
ـ العمل على رفاهية الشعب وترقيته عن طريق النظام الليبرالي.
ـ دعم النظام الدستوري الديمقراطي.


موقف جماعة الإخوان من الأحزاب عامة

أثير حول جماعة الإخوان المسلمين تساؤلين في أمر الأحزاب:
الأول :ما هو أساس موقف الجماعة من تلك الأحزاب ؟ .
الثاني : هل تعد الجماعة حزبيا سياسيا ؟.
وفي مايلي الرد على هذين التساؤلين :
التساؤل الأول : ما هو أساس موقف الجماعة من تلك الأحزاب ؟
هناك من أورد هذا التساؤل كبطانة لشبهة يريد أن يثيرها حول الجماعة ، من هؤلاء فاروق عبد السلام الذى أفرد فصلا عن الإخوان المسلمين والمسألة الحزبية وقال : " إلا أنها ـ أى جماعة الإخوان المسلمين ـ وضعت نفسها موضع الشبهات بموقفها غير المدروس من قضية الحزبية وربما تعددت الأسباب وراء ذلك كله إلا أن ما يعنينا منها بالدرجة ا لأولى وما نعتقد أنه أهم الأسباب جميعا وراء هذا الموقف المتناقض هو اعتقاد الجماعة بأن الأحزاب السياسية لا تتفق وروح الشريعة الإسلامية وأن النظام الحزبى حرام ومرفوض من وجهة نظر الشريعة".
وهنا يرد الأستاذ عمر التلمساني فيقول :
"والذي يقرأ مذكرات الإمام الشهيد حسن البنا يجده قد حدد موقف الإخوان من هذه المسألة فلم يكن واردا فى تخطيط الإخوان المسلين الوصول لكرسي الحكم وهو أحد الأهداف الرئيسية لتكوين الأحزاب ونشاطها ولو كان الإخوان يريدون ذلك لدخلوا فى تحالفات سياسية أو انضووا تحت أحد الأحزاب ذات ا لشعبية الهائلة ولكن أمرا كهذا لم يحدث على مدى تاريخ الإخوان المسلمين .المسألة الثانية أن الإخوان أعلنوا مرارا معارضتهم لتشكيل الحزب لأن معظم الأحزاب قبلت ورضيت بالقوانين الوضعية وتنفيذها الأمر الذى لم يقبله الإخوان لأن حكم الله فوق كل حكم وهم كانوا يريدون أن تحكم مصر بشرع الله ولم يكن ذلك واردا فى أى برنامج حزبى موجود فى تلك الأوقات"
ومن قوله كذلك في رسالة المؤتمر الخامس عام 1938م :
"والإخوان المسلمون يعتقدون أن الأحزاب السياسية المصرية جميعا قد وجدت فى ظروف خاصة ، ولدوافع أكثرها شخصى لا مصلحى .
ويعتقدون كذلك أن هذه الأحزاب لم تحدد برامجها ومناهجها إلى الآن ؛ فكل منها يدعى أنه يعمل لمصلحة الامة فى كل نواحى الإصلاح ولكن ما تفاصيل هذه الأعمال وما وسائل تحقيقها ؟ وما الذى أعد من هذه الوسائل ؟ وما العقبات التى ينتظر أن تقف فى سبيل التنفيذ ما أعد لتذليلها ؟ كل ذلك لا جواب له عند رؤساء الأحزاب وإدارات الأحزاب ، فهم قد اتفقوا فى أمر آخر هو التهالك على الحكم ، وتسخير كل دعاية حزبية وكل وسيلة شريفة وغير شريفة فى سبيل الوصول إليه ، وتجريح كل من يحول من الخصوم الحزبيين دون الحصول عليه .
ويعتقد الإخوان كذلك أن هذه الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم ، وعطلت مصالحهم ، وأتلفت أخلاقهم ، ومزقت روابطهم ، وكان لها فى حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر . ." كما يعتقد الإخوان أن هناك فارقا بين حرية الرأى والتفكير والإبانة والإفصاح والشورى والنصيحة - وهو ما يوجبه الإسلام - وبين التعصب للرأى والخروج على الجماعة والعمل الدائب على توسيع هوة الانقسام فى الأمة ، وزعزعة سلطان الحكام ، وهو ماتستلزمه الحزبية ويأباه الإسلام ويحرمه أشد التحرم ، والإسلام فى كال تشريعاته إنما يدعو إلى الوحدة والتعاون . .. وإن الإخوان لايضمرون لحزب من الأحزاب أيا كان خصومة خاصة به ، ولكنهم يعتقدون من قرارة نفوسم ، أن مصر لا يصلحها ولا ينقذها إلا أن تنحل هذه الأحزاب كلها ، وتتألف هيئة وطنية عاملة ، تقود الأمة إلى الفوز وفق تعاليم القران الكريم "
ويقول الإمام البنا أيضا :
" لا ندرى ما الذى يفرض على هذا الشعب الطيب ، المجاهد ، المناضل ، الكريم هذه الشيع والطوائف من الناس التى تسمى نفسها الأحزاب السياسية !!! إن الأمر جد خطير ، ولقد حاول المصلحون أن يصلوا إلى وحدة ولو مؤقتة لمواجهة هذه الظروف العصيبة التى تجتازها البلاد فيئسوا وأخفقوا ، ولم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول ، ولا مناص بعد الان من أن تحل هذه الأحزاب جميعا وتجمع قوى الأمة فى حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها " .
كما يؤكد الأستاذ عمر التلمساني على الموقف الثابت من الإخوان تجاه الأحزاب فيقول :
" أننا نقول بأعلى صوتنا وأوضح عباراتنا إننا دعاة للعودة الى تعاليم الإسلام الصحيحة فنحن أجناد لكل من يدعو الى ذلك نتبعه ونؤيده ولا نريد أن نكون رؤساء له أو زعماء . وكم فرحنا لما لجأت الأحزاب كلها عند الدعاية الانتخابية أن تجعل على رأس برامجها تطبيق الشريعة الاسلامية . وسيرينا القريب العاجل هل كان هذا دعاية انتخابية أو قناعة حقيقية وسيكشف هذا للرأى العام فتعرف ا لأمة كلها من ا لصادق الذى تحمل كل المتاعب فى سبيل هذا الهدف ومن غيره الذى لا يذكر الإسلام إلا عند حاجته الى تأييد شعبى . وإذا كان هذا هو مذهب الأحزاب حقيقة فما بال بعض صحفها لا تدع يوما يمر دون أن تلحق بالاخوان ما يسوء ولايسر .
إن مجال القول فى هؤلاء الناس طويل وفسيح ولكن الاخوان لا يضيعون أوقاتهم فى الرد على مثل هذه ا لترهات ولا يحبون أن يخرج من بين شفاههم أو أقلامهم لفظ نابى أو جارح حتى ولو كان ذلك حصنا لهم أو دفاعا عن نفس ، إننا حريصون على أن نكون خير ابنى آدم { لئن بسطت الى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك } ..
هذا موقفنا مع الناس جميعا لا نبدأ احدا بشر ولكن إذا هوجمنا واعتدى علينا بلا مبرر فقوانين السماء والأرض تبرر لنا الدفاع الشرعى عن أنفسنا لا عن طريق فتنة تأتى على الأخضر واليابس ثم تقضى على الجميع ولكن كما قال الامام الشهيد ( نستعين عليهم بسهام القدر ودعاء السحر ) ويالها من أسلحة فتاكة ثبت فعلها ولكن أكثر الناس لا يفهمون."
ونختم بهذا الكلام للإمام البنا والذي يدحض أي شبهة أثيرت حول علاقة الإخوان بالأحزاب فيقول :
" فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم وإن لجئوا إلى المواربة والروغان وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين."

التساؤل الثاني : هل تعد الجماعة حزباً سياسياً مستقلاً أم ضمن حزب ما أم ماذا ؟
أورد هذا التساؤل أيضا ليتضمن شبهة أخرى تجاه هذه الجماعة ، فهاهو صلاح عيسي يتقول على الاخوان حين يقول :
" وهم أى الاخوان ـ لا يقرون بأنهم فصيل سياسي بين فصائل أخرى ولكنهم يرون أنفسهم " حزب الله " حيث لا يجوز مع حزب الله أن توجد أحزاب أخرى"
ونتسائل من أين أتى صلاح عيسي بهذا التصور الغريب ـ إن فكرة الحزبية لم تكن واردة بشكل صريح أو متوارب فى دعوة الاخوان المسلمين وكون أنهم لا يرضون أن يكونوا جزءا من التحالفات السياسية لا يعنى أن يدخلوا ضمن ما وصفه الكاتب " بالانتهازية السياسية " .
تأمل أيها القارئ الأقوال الآتية ليتيقن في قلبك استقلالية هذه الجماعة فلا هي حزب ، ولاهي بالتي تسعى للانضمام ضمن أحزاب آخر . فهي جماعة عاملة لتمكين الإسلام دين الله في الأرض .
يقول الإمام البنا رحمه الله تعالى:
" إلى الآن أيها الإخوان لم تخاصموا حزباً ولا هيئة كما أنكم لم تنضموا إليهم كذلك ولقد تقول الناس عليكم فمن قائل إنكم وفديون نحاسيون ومن قائل إنكم سعديون ماهريون ومن قائل إنكم أحرار دستوريون ومن قائل إنكم بالحزب الوطني متصلون، ومن قائل إنكم إلى مصر الفتاة تنتسبون ومن قائل إنكم إلى غير ذلك من الأحزاب منتمون - والله يعلم والعارفون بكم أنكم من كل ذلك بريئون فما اتبعتم غير رسوله زعيماً وما ارتضيتم غير كتابه منهاجاً وما اتخذتم سوى الإسلام غاية. فدعوا كلام الناس جانباً وخذوا في الجد، والزمن كفيل بكشف الحقائق وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم."
وفي كلام آخر له يقول الإمام البنا رحمه الله :
" يظن بعد رجال الأحزاب أننا إنما نقصد بهذه التعاليم هدم حزبهم خدمة لغيره من الأحزاب و جريا وراء منفعة خاصة , و ليس أدل على خطأ هذه النظرة من أن هذا الوهم قد سرى إلى نفوس الأحزاب جميعا , فكثير من رجال الوفد من يتهم الإخوان المسلمين بأنهم يعملون لمحاربته و بأنه وحده هو المقصود بهذه النعوت و الأوصاف , و بأن الإخوان إنما يحملون الناس على محاربته و الانفضاض عنه , و بأنهم إنما يقصدون بذلك خدمة الحكومة و تقوية الأحزاب الممثلة فيها , و في الوقت الذي نسمع فيه هذه التهمة بعينها من أحزاب الحكومة أيضا ! فهل هناك دليل أصدق من هذا على أن الإخوان يقفون من الجميع موقفا واحدا , و يصدرون فيه عن عقيدتهم , و يعملون فيه بوحي من ضمائرهم و إيمانهم ؟
أحب أن أقول لإخواننا من دعاة الأحزاب و رجالها : إن اليوم الذي يستخدم فيه الإخوان المسلمون لغير فكرتهم الإسلامية البحتة لم يجئ و لن يجئ أبدا , و إن الإخوان لا يضمرون لحزب من الأحزاب أيا كان خصومة خاصة به , و لكنهم يعتقدون أن من قرارة نفوسهم أن مصر لا يصلحها و لا ينقذها إلا أن تنحل هذه الأحزاب كلها , و تتألف هيئة وطنية عاملة تقود الأمة إلى الفوز وفق تعاليم القرآن الكريم .
و بهذه المناسبة أقول إن الإخوان المسلمين يعتقدون عقم فكرة الائتلاف بين الأحزاب , يعتقدون أنها مسكن لا علاج , و سرعان ما ينقض المؤتلفون بعضهم على بعض , فتعود الحرب بينهم جذعة على أشد ما كانت عليه قبل الائتلاف , و العلاج الحاسم الناجح أن تزول هذه الأحزاب مشكورة فقد أدت مهمتها وانتهت الظروف التي أوجدتها و لكل زمان دولة و رجال كما يقولون .
وأعتقد كذلك أن هذه الأحزاب المصرية الحالية أحزاب مصنوعة أكثر منها حقيقية , وأن العامل في وجودها شخصي أكثر منه وطني , وأن المهمة والحوادث التي كونت هذه الأحزاب ويجب أن ينتهي هذا النظام بانتهائها.
لقد تكوّن الوفد المصري من الأمة كلها للمطالبة بالاستقلال على أساس المفاوضة وتلك هي مهمته."
ولما سقطت وزارة محمد محمود باشا وألف علي ماهر باشا الوزارة في أغسطس سنة 1939، فاستقبلته مجلة النذير لسان حال الإخوان المسلمين بافتتاحية في العدد 27 بتاريخ 6 رجب سنة 358 1 بقلم الأستاذ صالح عشماوي رئيس تحريرها بعنوان: وزارة جديدة وموقف قديم.وقد جاء فيها ما يأتي:
" واليوم تقبض على أزمة الأمور وزارة جديدة على رأسها رفعة على ماهر باشا يعاونه فيها وزراء سعديون و آخرون مستقلون، واعتذر الأحرار الدستوريون عن الاشتراك في الوزارة مع وعدهم بتأييدها والتعاون معها. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ هذا السؤال: ما موقف الإخوان المسلمين من الوزارة الجديدة؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال نود أن نمهد بالحقيقة الثابتة، وهي أن الإخوان المسلمين ليسوا حزبا من الأحزاب يؤيد أو يعارض تبعا لمصلحة حزبية أو جريا وراء منفعة شخصية، ولكن الإخوان المسلمين دعوة إسلامية محمدية اتخذت من الله غايتها ومن الرسول صلوات الله عليه وسلامه قدوتها ومن القرآن دستورها، ولها برنامج واضح الحدود، ظاهر المعالم، يرمى إلى تجديد الإسلام في القرن الرابع عشر، وصبغ الحياة المصرية بالصبغة الإسلامية، وهيمنة تعاليم القرآن على جميع مظاهر الحياة: من تشريع واجتماع وسياسة واقتصاد، كما يرمي إلى تحرير كل شبر في الأرض فيه نفس يردد"لا إله إلا الله محمد رسول الله" صلى الله عليه وسلم وأخيرا نشر الإسلام ورفع راية القران في كل مكان حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. هذا برنامج ضخم لا يدانيه برنامج من برامج الأحزاب إن كان لها برامج ومناهج. وهو في نظر الكثيرين لون من ألوان الخيال وضرب من ضروب الخيال، ولكنا نؤمن به، ونثق في أنفسنا معتمدين على تأييد الله.
فموقفنا إذا من وزارة علي ماهر باشا هو موقفنا من أية وزارة، موقف قديم لا يتغير بتغير الوزارات، ولا يتبدل بتبدل الوزراء، فمن أيد الفكرة الإسلامية وعمل لها واستقام في نفسه وفي بيته وتمسك بتعاليم القران في حياته الخاصة والعامة كنا له مؤيدين مشجعين، ومن عارض الدعوة الإسلامية ولم يعمل لها بل وقف في سبيلها أو حاول التنكيل بها كنا له أعداء وخصوما، ونحن في كلتا الحالتين إنما نؤيد ونعارض ونحب ونكره في الله " .

بداية العداء الوفدي(التدوينة القادمة )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق