شبهات وفدية .. و براءة إخوانية .. حقائق تاريخية
إضافة إلى ما سبق و أوردناه مما أثير حول الإخوان في مسألة الأحزاب من شبهات وكيف دحضت هذه الأباطيل بشهادة التاريخ ، نورد أيضا شبهات أخر أطلقها الوفد على هذه الجماعة العفيفة ، وكيف برأ التاريخ الإخوان من هذه الفريات .الشبهة الأولى :
استخدام الملك للإخوان المسلمين لضرب قوة الوفد ذو الشعبية الكبيرة ومعاونتهم لتحجيم دوره.
وهذا كلام باطل لأسباب ووجوه منها :
أولا :لم يكن حال الإخوان في عهد أية حكومة من الحكومات المتعاقبة آنذاك إلا المعاناة من بطش تلك الحكومات وهذا يؤكد أن ترصد الإخوان للوفد خصوصا غير منطقي فها هو حسين سري وبضغط من السفارة والقيادة الإنجليزية تصادر حكومته مجلتي التعارف والشعاع الأسبوعيتين، ومجلة المنار الشهرية، ومنعت طبع أي رسالة من رسائل الإخوان ، أو إعادة طبعها، وأغلقت مطبعتهم وحرمت على الجرائد أن تذكر شيئًا عنهم، كما منعت اجتماعاتهم، ثم عمدت إلى تشريد رؤساء الجماعة، فنقلت الأستاذ البنا من القاهرة إلى قنا، ونقلت الوكيل إلى دمياط، ثم أعادتهما بضغط من الحملة البرلمانية، وكذلك حكومة ماهر الأعنف والأشد، فاعتقلت الأستاذ البنا مرة ثانية، كما اعتقلت السكرتير العام فضلا عما حدث من حكومة الوفد .. كل ذلك يدل على أن الإخوان كانوا دائما في شدة ولو كان هناك دعم لهم من الملك لكانوا هم من يشكلون الوزارة ويعملون على مصادرة صحف ومراكز الوفد والسعديين وغيرهم وليس العكس
لقد كان موقف الإخوان من الملك و الحكومات واضحا و ثابتا.. يقول الإمام حسن البنا :
" . و أذكر أنني كتبت في إحدى المناسبات خطاباً لأحد الباشوات جاء في آخره :
والإخوان المسلمون يا رفعة الباشا لا يقادون برغبة ولا برهبة ، ولا يخشون أحداً إلا الله ، ولا يغريهم جاه ولا منصب ، ولا يطمعون في منفعة ولا مال ، ولا تعلق نفوسهم بعرض من أعراض هذه الحياة الفانية ، ولكنهم يبتغون رضوان الله ويرجون ثواب الآخرة ، ويتمثلون في كل خطواتهم قول الله تبارك وتعالي : (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذريات:50)
فهم يفرون من كل الغايات والمطامع إلى غاية واحدة ومقصد واحد هو رضوان الله ، وهم لهذا لا يشتغلون في منهاج غير منهاجهم ولا يصلحون لدعوة غير دعوتهم ، ولا يصطبغون بلون غير الإسلام : (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً) (البقرة:138) ... فمن حاول أن يخدعهم خدع ، ومن أراد أن يستغلهم خسر ، ومن طمع في تسخيرهم لهواه أخفق ... ومن أخلص معهم في غايتهم ووافقهم على متن طريقهم سعد بهم وسعدوا به ، ورأى فيهم الجنود البسلاء والإخوة الأوفياء ، يفدونه بأرواحهم ويحوطونه بقلوبهم وجهودهم ، ويرون له بعد ذلك الفضل عليهم.
أكتب لكم هذا يا رفعة الباشا لا رجاء معونة مادية لجماعة الإخوان المسلمين ولا رغبة في مساعدة نفعية لأحد أعضائها العاملين ، ولكن لأدعوكم إلى صف هؤلاء الإخوان بعد دراستهم دراسة جدية صحيحة تقنعكم بمنهاجهم وتنتج تعاونكم معهم في إصلاح المجتمع المصري على أساس متين من الخلق الإسلامي وتعاليم الإسلام .. و (للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ , بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم:4-5) .
بمثل هذا الأسلوب نخاطب الناس , ونكتب لرفعة النحاس باشا ومحمد محمود باشا وعلي ماهر باشا وحسين سري باشا , وغيرهم مما نريد أن نعذر إلى الله بإبلاغهم الدعوة وتوجيههم إلى ما نعتقد أن فيه الخير والصواب لهم وللناس .
ثانيا :أن الشعبية المدعاة للوفد كانت في تناقص مستمر وحدثت انشقاقات كثيرة فمن خروج أحمد ماهر والنقراشي لتكوين حزب السعديين إلى تشكيل حزب الكتلة الوفدية المنشق أيضا عن الوفد إلى خروج رموز كبرى كثيرة من الوفد للانضواء تحت لواء هذين الحزبين وغيرهما الأمر الذي يبين أن الوفد نفسه كان يحمل في طياته عوامل الخفوت ويبدو أن الحال لم يختلف كثيرا حتى الآن والمتابع الراصد يرى ذلك بوضوح في مشاكل الوفد القضائية بين أقطابه .
ثالثا :أن الشبهات لو دارات عن شيء ما فسيكون هذا الكلام للوفد وليس الإخوان فقد أجبرت سلطات الاحتلال الانجليزى الملك فاروق على تنصيب مصطفي النحاس رئيسا للوزراء باعتباره زعيما للأغلبية حتى يمكن تهدئة البلاد أثناء خوض الانجليز المعارك الحربية فى الحرب العالمية حتى إن أحمد ماهر قال لمصطفي النحاس : لقد جئت لرئاسة الوزارة على أسنة الحراب الانجليزية .. ومثل هذه الأفعال فضلا عن معاهدة 1936 التي رفضها كثير من السياسين أدت إلى خروج الكثيرين من أبناء الوفد..وتحميل غيرهم لهذا الأمر تنصل غير مبرر.. وهذا كله فضلا عن النزعة العلمانية الكبرى التي كان عليها زعماء الوفد فكانوا كما يخبر الأستاذ عمر التلمساني غير محافظين على الصلاة ولا الصيام برمضان وغير ذلك مما حدى بطبقات الشعب المصري المحب للدين في جملته للابتعاد عن الحزب ..
وأخيرا من الذي كان يتملق الملك ويسترضيه من أجل مصالح حزبية وشخصية يقول الأستاذ أحمد عادل كمال:
" حين يختلف الوفد مع الإخوان فما أسهل على أبواقه وصحافته أن تزعم أن جماعة الإخوان تسترضى الملك, والشيوعيون معهم بعضهم لبعض ظهير. أما حين يصطاف الملك فى كابرى ويخطب النحاس باشا زعيم الوفد فيقول" إن أبصارنا لترنوا إلى تلمك البقعة المباركة من أرض كابرى".. قلنا لعلها تهكم وسخرية, ولكن يعود جلالته من كابرى فيستقبله الباشا مقبلا يده... هذا كله لم يكن استرضاء للملك!!"
أما ما فعله الإخوان من استقبال للملك في 1937م ، فلم يكن أبدا تملقا أو وسيلة لنيل مآرب شخصية وإنما السبب كان كما أخبر الأستاذ عمر التلمساني حيث يقول :
" وأراد الأستاذ البنا أن يشعر الملك فاروق بقوة الجماعة كما أراد أن يفهمه من طريق خفى أن عليه أن ينصرف عن المنكرات التى يرتكبها والاستهتارات التى يقوم بها وأن فى مصر شبابا مستعدا لحماية هذا ا لدين حماية فعلية ففى أعقاب عودته من الخارج عام 1937 استقبلته جوالة الاخوان المسلمين استقبالا رائعا أدهشه هو نفسه وما كان الاستقبال احتراما للملك أو ترحيبا به وإنما كانت الفكرة من وراء هذا الاستقبال أن يبشعر الملك وعن رؤية واقعة بمدى قوة هذه الجماعة وأنها تستطيع ان تفعل الكثير .. وليست كما يقول ريتشارد ميتشل * إنها لعبت خلال الاحتفال باعتلاء فاروق العرش أول أدوارها الهامة كقوى " للنظام والأمن " ـ وحقيقة لو أراد الأستاذ البنا كما يشيع المغرضون أن يحدث حدثا لفعل ولكنه كما هو مكتوب فى رسائله أنه لا يلجأ الى العنف ولا الى الثورات وأنه يريد أن يربى الشعب تربية إسلامية حتى يتم وعى الشعب الكامل عن طريق الشعب نفسه لأنه إذا كان الشباب الذى يتخرج من الجامعة كله أو غالبيته يدين بمبادىء الاخوان المسلمين فهم الرجال الذين سيتولون شئون هذا ا لبلد ومختلف المؤسسات من قضاء الى طب الى وزارات وغيرها فما دام الاخوان أو جيل مصرى قد تربى تربية إسلامية سيتم التغيير بسهولة ."
الشبهة الثانية :
أن الوفد فترة الحرب العالمية الثانية ساعد الإخوان وفتح شعبهم واصدر صحفهم .
وهذا الأمر كان له سببه فالوفد أراد أن يحول دون ظهور الإخوان لا العكس ..فقد رغب الأستاذ البنا أن يرشح نفسه نائبًا في البرلمان عن دائرة الإسماعيلية، مهد الدعوة ليمثل الإخوان، وينطق بلسانهم، ولكن النحاس رجاه أن يعدل عن الترشيح وكان الشيخ البنا كعادته حريصا على النفع الدعوي العام لا المنصب الشخصي فعدل عن الترشيح مقابل بعض المطالب الإسلامية، والتي كان منها إلغاء البغاء الرسمي ، وبدأ النحاس بعد عدول البنا يسمح لهم بالاجتماعات، وأعاد إليهم المجلة والمطبعة، لكن هذا الأمر لم يدم كثيرا فقد ضغطت السفارة الإنجليزية مرة أخرى، فعادت المحنة في صورة أشد من الأولى إذ قامت الحكومة بتقديم بعض الإخوان إلى محاكمة عسكرية بحجة إعداد جيش للترحيب بروميل، فكانت الجنائية العسكرية العليا 883 لسنة 1942م والتي حكم فيها ببراءة الإخوان، ثم ضغطت الحكومة البريطانية على النحاس باشا ثانية وطالبته بحل الجماعة، لكنه بدلاً من ذلك قام بإغلاق جميع شعب الإخوان إلا المركز العام الذي ظل يراقبه على مدار الساعة وضيق عليهم في اجتماعتهم ومطبوعاتهم، وسائر نواحي نشاطهم، وقابلوا شدة الحكومة بالصبر، فعدلت الحكومة النحاسية عن شدتها، واستمر الموقف بينهما يتقلب، تارة تدع الحكومة لهم الحرية فيعملون، وطورًا تراهقهم بالتضييق فيصبرون، ولكنهم ظلوا على عادتهم في تقديم النصح كتابة ومشافهة، إلى أن أُقيلت الوزارة سنة 1944.
الشبهة الثالثة:
انسحاب الإخوان من اللجنة الوطنية بعد الحرب الثانية والتي كانت تضم الوفد والشيوعيين وذلك بهدف إضعاف هذه اللجنة.
ويدحض هذه الشبهة تماما الأستاذ أحمد عادل كمال في كتابه النقط فوق الحروف فيقول :
" نعى بعض الكتاب الشيوعيين فى كتب هزيلة حقا على الإخوان المسلمين أنهم حطموا اللجنة الوطنية وآثروا السير منفردين فى محاولة لتصويرهم إلى جانب الملك حينا أو إلى جانب الإنجليز حينا آخر . وليس أعرق فى الكذب المتعمد والبهتان من هذه المزاعم, ويكفى لدحضها ما تعرض له الإخوان من محن لم يتعرض لمثلها أحد على أيدى حكومات الملك والإنجليز. وبالرغم من أنه ليس لهذه الكتب وزن فى علم التاريخ إلا أن المتأخرين حين يدرسون حركة الإخوان فإنهم يجمعون من كل حدب وصوب ما كتب عنهم, ولا اعتراض على ذلك, إنما الاعتراض أن يحدث دون تمييز بين الغث والسمين. فليس كل من كتب صادق فيما كتب.
لاسيما إذا كان شيوعيا اجتمعت لدية الخصومة والعداوة مع الانحلال واللا أخلاق. إن إصدار كتاب لا يحتاج إلى أكثر من كاتب يكتب وجهة تمول وتوزع , وليس فى ذلك ما يؤهله لأن يصير مرجعا ومصدر للمعلومات. وحين نطالع كتاب " الإخوان المسلمين" وهو الدراسة التى حصل بها ريتشارد ميتشل على درجة الدكتوراه من جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية نجده زاخرا بالأخذ عن تلك الهلاهيل المفتراه بما يبعدها فى كثير من أجزائها عن مستوى الدراسة التى تستحق درجة الدكتوراه.
يتعين لاعتماد أى مصدر أن يكون كاتبه معروفا موثوقا به فى صدقه وأمانته أو على الأقل معروف الهوية والاتجاه. فإذا أخذ ميتشل عن مصدر اسمه " الإخوان فى الميزان" للمدعو محمد حسن أحمد - أن طلاب الإخوان قد انسحبوا فى شهر أكتوبر 1945 من اللجنة الوطنية فحصلت هذه اللجنة على تفويض من الطلاب وغيرت اسمها إلى اللجنة التنفيذية بما يعنى أن الحركة الطلابية واصلت مسيرتها دون الإخوان, فإنما هو مجرد إدعاء. لا كانت هناك لجنة وطنية ولا لجنة تنفيذية! وأى معاصر يعلم علم اليقين أن كل ذلك كان أسماء بلا مسميات."
ويضيف الأستاذ جمعة أمين في كتاب أوراق من التاريخ سببا هاما لابتعاد الإخوان عن هذه اللجنة المزعومة فيقول:
" لقد تزعم اليهودى الايطالى المليونير هنرى كورييل الحزب الشيوعى المصرى.فإذا تصدى هؤلاء ليتزعموا المسار الوطنى فسحقهم الإخوان صار الإخوان خونة؟! بكل وضوح.. لقد تزعم الإخوان المسلمون جهاد الطلاب دون منازع فى تلك الفترة. وكان الشيوعيون يعارضون الإخوان على طول الخط, وقد تابعوا موسكو فى الاعتراف بإسرائيل عام 1948, وأعلنوا أنه لا شأن لنا بفلسطين وأن قضيتنا هى مصر. وكذلك فعل الوفد حين أعلن الإخوان لمنع الاحتفال بدعوى أننا فى مصر ولسنا فى سوريا ووقع اشتباك بين الطرفين أوضح لمن كانت الأغلبية. كان الإخوان مسلمين, مسلمين فى مشاعرهم, مسلمين فى عواطفهم, مسلمين فى اتجاهاتهم, مسلمين فى سياستهم. وحين رفضوا أن يضعوا يدهم النظيفة فى أيد ملوثة بالشيوعية فهذا أمر طبيعى. كانوا مسلمين يرفضون ماليس إسلاميا فرفضوا الذيلولة لموسكو. وفى ذلك يتمثل الأستاذ حسن البنا بقول الشاعر:
-
-
-
- لنا الصدر دون العالميين أو القبر
-
-
ومد له الوفد يد الاتصال, فقام بإعطاء معلومات للصحف الوفدية كاذبة كخبر اللجنة السياسية ،وهى فكرة عرضت على بعض الشخصيات لتكوين لجنة استشارية فقهية قانونية .
ولقد استطاع فؤاد سراج الدين استقطاب أحمد السكري بصفة داخل اللجنة,وحصل منه على تقارير سرية للإخوان, ونشرها في صحف الوفد, فجمع الأستاذ البنا الهيئة التأسيسية, وعرض الأمر عليهم وتبين أن الأستاذ أحمد السكري هو المتسبب في ذلك, فطالبته الهيئة بكتابة مقال يكذب ما ورد في الصحف الوفدية , غير أن أحمد السكري رفض ذلك, وأخذ في الهجوم على الجماعة من خلال جريدة صوت الأمة الوفدية .
لقد ذكر الأستاذ أحمد السكري من ضمن الأكاذيب التي يروج لها البعض أن الأستاذ البنا أغرق الجماعة في الحزبية, وكون اللجنة السياسية وتأرجح بالجماعة بين الأحزاب ، لكن الناظر في تاريخ الإخوان يجد أن سياسته ثابتة منذ نشأتها, وحدد لها الأستاذ البنا مبادئها وأهدافها , ونأى بها عن الحزبية,واعترض على الأحزاب والحكومات التي تعاملت مع الانجليز.
حتى إن جريدة أخبار اليوم تثبت هذه المساعي الوفدية وتقول" وأخيرا رأى حزب الوفد أن خير طريق لتحطيم الإخوان هو تمزيقهم من الداخل, وتولى السكرتير العام هذه المهمة فنجح فيها نجاحا كبيرا فقد استطاع بفضل اتصاله بالأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة أن يحدث انقساما فى الإخوان, وحصل السكرتير العام على تقارير سرية للإخوان نشرها في صحف الوفد)... هذا هو واقع الأمر الذي شهد به غير الإخوان أنفسهم ثم يأتي زمان تقلب فيه الحقائق ويصبح الجلاد ضحية ..إن الذي يحدد طبيعة العلاقة هي المواقف المتبادلة بين الإخوان والوفد والتي يظهر فيها من هو المعتدي .."
الشبهة الرابعة :
دارت حول مصادر الموارد المالية لجماعة الإخوان وقد ألقم الإمام البنا أفواه المشككين حجرا برده الواضح الجلي :
" لا زالت موارد الإخوان وتنظيمهم المالي ومصادر نفقاتهم لغزا أمام كثير من الذين لم يتصلوا بهم ولم يحاولوا أن يتعرفوا الأمور على وجهها وكثير من الناس حين يرى هذا النشاط الدائب والعمل المتواصل والثروات الكثيرة والمطبوعات المتوالية والحفلات الضخمة والاجتماعات الحاشدة يسأل نفسه من أين للإخوان كل هذا وكيف يحصلون على المال ومن أية جهة يجلبونه وهم قوم معظمهم إنما يجد ما يكفيه فقط وليس فيهم كثير من الأغنياء أو الأثرياء، وخصوصا إذا كان هذا المتسائل من رجال الأحزاب أو الجماعات التي تنفق الكثير في مثل هذا النشاط ولا تجد القليل من البذل في الأعضاء والأنصار. وقد يذهب الكثير من هؤلاء المتسائلين في الظن إلى درجة الاتهام بالباطل فيقول يأخذون من الدول الفلانية أو الهيئة العلانية أو تنفق عليهم هذه الجهة العالية أو تلك الناحية الخفية، وكل ذلك وهم باطل وظن فاسد واتهام جريء وقول مفترى لن يقوم عليه دليل ولا شبه دليل.والأمر أهون من كل ما يتصور هؤلاء فإن الإيمان إذا سكن القلب وملأ الفؤاد وانطوت عليه الجوانح دفع صاحبه دفعا إلى أن يبذل كل ماله وكل دمه وكل نفسه في سبيل عقيدته التي آمن بها وعالق من أجلها. وتاريخ العقائد والرسالات والدعوات حافل بهذه الشواهد التي تعتبر من البدهيات.
والإخوان المسلمون ليسوا إلا أبناء دعوة آمنوا بها وأخلصوا لها وتربوا في أحضانها، فهان عليهم أن يبذلوا من قوت أولادهم ومن ضروريات" ونختم هذه الفقرة بكلام الأستاذ محمود علد الحليم الذي فيه يقول :
" وليست هذه أول فرية ولا آخر فرية تفتري علي الإخوان المسلمين ولكن الله تعالي كان للمفترين بالمرصاد ففضح افتراءهم وكشف سوءاتهم وخرج الإخوان وصفحتهم ناصعة البياض وذهب هؤلاء بما تكشف من زورهم وافترائهم وإجرامهم إلي الجحيم " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " .
القول الفصل في عداء الوفد لجماعة الإخوان
وبعد فقد بات الأمر واضحا جليا بشأن عداء الوفد للإخوان .فالوفد حزب ليبرالي لا يستمد مبادئه من الشريعة الإسلامية ، وهو يعمل على سياسة إن لم تكن تناوئ أصول الإسلام فهى على الأقل لا تعنى بشأنه ويسرها أن تتخلص من تبعاته .
و الإخوان جماعة إسلامية قلبا وقالبا ، مظهرا وجوهرا . تعمل على تمكين دين الله تعالى في الأرض . وقد أعلنت ذلك منذ بدايتها حين بينت خصائص هذه الدعوة و التي هي :
أ ـ البعد عن مواطن الخلاف .
ب ـ البعد عن هيمنة الكبراء .
ج ـ البعد عن الأحزاب والهيئات .
د ـ العناية بالتكوين والتدرج فى الخطوات .
هـ ـ إيثار الناحية العملية على الخطب والاعلانات
وهكذا الصراع المعروف بين الحق و الباطل لابد و أن ينتهي بانتصار الحق و أتباعه ، حتى ولو كان للباطل جولات رابحة فالعبرة دائما بالخواتيم .
يقول الإمام البنا :" ذكر.. فى سورة الأنعام " قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين * وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلماً فى السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين"( الأنعام : 33 - 35).
وكذلك الناس فى كل زمان ومكان ، هل يظن أحد فى هذا الوادى أن دعوة الإخوان التى ترتكز على أصول الإسلام الحنيف وهو دين الدولة والأمة دعوة باطلة أو كاذبة ؟ لا ، ولكن الأحزاب المستفيدة ، والحكومات المتعاقبة ، وأهل الجاه والسلطة يكرهون أن تقوم فى الناس دعوة تعلم الجاهلين ، وتنبه الغافلين ، وتأخذ بحق المظلومين من الظالمين ، وتقر العدالة باسم الله رب العالمين ."
ويقول أيضا :
" نحب بعد هذا أن نقول كلمة صريحة لأولئك الذين لا زالوا يظنون أن الإخوان يعملون لحساب شخص أو جماعة : اتقوا الله أيها الناس ، ولا تقولون ما لا تعملون . واذكروا قول الله تعالي : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب:58) ... وليعلموا تماماً أن اليوم الذي يكون فيه الإخوان المسلمون مطية لغيرهم أو أداة لمنهاج لا يتصل بمنهاجهم لم يخلق بعد."
ولا أبلغ و أوضح من كلام البنا في هذا الأمر وبه نختم البحث ، يقول فضيلة المرشد الإمام حسن البنا :
" وفوق هذا كله فقد كانت دعوة الإخوان في الحقيقة وحدة جامعة للعناصر الحية العاملة المخلصة في كل بلاد العروبة ومواطن الإسلام وكانت بذلك تمثل أحسن تمثيل الجامعة العربية الشعبية أو الجامعة الإسلامية بعبارة أوسع فهي حلقة الاتصال بين الهيئات والجامعات الإسلامية في كل هذه البلاد والتواصل والتراسل دائم بينها في كل وقت وبخاصة أمام الظروف الطارئة والأحداث الجسام ومن هنا ساهمت الدعوة في كل الحركات التحررية للبلاد العربية والإسلامية فاتصلت بسوريا ولبنان في محنتهما حتى جلا عنها الفرنسيون وتم لهما الاستقلال وأبلت في قضية فلسطين أحسن البلاء وشاركت الباكستان في شعورها وأملها وألمها حتى ظهرت إلى الوجود وكان لها في الحركة الإندونيسية الأثر المحمود حتى أن الحزب الإسلامي أعلن انضمامه للإخوان وظلت الدعوة كذلك تناضل مع أحرار شمال أفريقيا في سبيل حقهم المغصوب إلى الآن فضلاً عن تنبيهها الأذهان إلى حقوق الأقليات الإسلامية في مختلف الأوطان فكانت بذلك وحدة بين المسلمين أينما كانوا أساسها وحدة الألم والأمل ولحمتها العمل والإيمان. هذا بعض ما قدم الإخوان المسلمون للأمة خلال كفاحهم المبارك فهل من الأحزاب والهيئات من سلك هذا السبيل أو قدم مثل هذا المنهاج والإنتاج ويا ويح أمة تقدر على الهدم ولا تحسن البناء وإنا لله وإنا إليه راجعون."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق